رواية كاملة
قلقتيني عليكي. هشام قالي إنك تعبانة ومجهدة من الشغل، وشيرين فضلت تلف وتدور وتقول خياطة الأتيليهات اتأخرت وكلام كده مش داخل دماغي... بس أنا عيني فضلت رايحة جاية على باب القاعة مستني أشوفك إنتي ولبسك اللي متعود عليه، كل سنة بتفصليلي الجلابية ولا القفطان بإيدك، السنة دي لبسوني بدلة جاهزة من بتوع الزمالك، الياقة كانت خنقاني وكمها شادد على كتفي اليمين المخلوع، ومكنتش مرتاح طول السهرة!
كلامه قطع في قلبي، وفي نفس الوقت أداني القوة إني أكمل.
سلامة كتفك يا عمي، البدلة الجاهزة مبتعرفش شقانا ولا بتفهم مقاس الوجع اللي في دراعك. إنما بدلتك اهي، جت في ميعادها، متفصلة غرزة غرزة عشانك أنت بالذات.
شيلت الكفر القماش بهدوء، وفردت البدلة الكحلي قدامه. الراجل أول ما لمس القماش وشه نور، مشى إيده المرتعشة على الخياطة، ولما فتح الصدر وشاف النخلة الصغيرة المطرزة بالدهب في السجاف، عينه دمعت من غير ما يحس.
النخلة دي... زي اللي في شجرة عيلتنا في البلد. إنتي يا عزة لسه فاكرة؟
عمري ما أنسى يا عمي. اللي ميعرفش أصله ميبقاش له فرع يضلل عليه.
وقبل ما يكمل كلامه، صوت فرملة عربية عالي رن في الحوش، وبعدها بلحظات، صوت خطوات سريعة ومتوترة طالعة السلم. اتلفت، لقيت هشام أخو جوزي وشيرين داخلين التراس بهجوم، وشوشهم مخطوفة وعيونهم بتنطق رعب وغيظ. كان باين عليهم إنهم مناموش، أو إن البواب كلمهم أول ما دخلت فطاروا على هنا عشان يلحقوا المصيبة قبل ما تنفجر.
شيرين كانت لابسة نظارتها ومفرودة الضهر بمكابرة كدابة، وهشام وشه أحمر كأنه كان بيتخانق في الطريق.
صباح الخير يا بابا! هشام قالها بصوت بيحاول يخليه طبيعي وهو بيبصلي بنظرة كلها شك وعتاب إيه ده، عزة هنا؟ من بدري كده؟
حمايا رفع عينه ليهم ببطء، والنبرة الأبوية الحنينة اتحولت فجأة لنبرة مستشار بيبدأ جلسة محكمة
أهلاً يا هشام. أهلاً يا شيرين. خير، جايين بدري على غير عادتكم يوم الجمعة، في مصيبة في الشغل ولا إيه؟
شيرين دخلت في الكلام بسرعة وبنبرة مايعة متكلفة
لا يا أنكل بعد الشر، إحنا بس جينا نطمن عليك بعد مجهود الحفلة، وقولنا نفطر سوا... وشوفنا عربية عزة تحت، فقولنا ندخل نسلم عليها، أصلها وحشتنا ومجتش الحفلة ولا باركتلنا على الكولكشن اللي جيبناه من الزمالك!
بصيت لشيرين نظرة هادية جداً، وابتسمت ابتسامة خفيفة خلت عروق رقبتها تنفر. حمايا بص لشيرين وبعدين بص للبدلة الكحلي المفرودة قدامه، وقال بصوت جهوري
كولكشن؟! هو إنتوا مسبتوش عزة تعمل الهدوم عشان جايبين كولكشن جاهز؟!
هشام اتلخبط وبص لمراته بقلة حيلة، بس شيرين بلعت ريقها وردت ببرود مصطنع
يا أنكل، الحفلة كان فيها وزراء وسفراء ورجال أعمال، والوقت كان ضيق،
وكنا خايفين ورشة عزة متلحقش الكمية، فقولنا منضغطش عليها ونشيل عنها الحمل... مكنش قصدنا حاجة يعني.
هنا بقى كان لازم الكلمة تكون ليا. وقفت بوقار، وبصيت في عين شيرين مباشرة، وطلعت تليفوني بهدوء
لا يا شيرين، متجمليش الكلام اللي نزل زي الرصاص على قلبي. إنتي ملغيتيش الحجز عشان خايفة عليا، إنتي لغيتي حجز التلاتين طقم يوم الحفلة، الساعة حداشر وعشرة الصبح، بعد ما كنت مطبقة تلاتين يوم عشان أخلصهم. وقولتيهالي في وشي وفي ودني عيلتنا مش هتلبس حاجة طالعة من ورشة قديمة عطفة زي دي... وهنقول للناس إيه، خياطة من حتة شعبية؟ دي بيزنس وشغلك يصغرنا قدام الناس العالية.
التراس سكت تماماً. هشام اتسمر مكانه وبص لمراته وهو مش مصدق وشه راح فين من الخزي. حمايا عينه وسعت، ونار الغضب بانت في نظراته، ضرب بإيده على ترابيزة الخيزران ضربة خلت فناجين القهوة تتهز
الكلام ده حصل يا شيرين؟! بتستعري من شغل عزة؟! عزة اللي لما هشام كان في أول طريقه وبيمر بأزمة كانت ورشتها بتصرف على بيته قبل بيتها؟! عزة اللي هدومها من تلاتين سنة بتسترنا وتشرفنا في كل حتة؟!
شيرين اتوترت وصوتها ابتدى يعلى بالدفاع عن النفس
يا أنكل إنت فاهم غلط! عزة بتكبر المواضيع، دي أمور حريمي عادية، والناس الكبار في الحفلة ميعرفوش التطريز ده، دي ناس بتفهم في البراندات العالمية والمستوردة، إحنا كنا بنحافظ على اسم العيلة وشكل هشام في السوق! هو إحنا هنضحك على بعض؟ الورش دي لولاد البلد والطبقة الشعبية، مش لحفلات الفنادق الفاخرة!
طب والست عايدة البحيري، من الطبقة الشعبية برضه يا شيرين هانم؟ رميت الجملة دي في وشها زي القنبلة.
هشام مسك دماغه وشهق شهقة واطية، وشيرين لسانها اتربط وفضلت تبصلي بعيون مرعوبة.
حمايا استغرب وسأل بفضول
مين؟ عايدة البحيري؟! أرملة الحاج إسماعيل البحيري؟! مالها ومال ورشة عزة يا هشام؟
هشام، اللي كان طول عمره بيجري ورا شراكة أو حتى صفقة صغيرة مع شركات البحيري ومش طايل، مقدرش يداري أكتر من كده، اتكلم بصوت مهزوم ومكسور
الست عايدة نزلت بنفسها امبارح يا بابا... نزلت ورشة عزة في الحارة بالعربيات والحراسة، وكانت قالبه مصر كلها عليها عشان لقيت شغل قديم لعزة من تلاتين سنة في فرح بنتها. ودخلت وقعت معاها عقد إنتاج كولكشن كامل باسم عزة يمثل مصر في معرض التراث الدولي في باريس وميلانو... وعطتها شيك بملايين تحت الحساب.
حمايا فتح بوقه من الذهول، وبصلي كأنه بيشوفني بنور جديد خالص. وبعدين لف وشه لهشام وشيرين، وضحك ضحكة قوية مليانة سخرية ومرارة
يا للعار! يا للعار والجهل! الست اللي بتهز الاقتصاد في مصر، وبنت أعرق عائلات الصعيد، نزلت الحارة العطفة اللي بتستعري منها يا شيرين، عشان تدور على أصل الفن والأصالة، وإنتي رايحة تدفعي ألوفات في شوية قماش بلاستيك مستورد من ورا البحر عشان تقولي للناس عندي براند؟! مين اللي بيصغر العيلة دلوقتي؟ الخياطة اللي شرفتنا وهترفع اسم مصر في باريس، ولا السطحية اللي متفهمش غير في القشور والمنظرة الكدابة؟!
شيرين عينيها دمعت من القهر والخزي، بصت لهشام تستنجد بيه، بس هشام زق إيدها عنه بعنف وقالها
اسكتي بقى! اسكتي خالص وضيعتينا وضيعتي هيبتنا! طول عمرك فاكرة الرقي بالفلوس والماركات، وضيعتي من إيدنا أكبر فرصة كنا نحلم بيها، وكسرتي بخاطر أجدع ست في العيلة دي!
طلعت الشيك ونسخة العقد من الشنطة، وحطيتهم بهدوء قدام حمايا على الترابيزة
أنا مجيتش هنا يا عمي عشان أشتكي ولا عشان أعمل فتنة بين راجل ومراته. أنا جيت أقولك إن الهدوم اللي اتلغت متترماش، الهدوم دي فرقت على عرايس وناس غلابة في الحارة، واللي لبسوها دعولك في يوم عيد ميلادك بقلب أبيض ومخلص يمكن أحسن من دعوة مية وزير في الفندق. وجيت أديلك بدلتك دي هدية تليق بيك وبمقامك، وبقول لهشام ولمراته ربنا لما بيقفل باب في وش بني آدم عشان قلة أصله، بيفتحله أبواب السما كلها من غير ما يحسب.
شيرين مقدرتش تستحمل أكتر من كده، عيطت بانهيار وخدت شنطتها وجريت على السلم ونزلت على عربيتها، وهشام فضل واقف مطأطأ راسه قدام أبوه، مش قادر يرفع عينه في عيني.
حمايا مسك البدلة الكحلي، وقام وقف بكل طوله، شال الروب بتاعه ولبس جاكيت البدلة قدامنا. البدلة قعدت على كتافه كأنها متفصلة على روحه، دراعه اليمين
اتحرك بكل سهولة وراحة، واللون الكحلي مع النخلة الدهبية خلوه كأنه باشا من بتوع زمان خارج من تابلوه فني قديم.
بص لهشام بصرامة وقاله
اتفضل انزل ورا مراتك، وخلي عندك دم وبلاش تفرط في أصلك تاني. ومن هنا ورايح، ورشة عزة دي متبقاش مجرد ورشة، عزة بقت فخر العيلة دي بجد، والاسم اللي هيتحط على المعرض هو اللي هيشيل اسم عيلة الدالي لفوق.
هشام بصلي بحزن وقال
حقك عليا يا عزة... سامحينا.
هزيت راسي من غير ما أرد، ونزل ورا مراته.
فضلنا أنا وحمايا في التراس لوحدنا، مد إيده وطبطب على كتفي بحنية أب مالوش مثيل
رفعتي راسي يا عزة، رفعتي راسي فوق الكل. ربنا يعوضك على صبرك وشقاكي، ومن النهاردة أنتي مش أسطى في حارة، أنتي أستاذة يعلم الناس كلها يعني إيه ستر ويعني إيه فن.
شربت قهوتي مع الراجل الطيب، وأنا حاسة براحة نفسية عمري ما دوقتها في حياتي. سبت الفيلا وخرجت، والشمس كانت بقت في كبد السما بتدفي الدنيا كلها.
رجعت على الورشة في الحارة، لقيت يافطة خشب جديدة كان نجار الحارة علقها من الصبح بدري هدية من أهل المنطقة، مكتوب عليها بخط عربي أصيل مدهب أتيليه الأسطى عزة الدالي للتراث المصري الراقي.
وقفت قدام الباب، بصيت للمكنة السنجر القديمة اللي عاصرت دموعي وشقايا، ومسكت مقصي الحديد اللي بيلمع. أم رحاب دخلت ورايا وهي بتشغل المروحة وبتقول
ها يا ست الكل، هنبدأ منين في كولكشن باريس؟
ابتسمت وربطت إيشاربي، وقلت وأنا بحط إيدي على توب الحرير الأخضر
هنبدأ من الأول يا أم رحاب... هنبدأ بالغرزة اللي ميعرفش يعملها غير ولاد الأصول. النهاية