رواية كاملة

لمحة نيوز

شقة والدتك اللي مقفولة في العباسية لحد ما أشوف هعمل إيه. الصالون، السفرة الكبيرة بالنيش، شاشة التلفزيون الضخمة، والكنب المريح... كل ده هيتشال.
محمود بصلها وكأنه بيشوف واحدة تانية خالص غير سلمى بنت خالته الطيبة يعني هتفضي الشقة؟ مش هفضيها كلها. هسيب بس الكنب القديم الخشب اللي كان في بيت ستي، والسجادة القديمة اللي ركناها في البلكونة، وترابيزة صغيرة. الشقة دي هتبقى على العضم بالمعنى الحرفي للكلمة. هسيب أوضة نومي مقفولة بقفل محترم، والمطبخ مش هيكون فيه غير تلاجة صغيرة والبوتاجاز، وأي حاجة غالية جبتها من شقايا وتعتبر رفاهية هتختفي.
وإنتِ ناوية على إيه لما يوصلوا؟
لما يوصلوا، الست نوال هتدخل تلاقي إن القصر اللي جاية تسيطر عليه وتتحكم فيه، اتقلب لسكن مشترك ناشف، مفيش فيه رفاهية التلفزيونات الضخمة والكنب اللي بتتمطع عليه، ولا شقة ملك كاملة تحت أمرها. هتلاقي أوضتها المجهزة مش موجودة أصلًا، وهتلاقي إنها لازم تتشارك في أبسط الحاجات، وإن كل جنيه كانت ناوية توفره وتعيش من وراه ببلاش، هيخرج من جيبها ڠصب عنها!
محمود هز راسه ببطء، وقال بضحكة باهتة ېخرب عقلك يا سلمى... إنتِ مش ناوية على خير أبدًا. بس تصدقي؟ يستاهلوا. رامي طول عمره شايف نفسه ذكي وعامل فيها تاجر شاطر وهو في الحقيقة عايش على خير غيره. أنا معاكي يا سلمى. هكلم رجالة العمال بتوع النقل دلوقتي، وخلال تلات ساعات هيكونوا هنا. وبالنسبة لموضوع البنات، أنا عندي اتنين دكاترة صيدلة شغالين في معمل تحاليل قريب هنا، كانوا بيدوروا على سكن نظيف بقالهم أسبوعين ودايخين، وهما في منتهى الأدب والاحترام وبيدفعوا بانتظام. هكلمهم يجوا يشوفوا الأوضة التانية ويستلموها بكرة الصبح.
تمام أوي. بس في حاجة تالتة، ودي الأهم. إيه تاني؟ البنك.
سلمى مسكت موبايلها رامي معاه كارت فيزا مرتبط بحساب مشترك كنا عاملينه لمصاريف البيت، وكان كل أول شهر بيسحب منه زي ما هو عايز، وأنا اللي كنت بحط فيه معظم المرتب بحكم إن دخلي من شغلي الحر أعلى منه بكتير. أنا دلوقتي حالا هحول كل الفلوس اللي في الحساب ده لحسابي الشخصي في بنك تاني ميعرفش عنه حاجة، وهسيب في الحساب المشترك بالظبط ميتين جنيه.
محمود ضحك بصوت عالي ميتين جنيه؟! ده تمن كارت شحن وبنزين للموتوسيكل! عشان لما ينزل يشتري فطار لأمه أو يحاول يحاسب على العربيات اللي جايبة الشنط
من الكارت، يلاقي نفسه بيتحاسب على القرش. هو مش جاي ومعاه أمه اللي بايعة نصيبها في البيت بملايين؟ يدفعوا بقى.
في ظرف تلات ساعات، كانت الشقة بتتحول لخلية نحل. عمال النقل جم بالبطاطين والحبال، وتحت إشراف سلمى، بدأوا يفككوا الصالون، النيش بالكريستال اللي فيه اتحط في كراتين مقفولة ومكتوب عليها أمانات، شاشة التلفزيون الستة وخمسين بوصة اتغلفت ونزلت، حتى السجاد التقيل اتلف وخرج.
الشقة اللي كانت بتبرق وبتشع دفء وفخامة، اتحولت في ساعات قليلة لمكان واسع وفاضي، مفيش فيه غير بلاط باين، وركنة خشبية صغيرة وبسيطة كانت سلمى شايلاها في أوضة الكراكيب، مع ترابيزة شاي صغيرة، والمروحة السقف شغالة بصوت واطي ومفيش أي أثر للتكييف في الصالة؛ لإن سلمى شالت الريموتات وفصلت الفيوز من لوحة الكهرباء عشان مفيش تكييف يشتغل غير في أوضتها بس لو حبت.
محمود جهز الورق الرسمي المؤقت للبنات، وفعلاً اتصل بالبنتين الدكاترة اللي جم وطايرين من الفرحة إنهم لقوا مكان قريب من شغلهم وفي عمارة محترمة، وسلمى اتفقت معاهم على كل التفاصيل يا بنات، الشقة هادية ومفيش دوشة، أوضتكم بحمامكم مقفول عليكم، وليكم استخدام المطبخ، وعقدكم قانوني ومكتوب بكل الشروط اللي تضمن حقكم وخصوصيتكم. لكن في ست كبيرة هتيجي تقعد في الصالة أو في الأوضة التالتة مع ابنها، محدش فيكم يختلط بيهم كتير ولا يدخل في تفاصيل معاهم.
الدكتورة مريم، اللي كانت أكبرهم، قالت بامتنان متقلقيش يا مدام سلمى، إحنا أصلًا يومنا كله بيضيع بين المعمل والمستشفى، بنرجع على النوم بس. وشكرًا بجد إنك فرجتيها علينا.
سلمى ابتسمت ابتسامة هادية العفو، ده حقكم، وحقي برضه.
مر اليوم، وسلمى فضلت قاعدة في الشقة وهي بتبص على المظهر الجديد. الشقة كانت كئيبة بالمقارنة باللي كانت عليه، وده بالظبط اللي كانت عايزاه. نوال كانت جاية عشان تستعرض قدام قرايبها في البلد إنها سايبة بيت قديم وجاية تقعد في شقة الهوانم في العاصمة، وكانت متخيلة إنها هتستقبل ضيوفها وتتصدر وتتحكم.
الساعة كانت داخلة على حداشر بالليل، لما رامي اتصل. سلمى بصت للموبايل، وفضلت ترن النغمة كذا مرة قبل ما تفتح بهدوء ألو يا رامي.
صوت رامي كان طالع وفيه دوشة وزغاريد حواليه في البلد ألو يا سلمى، إيه يا بنتي مبترديش من أول رنة ليه؟ جهزتي التحويل؟ الصيدلية بتاعة التجهيزات الطبية كلموني في التليفون وقالوا الكنبة جاهزة للشحن ومستنيين الدفع.
سلمى ردت ببرود تام تحويل إيه يا رامي؟ إيه اللي تحويل إيه؟ الكنبة الطبية بتاعة أمي! إنتِ نسيتي؟ لا منستش، بس معنديش سيولة تكفي يا رامي. الفلوس اللي كانت معايا في الحساب راحت في التزامات تانية طارئة.
رامي صوته اتغير وبقى ناشف، وابتدى يبعد عن الدوشة اللي حواليه التزامات إيه وطارئة إيه اللي بتمانية وأربعين ألف جنيه فجأة كده؟! إنتِ بتهزري يا سلمى؟ أنا وعدت أمي إن حاجتها هتبقى جاهزة ومستنياها!
والله دي ظروفي يا رامي، وبعدين مامتك باعت نصيبها في البيت بمبلغ كبير، والكنبة دي تمنها يعتبر ملاليم من الفلوس اللي معاها، تدفع هي وتجيب الحاجة اللي تريح ضهرها. هو عيب لما الست تشتري راحتها بفلوسها؟
رامي اتعصب، ونبرته بقت حادة إنتِ مالك بفلوس أمي؟! هو إنتِ هتحاسبينا على فلوسنا؟ خلاص يا ستي، مترميش بياضك، أنا هتصرف وهسحب من الحساب المشترك وأخلص الليلة، بس كلامنا لما أرجع هيكون ليه حساب تاني خالص!
وقفل السكة في وشها من غير ما يستنى ردها.
سلمى بصت للتليفون المقفول، ومردتش، بل ضحكت ضحكة هادية فيها سخرية
العالم كله. هتسحب من الحساب المشترك؟.. طب وريني هتسحب إزاي!
بعد ربع ساعة بالظبط، تليفونها رن تاني. الاسم رامي. فتحت الخط من غير ما تنطق، وجه صوته وهو پيصرخ وكأنه ماشي على جمر سلمى! إنتِ عملتي إيه في الفلوس اللي في البنك؟! إيه العمليات دي؟! إزاي الحساب رصيده ميتين جنيه بس؟! المكنة رفضت السحب والرسالة جاية إن الرصيد لا يكفي! إنتِ بتلعبي معايا؟!
صوتك ميعلاش عليا يا رامي وأنا بكلمك بأدب. الفلوس دي فلوسي، وأنا حطيتها في مكان محتاجاه. مش ده حساب مشترك عشان مصاريف البيت؟ البيت دلوقتي محتاج الفلوس دي، وأنا اتصرفت فيها.
إنتِ اټجننتي؟! إزاي تسحبي كل حاجة من غير إذني؟! بنفس الطريقة اللي إنت قررت بيها تجيب والدتك تعيش معايا في شقتي للأبد من غير إذني يا رامي. بالمثل بالظبط. مش إحنا عيلة واحدة ومش محتاجين نستأذن بعض على كل حاجة؟ إنت قولتلي الكلمتين دول الصبح قبل ما تسافر. شربت من نفس الكاس ليه بقى؟
رامي فضل يتنفس بصوت عالي كأنه بيغلي، وقال بصوت مكتوم ومليان حقد ماشي يا سلمى... ماشي. حسابنا مش في التليفون. بكرة الصبح أنا داخل عليكي بأمي وبشنطها، وساعتها هنشوف مين اللي كلامه هيمشي في البيت ده!
وقفل الخط بقوة.
سلمى قفلت التليفون، قامت بهدوء، طفت النور، ودخلت أوضتها، قفلت الباب بالمفتاح من جوه، ونامت وهي حاسة لأول مرة من سنين طويلة براحة بال عجيبة... كانت عارفة إن بكرة مش هيكون يوم عادي، بل هيكون المعركة الكبيرة.
طلع النهار، وسلمى كانت صاحية من بدري، لبست بيجامة قطيفة محترمة، وربطت شعرها بإيشارب خفيف، وقعدت في الصالة الفاضية ومعاها مج قهوة سخن، بتسمع صوت خطوات الدكاترة الصيدلانيات وهما بيستعدوا للخروج للشغل بدري. البنتين سلموا عليها باحترام وخرجوا بهدوء وقفلو الباب وراهم.
فضلت سلمى قاعدة لوحدها، بتبص في ساعتها. الساعة عشرة الصبح.
وفجأة، سمعت صوت حركة ودربكة في مدخل العمارة، وأصوات عالية طالعة على السلم، صوت رامي وهو بيزعق للشيالين بالراحة يا بني آدم بالشنط دي! فيها حاجات تتكسر! اطلع يا عم الشقة في التالت أهي!
وبعدها سمعت صوت نوال، صوتها اللي بيرن في بير السلم كله بالنبرة اللي مليانة تعالٍ ومفاخرة أيوة يا رامي، وسع كدة أما أشوف الشقة، يارب تكون البت سلمى هشت الصالة ونضفتها زي ما قولتلك، أنا عضمي بيوجعني ومش قادرة أقف على حيلي من سكة السفر المقرفة دي!
سلمى حطت مج القهوة على الترابيزة الخشبية الصغيرة بهدوء، ومقامتش من مكانها. فضلت قاعدة مربعة رجليها، عينيها ثابتة على باب الشقة.
المفتاح دخل في الكالون، ولف لفتين. الباب اتفتح على مصراعيه...
دخل رامي الأول وهو عرقان، وشايل في إيده شنطتين سفر تقال، ووراه أمه نوال، لابسة العباية السودا المطرزة وطرحتها الكبيرة، ووراهم اتنين شيالين شايلين تلات شنط كبار من الكراتين والشنط الجلد المربوطة بحبال.
نوال وقفت على العتبة، ولسه بتفتح بقها عشان تقول يا فتاح يا عليم، أفسحوا الطريق لست الكل... الكلام وقف في زورها.
عينيها فتحت على وسعها، وبصت يمين وشمال. الصالة... فاضية. مفيش صالون مدهب. مفيش نيش يلمع بالكريستال. مفيش سجاد تقيل مفروش على الأرض يغطي البلاط. مفيش شاشة تلفزيون على الحيطة. مفيش غير ترابيزة شاي صغيرة، وركنة خشب قديمة سلمى قاعدة عليها بكل هدوء وهي بتبتسم لهم ابتسامة باردة زي التلج.
رامي رمى الشنط من إيده على الأرض، وبص في أرجاء الصالة وهو مش مستوعب، وشه احتقن پالدم وبقى لونه أحمر زي الطماطم إيه
ده؟! فين العفش؟! إيه اللي حصل هنا يا سلمى؟! الشقة اتسرقت ولا إيه؟!
نوال حطت إيدها على صدرها وهي بتنهج ومش قادرة تتنفس، وبصت لسلمى بشړ يا داهية دقي! فين حاجتك يا بت؟ فين الشقة اللي ابني قايلي عليها قصر الهوانم؟! إنتِ جايباني أقعد في خړابة؟!
سلمى قامت من مكانها بمنتهى الرزانة، خطت خطوات بطيئة ناحيتهم، بصت لحماتها من فوق لتحت، وبعدين بصت لرامي وقالت بصوت هادي نزل عليهم زي الصاعقة حمد الله على سلامتكم يا نوال هانم... شرفتي السكن المشترك. اتفضلوا حطوا الشنط دي في الممر جنب الحمام المشترك، عشان الأوض التانية مقفولة لأصحابها الدكاترة اللي مأجرينها... وأوضتك يا رامي إنت ومامتك جاهزة أهي، الركنة الخشب دي تتفتح سرير، مريحة جدًا للضهر وببلاش، أصل الكنبة اللي بتمانية وأربعين ألف ملقتلهاش مكان هنا!
يتبع
الفصل الثاني حكايات مني السيد حصري 
الشيالين اللي كانوا شايلين الكراتين والشنط الجلد وقفوا في مدخل الشقة وبصوا لبعض بذهول، واحد فيهم نزل الكرتونة الكبيرة من فوق كتفه بحذر ومسح عرقه بكُم قميصه وهو بيبص للبلاط الفاضي والحيطان العريانة، وقال بصوت واطي ومتردد ننزل بقية الحاجه هنا يا أستاذ ولا إيه؟
رامي ماكانش سامعه أصلًا... كان واقف مسمر مكانه وعينيه بتلف في الصالة كأنه في كابوس، عروق رقبته نفرت واتملت ډم، وشه قلب أحمر قاني كأنه هينفجر، وبص لسلمى بصة كلها غيظ وغل، وصوت صريخه رج أركان الشقة لدرجة إن صوته عمل صدى في الصالة الفاضية سكن إيه؟! ودكاترة مين؟! ومين دول اللي مأجرين يا سلمى؟! إنتِ اټجننتي رسمي؟! إنتِ واعية للكلام اللي بتقوليه ده ولا عقلك طار منك؟!
نوال حماتها رمت طرحتها لورا بعصبية، ورفعت كفوفها الاتنين في الهوا ووشها بيتقلب مية لون، بصت للشيالين وزعقت فيهم نزلوا الزفت من إيديكم واطلعوا بره انتو! اطلعوا بره محدش يقف يتفرج على حريمنا!
الشيالين رموا الشنط على العتبة وجريوا على السلم من غير حتى ما ياخدوا بقية حسابهم كامل، ورامي قفل الباب وراهم برزعة هزت الحيطان كلها، ولف لسلمى وهو بيقرب منها بخطوات سريعة وصوابعه بتترعش من الڠضب فين العفش يا سلمى؟! فين النيش والصالون والسفرة؟! الشاشة اللي هناك دي راحت فين؟! انطقي قبل ما أتصرف تصرف مش هيعجبك!
سلمى ما رمشتش... ما رجعتش خطوة واحدة لورا، بل فضلت واقفة مكانها، رافعة راسها، وعينيها مثبتة في عينيه بكل برود

تم نسخ الرابط