رواية كاملة

لمحة نيوز

رن. كان هشام، جوزها وأخو جوزي. طلعت برا الورشة بسرعة ترد عليه وهي بتترعش، وصوتها كان طالع عالي ومخنوق
أيوة يا هشام... إنت فين؟... لا ماخلصتش... هشام، إنت لازم تيجي حالاً ورشة عزة... بقولك تعالى وبطل كلام فارغ! الست عايدة البحيري هنا... أيوة عايدة البحيري بشحمها ولحمها! بتوقع معاها عقد ومعرض في باريس وبتقول عليها أسطى وفنانة عالمية! إنت فاهم ده معناه إيه في وسط عيلتنا وفي البيزنس بتاعك؟! تعالى بسرعة وكلمها قبل ما نطرد برا كل حاجة!
قفلت السكة مع جوزها ورجعت دخلت الورشة، بس المرة دي وشها كان متبدل تماماً. الغرور اتمسح، والنبرة العالية انكسرت، وبقى مكانها نظرة استعطاف ورجاء رخيص. قربت مني، مدت إيدها وحطتها على كتفي، وصوتها اتهز
عزة... يا حبيبتي يا عزة... إحنا برضه أهل وسلايف وأخوات قبل أي حاجة. إنتي عارفة أنا بحبك قد إيه وبقدر تعبك، أنا بس اليومين اللي فاتوا كنت مضغوطة من دوشة العيد ميلاد وتجهيزات الفندق، ولساني فلت غصب عني... إنتي قلبك أبيض ومبتشيليش.
بصيت لإيدها اللي على كتفي، وبعدين بصيت في عينيها. شفت فيهم الخوف، الخوف من إن هشام يعرف إنها ضيعت عليهم فرصة زي دي، الخوف من إن حمايا يعرف إنها أهانتني ورفضت الهدوم عشان المظاهر، والخوف الأكبر إن شكلي أنا اللي كنت خياطة على قد حالي يبقى أعلى منها قدام مجتمعها اللي عايشة ترائيه طول عمرها.
شيلت
إيدها من على كتفي بهدوء شديد، خطوة بخطوة، ورجعت قعدت على الكرسي بتاعي، وقلت بصوت واطي بس ثابت كالجبل
الكلام ده كان ينفع يتقال يا شيرين وإنتي بتتصلي بيا الساعة حداشر الصبح يوم الحفلة وتقوليلي شغلك يصغرنا وميطلعش من ورشة عطفة. كان ينفع وانتي شايفة إيدي بتنزف من شكة الإبر وبتدوري على كولكشن جاهز من الزمالك عشان المنظرة الكدابة. أنا مسامحة في حقي لوجه الله، بس الشغل أصول، واللي مايحترمش غرزتي وتعتيق إيدي وهي بتبني له سترته، ملوش مطرح في مشواري اللي جاي.
الست عايدة ابتسمت ابتسامة رضا، وطبقت الملف بتاعها وقامت وقفت
عفارم عليكي يا أسطى عزة... الأصيل أصيل، والكرامة أغلى من أي قماش حرير. ميعادنا بكرة الساعة عشرة الصبح في مكتبي بالزمالك، نوقع العقود ونبدأ التجهيز.
وصلت الست عايدة لحد باب العربية، وسط عيون أهل الحارة اللي كانت مليانة فخر، وكلهم كانوا بيباركولي ويقولولي رفعتي راسنا يا ست عزة. العربيات اتحركت وسابت الحارة هادية زي ما كانت، بس الدنيا جوايا كانت اتغيرت تماماً.
رجعت للورشة، لقيت شيرين لسه واقفة مكانها، عينيها مبرقة على الشيك اللي على الترابيزة. وقفت قدامي وقالت بصوت بيهمس من كتر الغيظ والقهر
إنتي فاكرة نفسك خلاص بقيتي في حتة تانية؟ ده حتة شيك، والناس الكبار دول يوم معاكي وعشرة عليكي، بكره يرموكي زي ما جابوكي! الفستان ده... فستاني أنا، وأنا هاخده وادفع تمنه كاش دلوقتي حالا.
مدت إيدها تشد الفستان الفوشيا من على الشماعة بعنف، بس قبل ما صوابعها تلمس القماش، مسكت رسغها بإيدي الناشفة، الإيد اللي اشتغلت وشقيت، وضغطت عليها ضغطة خفيفة خلتها تتراجع خطوة لورا.
الفستان ده مش للبيع يا شيرين.
يعني إيه مش للبيع؟! ده معمول على مقاسي أنا وبفلوسي!
مكنش بفلوسك، إنتي ملحقتيش تدفعي مليم، ولما لغيتي الحجز الصبح، الحتة دي مبقتش تخصك. الفستان ده محجوز خلاص، وهيتبعت هدية لعيلة تانية بكرة الصبح، ناس تعرف يعني إيه تقدير وتعرف يعني إيه كلمة شكراً.
هشام مش هيسكت يا عزة! وحماكي...
قطعت كلامها بصوت حاسم
حمايا راجل طيب ومربي، وأنا رايحاله بكره الصبح أهديه بدلته الكحلي اللي خيطتها له بحبي، وهحكيله كل حاجة حصلت بحق الله، وساعتها هو اللي هيحكم مين فينا اللي يصغر العيلة ومين اللي يرفع راسها. اتفضلي بقى عشان عندي شغل وورشتي عطفة متليقش بمقامك.
شيرين بصتلي بصه كلها كره وغل، لفت وشها وخرجت ترزع الباب وراها، وكعبها بيتخبط في الأرض وهي بتجري على عربيتها عشان تلحق هشام اللي كان زمانه وصل لأول الشارع.
أم رحاب وقفت ورايا، حطت إيدها على كتفي وعينيها مدمعة من الفرحة
يا جبروتك يا شيخة! والله ووقفتي وقفة رجالة، دا ربنا نصرك نصر عزيز مقتدر!
قعدت على كرسي المكنة، وبصيت لبدلة حمايا الكحلي اللي لسه متعلقة ورايا، والنخلة الدهبي المطرزة في سجافها. مسكت المقص، وبدأت أجهز الباترونات الجديدة. الرحلة مكنتش خلصت، الرحلة كانت لسه بتبدأ، والمواجهة الحقيقية مع العيلة كلها ومع هشام وشيرين ميعادها بكرة في بيت العيلة الكبير... ومكنتش ناوية أتنازل عن حقي ولا عن احترامي قدام أي حد مهما كان جبروته.
الفصل الثالث والأخير
الشمس لسه كانت بتشقشق في سماء القاهرة، وصوت كروان الصباح بيمتزج مع بياعين الفول والعيش في الشارع. الليلة اللي فاتت مكنتش ليلة عادية؛ مانمتش فيها دقيقة واحدة، مش من التعب ولا من الهم، لأ، كانت عيني مفتوحة من نشوة النصر اللي دوقته بعد مرار طويل، ومن الهيبة اللي حسيت بيها وأنا بجهز للخطوة الأخيرة.
كنت واقفة في ورشتي من الفجر، كويت البدلة الكحلي بتاعة حمايا لآخر مرة، ملست على القماش الصوف الإنجليزي الناعم، وظبطت الياقة بالمكواة البخار لحد ما بقت مسطرة، وبصيت للنخلة الدهبية المطرزة جوة السجاف وابتسمت. غطيتها بكفر قماش شيك ونضيف، وحطيتها على دراعي، وأخدت معايا شنطة جلد فيها نسخة العقد المبدئي اللي ملاه مساعد الست عايدة، والشيك المقفول، وخرجت.
أم رحاب قابلتني على أول الحارة بكوباية شاي بلبن سخنة وقرصتين من الفرن، وقالتلي وعينيها بتلمع
توكلي على الله يا ست عزة، ربنا مابيكسرش خاطر ولاد الحلال، واقفي قدامهم وراسك في السما زي ما عهدتك دايماً.
أجرت تاكسي مخصوص وطلعت بيه على فيلا حمايا المستشار عبد الرحيم الدالي في المعادي. الفيلا القديمة ذات الطراز الكلاسيكي، بجنينتها الواسعة وشجر المانجا العالي، كانت لسه نايمة بعد دوشة الحفلة الكبيرة اللي اتعملت من يومين.
الساعة كانت داخلة على تسعة الصبح لما البوابة الحديد اتفتحت ودخلت منها. عم إدريس البواب القديم رحب بيا بابتسامة حقيقية
خطوة عزيزة يا ست عزة، الباشا الكبير صاحي وقاعد في التراس بيشرب القهوة وبيقرأ الجرانين، حمد الله على السلامة.
مشيت في الممر الرخام، وشايلة البدلة على إيدي بثبات. أول ما طلعت درجات السلم للتراس المفتوح على الجنينة، شفت حمايا، راجل له هيبة القضاة القدامى، شعره أبيض زي القطن، لابس روبه الصوف الكستنائي وقاعد على كرسيه الهزاز. أول ما لمحني نزل نضارة القراءة على أرنبة أنفه وابتسم ابتسامة عريضة نورت وشه التعبان
عزة؟ يا مرحب يا بنتي، نورتي بيتك. تعالي، تعالي دا أنا زعلان منك ومخصمك كمان، بقى راجل يوصل للتمانين، ومراته التانية وحبيبته متجيش تفرح معاه وتسيب العيال دي يدوخوا بيا؟!
قربت منه، وطيت على إيده الطيبة بوستها بكل حب واحترام، وقعدت على الكرسي الصغير اللي جنبه
ألف بعد الشر عليك من الزعل يا عمي، دا أنت الخير والبركة وسند البيت كله، وأنا مقدرش على زعلك دقيقة واحدة. كل سنة وحضرتك طيب، ويديك الصحة وطولة العمر ويفضل حسك مالي علينا الدنيا.
الراجل اتنهد وبصلي بعتاب أبوي
أومال مجيتيش الحفلة ليه يا بنتي؟
تم نسخ الرابط