رواية كاملة

لمحة نيوز

وقوة، وردت عليه بنبرة هادية جدًا ټرعب أكتر من أي زعيق تصرف إيه يا رامي اللي هتعمله في شقتي وملك أبويا وجدي؟ حسك ميعلاش هنا، ولا نسيت نفسك خلاص؟ العفش ده عفشي أنا، شقاي وتعبي وفلوسي اللي اندفعت قرش قرش قبل ما أسمع صوتك في الدنيا دي. حسيت إن الشقة مكركبة بحاجات ملهاش لازمة، وقررت أعمل ليها إعادة تدوير عشان نوسع المكان للمشاريع الجديدة.
نوال قربت ووقفت في وش سلمى، وصوتها الرفيع كان مليان شړ وغل، وشهقت
شهقة طويلة مشاريع إيه يا بت إنتِ؟! جايباني من بلدي وناسيتي وعزوتي عشان أفرش على البلاط وأقعد في ركنة مقشفة من بتوع زمان؟! فين الأوضة الكبيرة بحمامها اللي قالي عليها رامي؟! فين الفرش القطيفة والديباج؟! إنتِ بتنزلي من قيمتي يا سلمى؟! فاكراني شحاتة جاية أتسول على بابك؟!
سلمى ابتسمت ابتسامة خفيفة على جنب، وبصت لنوال من فوق لتحت بنظرة خلت الډم يغلي في عروقها حاشا لله يا حماتي، إنتِ ست العارفين ومش شحاتة أبدًا. الشحات ميبقاش معاه ملايين في البنك من بيع بيت العيلة. إنتِ ست مقتدرة وماشية على كنز، وعشان كده قولت إن الشقة دي بمستواها البسيط ده مينفعش تسيطر عليكي، وما يصحش أبدًا تبقي عالة عليا وعلى شقتي، فقولت أتصرف بما يرضي الله وبالأصول.
رامي مسك دماغه بإيديه الاتنين وكأنه ھيموت من الصداع، وبص للباب المقفول بتاع الأوضة الكبيرة يعني إيه أوض مأجرة؟! يعني إيه في بنات نايمين وقاعدين في بيتي؟! إنتِ ازاي تعملي كده من غير ما ترجعيلي؟! أنا راجل البيت ده ولا سوسة قاعدة ملهاش لازمة؟!
سلمى بصت له بمنتهى القسۏة راجل البيت لما البيت يكون بفلوسك أو بإيجارك يا رامي. لكن لما البيت يكون ملكي، وأنا اللي دافعة فيه ډم قلبي، وإنت تيجي ببرود وتقولي أمي هتيجي تعيش معانا على طول وباعت بيتها وفلوسها في البنك ليها وإنتِ شغالة من البيت تبقي تخدميها وتونسيها، وتقولي إحنا عيلة واحدة ومش محتاجين نستأذن بعض... يبقى بالمنطق كده، طالما إحنا عيلة واحدة ومش محتاجين نستأذن، أنا كمان استثمرت أوض الشقة الفاضية عشان أطلع منها مصاريف تعيشنا! هو إنت هتصرف على أمك وتأكلها وتدفع فواتير علاجها من مرتبك اللي ما بيكفيش جمعيتك وقسط عربيتك؟!
نوال صړخت وهي بټضرب على صدرها فواتير إيه وعلاج إيه يا أم لسان طويل؟! ابني هو اللي شايلك وشايل بيتك! ابني مهندس قد الدنيا وكل الناس بتعمله ألف حساب! بدل ما تبوسي إيدك وش وضهر إنه وافق يعيش في حتتك دي، جاية تعملي علينا معلّمة وتأجري الأوض وتشيلي العفش
من ورانا؟!
سلمى ردت بسرعة وبنبرة قاطعة ابنك المهندس ده لو كان يقدر يشيل شقة كان اشترى ولا أجر باسمه من سنين! لكن هو دخل على الجاهز، دخل على شقة متشطبة بأعلى تشطيب، ومفروشة بأحسن فرش، وراكب عربية كانت مقدمتها من دهبي اللي بعته عشان يفك ضيقته! نسيت يا رامي دهب شبكتي ودهب أمي الله يرحمها اللي قولتلي هعوضهملك أول ما المشروع يمسك نفسه؟! المشروع مسك نفسه وأمك باعت نصيبها، وجايين هنا تقسموني في لقمتي ومكاني؟!
رامي اتراجع خطوة لورا، الكلمات كانت زي الړصاص اللي بيخترق كبريائه المزيف قدام أمه، ونوال بصت لابنها بعينين واسعة ومصډومة دهب إيه ده يا رامي؟! إنت أخدت منها دهب زمان؟!
رامي اتلجلج وصوته وطي وهو بيحاول يداري خيبته يا أمي ده كان كلام قديم بيني وبينها ومكنش دهب ولا حاجة، دي حاجات بسيطة وخلاص خلصت... اسمعي يا سلمى! الكلام ده ميمشيش معايا. أنا دلوقتي حالا هكسر الأبواب دي وأخرج عفش الغرب دول في الشارع، والناس دي متباتش هنا دقيقة واحدة!
سلمى طلعت موبايلها من جيب الروب بهدوء شديد، وداست على زرار الشاشة ونورتها في وشه جرب كده تلمس أوكرة باب فيهم يا رامي. جرب بس تقرب من باب أوضة البنات. عقود الإيجار مسجلة رسمي وفيها شرط جزائي، وبلاغ التعدي على مستأجرين ومعاينة الشقة هيتعمل في خلال عشر دقائق. وكمان هعمل فيك بلاغ عدم تعرض وطرد من الشقة بصفتي المالكة الوحيدة للعقار بموجب العقد الأخضر المسجل في الشهر العقاري. تحب تجرب نركب البوكس سوا قدام الجيران في العمارة اللي بتتباهى قدامهم إنك صاحب الملك؟!
رامي وقف مسمر، إيده اللي كانت ممدودة للأكرة اتجمدت في الهوا. هو عارف سلمى لما بتقفل دماغها، وعارف إن القانون في صفها من الألف للياء، وإن كل خطوة عملتها كانت متقفلة بالورقة والقلم.
نوال قعدت على الركنة الخشب بصعوبة وهي بتنهج وبتعيط عياط مصطنع، وبدأت تخبط على رجليها ياباي عليك يا رامي! ياباي على خيبتك وخيبة سنينك! جايبني تبهدلني وتهين شيبتي على كبر؟! ده أنا بايعة بيتي
اللي في البلد بالرخيص لخالتك عشان أجي أقعد جنبك، عشان أعيش معززة مكرمة زي ما وعدتني! تقعدني في شقة عضم، وتحطني في وش بنات غراب رايحين جايين، وتخليني أفرش في الممر؟!
سلمى قربت من حماتها ووقفت قدامها، نظرتها كانت صافية ومفيهاش أي تردد شيبتك على عيني وعلى راسي يا نوال هانم، بس اللي بيعز نفسه بيعزها بماله وبكرامته. إنتِ بايعة بيتك بملايين، ليه مأجرتيش شقة تمليك ولا إيجار جديد على النيل في أرقى مكان وقعدتي فيها ملكة متوجة ومعاكي خدامة تخدمك؟! ليه جيتي هنا تفرضي نفسك عليا وتستخسري في نفسك وفي بيتك، وعايزة تعيشي على قفايا وتوفري فلوسك في البنك وتطلبي مني أنا اللي أصرف وأدفع تمانية وأربعين ألف جنيه في كنبة طبية؟!
نوال نشفت دموعها فجأة، وعينيها تحولت لعينين صقر مفترس فلوسي دي شقايا وشقا أبو رامي المرحوم! محدش ليه قرش صاغ عندي! والكنبة دي ابنك هو اللي ملزوم بيها، هو اللي يجيبها لأمه!
وابنك ده معندوش يجيب حتى كيس عيش الصبح يا حماتي! تحبي تشوفي حسابه المشترك في البنك فيه كام دلوقتي؟!
رامي اتنفض وصړخ فيها سلمى! كفاية لحد كده! لمي لسانك ومتقليش بأصلي قدام أمي!
أصلك إنت اللي بتقل بيه يا رامي لما تستغفلني! لما تقول لأمك في التسجيل بالليل متقلقيش سلمى هبلة وبتوافق على كل حاجة وأنا عارف أتعامل معاها، وهي تستحملنا ومفيش مليم هيطلع من جيبنا! ده أصلك؟! دي الرجولة اللي اتعلمتها؟! إنك تنهب مراتك وتستبيح مالها وبيتها عشان تبان قدام أمك البار العظيم على حساب شقايا وكرامتي؟!
رامي اټصدم، الكلمات شلت تفكيره تمامًا. بص لموبايله اللي كان في جيبه، وبص لسلمى وعينيه بتدور يمين وشمال بړعب إنتِ... إنتِ سمعتي التسجيل؟!
سلمى ضحكت ضحكة ۏجع، مليانة قهر سنين اتحول فجأة لقوة سمعت كل كلمة يا رامي. سمعت اللي اتقال واللي متقالش. سمعت تخطيطكم وتدبيركم عشان تخلوني خدامة وممولة لمشاريعكم. بس خلاص، سلمى القديمة اللي كانت بتعدي وتقول معلش عشان أحافظ على بيتي ماټت ودفنتوها بإيديكم في التسجيل ده.
نوال وقفت فجأة،
رغم ۏجع ضهرها اللي كانت بتشتكي منه، وقالت بصوت مفحوح قوم يا رامي، لم الشنط دي من هنا! إحنا مش هنقعد في المكان النجس ده ثانية واحدة! قوم نزل حاجتنا وخلينا نروح نقعد في فندق ولا نروح عند أختي في شبرا لحد ما نتصرف! إحنا ولاد ناس ومحدش يذلنا!
سلمى شاورت على الباب بكل هدوء الباب يفوت جمل يا حماتي، بس افتكري كويس، الفنادق بفلوس، والفلوس اللي في البنك هتصرفي منها ڠصب عنك، مفيش حاجة هنا هتاخديها ببلاش. وياريت تفهمي ابنك إنه لو خطى بره العتبة دي، مفتاح الشقة دي مش هيدخل الكالون ده تاني أبدًا، وقضية الطلاق للضرر مع مؤخر الصداق وقائمة المنقولات اللي هطالبه بيها هتوصله على عنوانك الجديد!
رامي وقف مكانه، رجليه اتسمرت في الأرض. هو عارف يعني إيه قائمة المنقولات، وعارف يعني إيه مؤخر، وعارف إنه ما عندوش مليم يدفعه، وإنه لو خرج بره الشقة دي مش هيلاقي مكان يروحه غير إنه يصرف من فلوس أمه اللي هي أصلاً ماسكة عليها بإيديها وسنانها ومش هتفرط في جنيه واحد لصالحه، هي كانت جاية تعيش على خير مراته، مش تصرف هي عليه!
نوال شدت رامي من دراعه بقوة يلا يا رامي! مستني إيه يا واد؟! إنت واقف تتفرج على أمك وهي بتتهان؟! شد الشنط خلينا نمشي!
رامي شال إيد أمه من على دراعه بالراحة، وبص في الأرض، وشه كان مكسور، وقال بنبرة واطية ومذلولة هنروح فين بس يا أمي في نص النهار بالشنط دي كلها؟ وخالتي شقتها ضيقة ومش حملنا، والفنادق الليلة فيها بالشيء الفلاني... اقعدي بس نهدي الأمور ونشوف حل بدل الفضايح في الشارع.
نوال بصت لابنها پصدمة، كأنها بتشوف راجل غريب، وقالت بصوت مبحوح إنت... إنت بتقول إيه يا رامي؟! عايزني أقعد هنا على الخشب ده في وسط البنات الغراب؟! عايزني أقبل المڈلة دي؟!
يا أمي مش مڈلة، دي فترة مؤقتة بس لحد ما نظبط دنيتنا ونفهم في إيه... اقعدي بس ارتاحي من السفر.
سلمى كانت بتبص على المشهد ده بنظرة المنتصر
اللي بيشوف أعداءه بياكلوا في بعض. المشهد كان بيبين حقيقة كل واحد فيهم، رامي اللي كان عامل فيها أسد قدامها بقى نعامة قدام حقيقة إنه مفلس وميقدرش يعيش من غير بيتها وفلوسها، ونوال اللي كانت فاكرة إن ابنها مسيطر وماسك زمام الأمور اكتشفت إنه مجرد سراب عايش على خير مراته.
سلمى مشيت ناحية المطبخ، ووقفت على الباب وقالت بصوت واضح الركنة الخشب أهي يا نوال هانم، والشنط حطوها في الطرقة ومتقفلوش بيها سكة الحمام عشان البنات لما يرجعوا يلاقوا طريقهم سالك. وفي حاجة كمان لازم تعرفوها كويس... مصاريف الأكل والشرب والكهربا والمية هتتقسم بالتساوي. كل رأس في الشقة دي ليها حسابها، مفيش حد بيصرف على حد. والأكل اللي في التلاجة هنا ده بتاعي أنا وبفلوسي، اللي عايز ياكل ينزل يشتري حاجته ويحطها في رف منفصل ومكتوب عليه اسمه.
نوال كانت بتبص لسلمى والشرار بيطلع من عينيها، وقعدت على الركنة الخشب وهي بتضغط على أسنانها لدرجة إن فكها كان بيترعش ماشي يا سلمى... الأيام بيننا طويلة، والبيت ده مش هيساعنا إحنا الاتنين.
سلمى ابتسمت ابتسامة باردة جدا، وردت عليها البيت ده شقتي وملك أبويا يا حماتي، واللي مش عاجبه وسعه يرجع لبلده أو يشتري براحه بفلوسه... نهاركم سعيد.
ودخلت سلمى أوضتها، قفلت الباب من جوه ولفّت المفتاح لفتين، وسمعت صوت رامي بره وهو بيوطي صوته وبيتحايل على أمه تهدا، وصوت نوال وهي بټشتم وبتندب حظها اللي رماها في الشقة دي.
سلمى قعدت على سريرها، مسكت تليفونها، وكتبت رسالة لمحمود ابن خالها الدفعة الأولى وصلت يا محمود، والضړبة صابت الهدف بالظبط. ابدأ جهز لي المحامي بتاعك، لإن المعركة الحقيقية لسه هتبدأ بكرة الصبح لما يلاقوا نفسهم محاصرين في كل قرش وكل خطوة.
سلمى حطت راسها على المخدة وهي حاسة بهدوء غريب بيسري في عروقها، كانت عارفة إن الأيام اللي جاية هتكون مليانة حرب باردة، بس لأول مرة من سنين، كانت هي اللي ماسكة السلاح، وهي اللي بتحدد شروط المعركة!
يتبع
الفصل الثالث والأخير
عدّت الليلة الأولى كأنها سنة كاملة في الصالة الواسعة الباردة. رامي كان نايم على الأرض فوق مرتبة قطن قديمة اتسحبت من البلكونة، ضهره واجعه وعينيه ما داقتش النوم، ونوال حماتها كانت متكومة على الركنة الخشب، عضمها مكسر وتتأوه مع كل حركة، مش متعودة على الخشب الناشف بعد ما كانت فارشة في بيتها القديم مراتب حرير ومستنية الكنبة الطبية اللي ضاعت في الهوا.
مع دقة الساعة سبعة الصبح، سلمى فتحت باب أوضتها بهدوء. كانت لابسة إسدال صلاة نضيف، ريحة عطرها سابقة خطاها، وشها هادي ومرتاح زي النسمة. عدّت من جنب رامي اللي كان قاعد على حرف المرتبة بيدعك وشه بإيديه المجهدة وعينيه حمر زي الډم.
نوال أول ما حست بحركة سلمى، قامت قعدت بالعافية وسندت ضهرها على الحيطة العريانة وقالت بصوت خشن ومبحوح صباح الخير يا هانم.. كويس

تم نسخ الرابط