رواية كاملة

لمحة نيوز

إنك صحيتي عشان تشوفي فطار للراجل اللي طالع عينه ونايم على البلاط ده، ولا هنسيب المهندس يروح شغله ببطن فاضية عشان جنابك زعلانة؟
سلمى وقفت في مدخل المطبخ، مالت بجنبها وبصتلها بابتسامة مرسومة بالمسطرة صباح النور يا نوال هانم. الفطار ده مسؤولية كل واحد عن نفسه، إحنا اتفقنا امبارح إن النظام اتغير. الأكل اللي في التلاجة محطوط في علب ومكتوب عليه اسمي، والبوتاجاز موجود اللي عايز يغلي بيضة أو يعمل شاي يولع عين البوتاجاز بس يجيب حاجته معاه. وبعدين ابنك معاه كارت البنك يقدر ينزل يجيبلك فول وطعمية سخنة من المحل اللي على أول الشارع، ده لو الكارت فيه فلوس يعني.
رامي وقف على حيله بعصبية، وشد التيشيرت بتاعه سلمى! متزوديهاش بقى! إنتِ شايفة أمي عاملة إزاي ومش قادرة تقف على حيلها؟ إيه القسۏة اللي نزلت على قلبك فجأة دي؟! فين العيش والملح اللي بينا؟!
سلمى لفت ووشها اتصلب، عينيها بقت زي الړصاص الحي العيش والملح إنت اللي طفحته ورجعته لما قعدت تدبر في ضهري إزاي تاكل حقي وشقايا. العيش والملح اللي بجد بيحفظه ولاد الأصول يا رامي، مش اللي بيخططوا يدخلوا أهاليهم بيوت ناس تانية
ڠصب عنهم عشان ينهبوا شقاهم ويعيشوا عالة. عيش وملح إيه وإنت كنت بتسحب من حسابي تحطه في بنزين عربيتك ومصاريفك التافهة؟!
نوال زعقت وهي بتخبط كف بكف اسمع يا رامي.. أنا الست دي مش طايقالها كلمة تانية في البيت ده! البت دي لازم تتأدب وتعرف مين ستها ومين اللي كلامها يمشي! طلقها يا واد وخليها تقعد في شقتها دي تعوي فيها لوحدها!
سلمى ضحكت ضحكة رنت في الصالة، ضحكة واثقة خلت نوال تبلع بقية كلامها ياريت يا حماتي، والله دي تبقى أحسن حاجة رامي يعملها في حياته كلها! بس قوليله يجهز مؤخر الصداق المكتوب في القسيمة، سبعين ألف جنيه نقدًا، ويجهز تمن الدهب اللي خده مني وكتب بيه إقرار على نفسه، ده غير قائمة المنقولات اللي متسجلة في المحكمة بحوالي ربع مليون جنيه واللي إنتو الاتنين مش عارفين هي راحت فين ومستعد أقدم بلاغ بتبديدها دلوقتي لو حابب. قوليله يطلق، يلا يا رامي، وريني شجاعتك وطلقني حالاً!
رامي رجع خطوة لورا، لسانه تقل في بقه ووشه صفر. هو عارف الحسبة دي كويس، وعارف إن سلمى مش بتهوش، دي كل خطوة بتعملها وراها ورق ومستندات تدخله في حيطة سد.
في اللحظة دي، جرس الباب رن. نوال بصت للباب باستغراب، ورامي وقف متنح. سلمى راحت ناحية الباب وفتحته، وظهر محمود ابن خالها، ومعاه راجل لابس بدلة شيك وماسك في إيده شنطة جلد سودا، ووراهم اتنين شباب شغالين في شركة صيانة وتركيبات.
محمود دخل وابتسم صباح الخير يا سلمى. صباح الفل يا محمود، اتفضل، أستاذ عادل المحامي وصل في ميعاده بالظبط.
رامي عروق جبهته نطت، وقرب بسرعة وهو بيزعق إيه ده؟! مين دول يا سلمى؟! الشقة دي مفيهاش رجالة ولا إيه عشان تدخلي ناس غريبة علينا في الصباحية كده؟!
محمود وقف قصاد رامي، وكان أطول منه وأعرض، وبصله بنظرة قاطعة صوتك ميعلاش يا رامي عشان إنت عارف إني مش غريب، أنا ابن خالها ووكيلها الرسمي في إدارة العقار ده. وده الأستاذ عادل محامي العيلة، والشباب دول فنيين جايين ينفذوا طلبات
المالك.
نوال وقفت مسكت في رامي من ضهره وقالت بصوت بيترجف فنيين إيه وطلبات إيه؟! انتو جايين تعملوا إيه في بيتنا؟!
المحامي عادل فتح شنطته وطلع ملف كبير، ووقف في نص الصالة وقال بصوت هادي وقانوني صارم الشقة دي ملك خالص للموكلة الأستاذة سلمى، بموجب العقد المسجل رقم ألف وميتين وستة، ولا يوجد لأي طرف آخر أي حق انتفاع أو ملكية فيها. وبناءً على طلب الموكلة، تم تقسيم الشقة لوحدتين مستقلتين لتقليل استهلاك الخدمات ولأغراض الاستثمار، واليوم سيتم تركيب عداد كهرباء منفصل بكارت للدور، وتركيب قفل إلكتروني للأبواب الخاصة بغرف الإيجار وغرفة الموكلة، وفصل خط المية للغرف المستأجرة.
رامي بص للمحامي وبعدين لسلمى والذهول واكله تقسيم إيه وعداد إيه؟! إنتِ عايزة تحبسينا في الصالة؟!
سلمى قربت من رامي، وطلعت ورقة تانية من جيب الإسدال الصالة دي مش ملكك يا رامي. وبما إنك مصر تقعد فيها إنت ووالدتك، فالمحامي جهز عقد إيجار مؤقت للصالة والحمام المشترك، الإيجار الشهري ستة آلاف جنيه شامل المية والنور، هتدفعهم أول كل شهر، وإلا هيتعمل فيك محضر طرد فوري لعدم وجود سند قانوني لإقامتك هنا بعد ما شيلتك من بطاقة السكن.
نوال صړخت بصوتها كله ستة آلاف جنيه في الصالة يا مفترية؟! ده إحنا في بلدنا كنا قاعدين في دوار يساع مية راجل ببلاش!
سلمى ردت عليها بنظرة باردة ده في بلدكم يا حماتي، اللي إنتِ بعتيه وقبضتي تمنه بالملايين وشيلتيهم في جيبك وجاية تعيشي عندي ببلاش وكمان تطلبي كنبة طبية بتمانية وأربعين ألف جنيه من جيبي! هنا القاهرة، وهنا كل شبر بتمنه، واللي عايز يقعد في ملك غيره يدفع، ولا إنتِ شايفة إنك تاخدي حقي وتعيشي على قفايا؟!
رامي مسك إيد سلمى پعنف وقال إنتِ اتعديتي كل الحدود يا سلمى! أنا جوزك! سامعة يعني إيه جوزك؟! الشرع والدين بيقولوا الزوجة تطيع جوزها!
سلمى نفضت إيده من عليها بقوة وحزم والشرع والدين قالوا إن الراجل هو اللي بيوفر السكن والكسوة والأكل، مش يجي يقعد في شقة مراته ويجيب أمه تتحكم فيها ويسرق دهبها ومرتبها!
إنت سقطت في كل واجباتك الشرعية من يوم ما طمعت في مالي واعتبرت طيبتي وسكوتي ضعف وغباء منك!
المحامي عادل اتدخل ووقف بين رامي وسلمى يا أستاذ رامي، عشان نكون واضحين ونقصر الطريق، دي إنذارات رسمية على يد محضر هتوصلك على شغلك بكرة، أول إنذار برد أعيان الجهاز وقائمة المنقولات في ظرف تمانية وأربعين ساعة أو الحبس پتهمة التبديد، وتاني إنذار بدفع إيصال الأمانة الخاص بقيمة المصوغات الذهبية وقيمتها مية وعشرين ألف جنيه بسعر اليوم، وتالت حاجة دعوى طرد من العين لعدم سداد مقابل الانتفاع. تحب نودع الورق ده في القسم والمحكمة ولا نخلص بالتراضي وكل واحد يروح لحاله؟
نوال لما سمعت كلمة الحبس والتبديد وإيصال الأمانة، قلبها وقع في رجليها. بصت لرامي بعينين تايهة ومړعوپة إيصال أمانة إيه وحبس إيه يا رامي؟! هو إنت ماضي على ورق يا نيلة؟!
رامي وشه اتخطف وبقى باهت زي المېت. كان ماضي على إيصال الأمانة زمان لما أخد منها الدهب عشان يسدد قسط أخير في مشروعه اللي فشل، وسلمى كانت محتفظة بالورقة في خزنتها من غير ما تفتح سيرتها أبدًا، وهو كان ناسي أصلًا إن الورقة دي موجودة وبتتنفس في الدرج ومستنية اللحظة الصح.
رامي بص في الأرض، وصوته بقى واطي ومكسور كأنه عيل صغير اتقفش بيسرق سلمى.. خلينا نتكلم على انفراد.. بلاش المحاكم والناس اللي واقفة تتفرج علينا دي.. إحنا بينا سنين وعشرة.
سلمى شالت الوش الهادي، وبصت له بكل الصدق والقوة اللي كانت حابساهم طول سنين جوازها العشرة دي إنت اللي قټلتها يا رامي في التسجيل بتاع الساعة اتنين بالليل.. لما قولت لأمك سلمى هبلة وبتوافق على كل حاجة وأنا عارف أتعامل معاها. في اللحظة دي، إنت مسحت بإيدك أي ذكرى حلوة كانت بيننا، وبينتلي إنك كنت شايفني مجرد بنك متحرك ومكان ببلاش تعيش فيه إنت وأهلك وتاكلوا خيره. أنا مش هعيش ثانية واحدة مع راجل باصص في لقمتي وشايفني فرصة يستغلها.
نوال وقفت، ورجليها بتخبط في بعض من الړعب على ابنها الوحيد وفلوسها اللي شايلاها ومش
عايزة تطلع منها مليم يا بنتي اهدي وصلي على النبي.. إحنا أصلًا مكناش ناويين نقعد كتير، دي كانت زيارة كام يوم نغير جو بس ونتطمن عليكم.. رامي ابني ملهوش في الحبس والپهدلة دي، وإحنا ولاد أصول ونعرف الواجب.
سلمى ابتسمت ابتسامة صفرا قطعت بيها كل سبل الرجوع لا يا حماتي، انتو مكنتوش جايين زيارة، انتو جايين بخمس شنط وعربيات شحن وعايزين كنبة طبية بتمانية وأربعين ألف عشان الإقامة الدائمة. بس الحلم خلص هنا. الورق ده مش هيتنزل عنه غير بحاجة واحدة بس.
رامي رفع عينه بلهفة وخوف إيه هي يا سلمى؟ قولي وأنا هنفذ فورًا.
ورقة طلاقي توصلي من المأذون قبل صلاة العصر النهاردة، تتنازل عن أي حقوق وتوقع على مخالصة كاملة، وتاخد أمك وشنطك وتخرجوا بره العمارة دي ومشوفش وشك في الشارع ده تاني أبدًا. لو ده حصل، هسلمك إيصال الأمانة وقائمة المنقولات قصاد ورقة الطلاق ونسيب بعض بالمعروف. لو مخرجتوش قبل العصر، المحامي هيتحرك، والشرطة هتيجي تنفذ الطرد والقبض في نفس الساعة، وقدام كل جيرانك وأصحابك والشركة اللي بتشتغل فيها.
نوال شدت رامي من دراعه بكل قوتها، وصوتها اتخنق بالخۏف على فلوسها اللي في البنك لتروح في محامين وغرامات طلقها يا رامي! طلقها يا واد دي ولية حية ومعاها ورق يودي في داهية! طلقها خلينا نغور من هنا بكرامتنا، ده إحنا مش هنخلص من شرها! يلا شيل الشنط دي من هنا!
رامي فضل واقف ثواني بيبص لسلمى، كان بيحاول يدور في عينيها على البنت الطيبة، الساذجة، اللي كانت بتسامح في حقه وفي فلوسها وتطبخله وتستناه بابتسامة.. بس ملقاش غير جدار عالي من الصلابة والعزة والكرامة اللي اتولدت من جديد. عرف إن كل محاولاته فشلت، وإن القناع اللي كان لابسه طول السنين اللي فاتت وقع ومبقاش فيه أي حيلة تنفعه.
هز راسه ببطء وهو مكسور تمامًا، وبص للمحامي وقال هروح معاك للمأذون دلوقتي.. بس عايز حاجتي الشخصية وهدومي.
سلمى شاورت لمحمود، اللي دخل أوضة النوم وجاب شنطة سفر رامي الكبيرة اللي كانت سلمى رصت فيها
هدومه وحاجته الشخصية من بالليل بمنتهى الترتيب، وحطها قدامه في الصالة حاجتك جاهزة أهي يا رامي، مفاضلش غير إنك تاخدها وتتفضل.
نوال بدأت تلم أكياسها وشنطها وهي بتبرطم وتدعي بالويل والثبور، والشباب الشيالين نزلوا الشنط على السلم، ورامي ماشي وراهم مطأطأ الراس، عينه في الأرض، مش قادر حتى يرفع عينه في وش البواب اللي كان واقف يتفرج ومستغرب المشهد.
نزلوا كلهم، وراح رامي مع المحامي عادل ومحمود عشان يخلصوا إجراءات الطلاق في مكتب المأذون اللي جنب العمارة، وسط صمت تقيل وخيبة أمل نوال اللي حلمت بالسيطرة على شقة الهوانم وطلعت منها مطرودة في عز الضهر من غير حتى كباية شاي.
بعد ساعتين، الباب خبط خبطة خفيفة. فتحت سلمى، وكان محمود لوحده في المدخل. مد إيده وادالها ظرف أبيض كبير، وابتسم وقال مبروك يا سلمى.. ورقة طلاقك اهي، وكل المخالصات القانونية اتمضت، ورامي سلم المفاتيح اللي كانت معاه للمحامي رسمي، وأمه أخدته وخدوا تاكسي على محطة القطر عشان يرجعوا بلدهم بخيبتهم.
سلمى مسكت الظرف بإيدين تابتة، وحست فجأة كأن جبل تقيل أوي كان نايم على صدرها وذاب في ثواني. سحبت نفس عميق وطويل، نفس نقي مكنتش حسيت بيه من سنين.
شكرًا يا محمود.. لولا وقفتك جنبي مكنتش هعرف أخد حقي بالشياكة دي.
محمود ضحك وقال العفو يا بنت خالي، إنتِ اللي خططتي وإنتِ اللي كنتِ قوية. العفش بتاعك في المخزن متغلف ومحفوظ، تحبي العمال يرجعوه امتى؟
سلمى بصت في الصالة الفاضية، وشافت الشمس داخلة من البلكونة بتنور كل ركن فيها، الأرضية البلاط كانت بتلمع، والهوا كان داخل منعش ونضيف، وقالت براحة ورضا ماليين قلبها بكره يا محمود.. سيب الصالة واسعة كده النهاردة.. الشقة شكلها كده واسع وبيرد الروح، وحاسة لأول مرة إنها بيتي أنا وبس.. بيتي اللي مش هيدخله تاني أي إنسان يطمع فيا أو يفتكر إن طيبيتي دي قلة حيلة.
قفلت سلمى الباب بالمفتاح، ودخلت وقفت في نص الصالة، رفعت راسها لفوق وابتسمت ابتسامة صافية، كانت عارفة إنها بدأت صفحة جديدة في حياتها، صفحة عنوانها إن اللي
يتنازل عن كرامته مرة بيخسر كل حاجة، وإن اللي يعرف قيمة نفسه، مفيش حد في الدنيا يقدر يكسره.
النهاية

تم نسخ الرابط