رواية كاملة
حكايات مني السيد حصري
سلفتي لغت حجز ال 30 طقم اللي سهرت الليالي أفصلهم لعيد ميلاد حمايا التمانين عشان شايفاهم بيئة وميقاموش بعيلتهم؛ بعدها بأيام قليلة، وقفت قدام ورشتي سيدة أعمال من أتقل هوانم مصر بتدور عليا بالاسم.
الغِ ال 30 طقم يا عزة. عيلتنا مش هتلبس حاجة طالعة من ورشة قديمة عطفة زي دي.
صوت شيرين نزل عليا في التليفون زي اللطشة، الساعة كانت حداشر الصبح وأنا لسه في إيدي الفتلة الدهب بقفل كم البدلة الكحلي بتاعة حمايا. الحفلة كانت هتبدأ خمسة المغرب في فندق من بتوع جاردن سيتي الكبار.
قدامي كان مرصوص تلاتين حتة، تعب شهر بحاله مانمتش فيه غير ساعات تتعد على الصوابع فساتين سواريه بتطريز سيناوي وإيتامين يدوي راقي، شيلان حرير، جواكت وبدل رجالي، والبدلة الكحلي اللي صممت جيروها بمقاس مريح مخصوص عشان دراع حمايا تعبان وميتوجعش وهو بيتحرك.
بتقولي إيه يا شيرين؟
بقولك خلاص، مش هنلبسهم. المعازيم كلهم شركاء هشام ورؤساء بنوك وناس تقيلة في البلد. تخيلي يتصوروا والصور تنزل والناس تسأل اللبس ده منين، هقولهم إيه؟ خياطة في حتة شعبية؟
حسيت صوابعي تلجت مكانها.
يعني لما جيتيلي وطلبتي ال 30 طقم، كنتِ متفقة مع حد تاني؟
سكتت ثواني وردت ببرود
من شهر كده كنت حاجزة كولكشن جاهز من بوتيك كبير في الزمالك، احتياطي يعني.
هنا بقى فهمت كل حاجة. في الوقت اللي كنت باخد فيه مقاسات العيلة نفر نفر، وبلف على قماش خان الخليلي ووكالة البلح بالقطعة، وبطرز الحروف الأولى وبحاسبهم بسعر القماش عشان إحنا أهل... كانت هي مقررة من الأول إني مجرد كارت أستبن يترمى في أي وقت.
يعني مكنش في نيتك تلبسوهم أصلاً.
ماتأفوريش بقى يا عزة! حقك وتعبك هنديهوملك.
المسألة مش مسألة فلوس يا شيرين.
ضحكت ضحكة صفرا وقالتلي
المفروض تفكري في الفلوس، دي بيزنس. ومن غير زعل يعني، شغلك جميل وحلو لكتب كتاب بسيط، بس لعيلة زينا وفي وسط مجتمعنا... هيصغرنا.
بصيت لليافطة القديمة بتاعة ورشتي، المكنة السنجر اللي معايا بقالها أكتر من عشرين سنة، وعلامات شكة الإبر في صوابعي.
شغلي يصغركم؟
يصغرنا قدام الناس العالية.
قفلت السكة في وشي.
أم رحاب، اللي شغالة معايا على الترابيزة من خمستاشر سنة، كانت سامعة المكالمة كلمة بكلمة.
يا ست عزة، متقوليش إنها لغت الشغل يوم الحفلة؟
هزيت راسي من غير ما أنطق.
بعد ما صحتك اتهدت هنا لحد الفجر؟! والله ما يتسكتلها!
عبيهم في الكراتين يا أم رحاب.
مش هتتصلي تهزقيها؟!
مسكت بدلة حمايا، ملست على الياقة... من جوة، في السجاف، كنت مطرزة نخلة صغيرة بالخيط الدهبي، علامة ميعرفهاش ولا يلمحها غير اللي فاهمني وفاهم حبي للراجل الطيب ده.
الزعيق مش هيعلم قليل الأصل إزاي يحترم الناس.
الساعة أربعة ونص رن هشام، أخو جوزي وجوز شيرين
إيه يا عزة، مش جاية حفلة أبويا؟
بكرة هعدي عليه البيت أباركله براحتي يا هشام.
سمعت صوت الدوشة والمزيكا وراه، وصوت شيرين بتزعق للناس عشان يقفوا يتصوروا.
عزة، هو في إيه بالظبط؟
اسأل مراتك عن الهدوم، هي تفهمك.
قفلت قبل ما يلحق يزود كلمة.
بالليل، وفي الوقت اللي كان المعازيم مبهورين فيه ببدل وفساتين بوتيك الزمالك، أنا كنت لسه قاعدة في الورشة وسط الكراتين. فتحت واحدة منهم، كان فستان لونه فوشيا محروق عليه جاكيت أوف وايت، بتاع شيرين... مطرزالها في ديل الفستان الداخلي زهور ياسمين صغيرة عشان عارفة قصة حبها لبناتها وقد إيه بتحب تتباهى بيهم.
كنت لسه هقفل الكرتونة، لقيت الباب اتفتح ودخلت بنت شابة ومعاها أمها، باين عليهم التعب والبساطة. البنت كان كتب كتابها الأسبوع اللي بعده ومامعاهمش تمن فستان عدل تفرح بيه ستها التعبانة اللي نفسها تشوفها عروسة قبل ما تقابل وجه كريم.
خدت مقاس البنت، سبحان الله، كان بالمللي على طقم من اللي اتلغوا.
قيسيه كده يا بنتي.
أول ما خرجت من البروفة، أمها عيطت من كتر الحلاوة.
بكام ده يا أبلة عزة؟ والله مانقدر على تمنه.
هتلبسيه، وبعد الفرح ترجعيهولي مغسول ومكوي.
مايرضيش ربنا، تعبك يا ست الكل!
يبقى تمنه صورة ليكي وانتي حاضنة ستك وإنتي لابساه.
في الأيام اللي بعدها، الهدوم كلها لقت أصحابها كوستيم لست بتعزم على فرح دهبي، أطقم لبنات فرقة فنون شعبية غلابة، عروسة يتيمة... أم رحاب كانت تقولي كده بتوزعي شقا شهر ع الأرض؟
كنت أقولها الهدوم دي اتعملت عشان تستر وتفرح قلوب، مش عشان تتكنز في كراتين.
بعد خمس أيام، كنت بكنس قدام عتبة الورشة، وفجأة لقيت تلات عربيات جيب سودا كبار وقفوا في أول الحارة ونزل منهم حراسة. ومن العربية اللي في النص نزلت ست هانم، شعرها فضي شيك جداً، ومعاها اتنين مساعدين.
أول ما قربت خطوتين، عرفتها في ثانية... الست عايدة البحيري، أرملة صاحب مجموعة شركات البحيري ورئيسة واحدة من أكبر جمعيات إحياء التراث في مصر والوطن العربي.
مسكت إيديا الاتنين بحرارة
الأسطى عزة... أنا بدور عليكي بقالي سنين!
لساني اتربط.
شاورت للمساعد بتاعها، طلع من الجراب قفطان حرير تقيل بلون أخضر زمردي في نبيتي، لفيته وبصيت في بطانته من جوة، لقيت الغرزة المخفية بتاعتي، الوردة الصغيرة اللي ميعملهاش غير إيدي.
القفطان ده أنا اللي كنت مفصلاه من تلاتين سنة لفرح بنتها الكبيرة.
أنا مجهزاه عشان يتعرض في المعرض
الدولي للتراث، الست عايدة كملت بحماس، بس المرة دي، مش هيتحط جنبه اسم الأتيليه اللي باعه، هيتحط بالبنط العريض اسم الست اللي أبدعته بإيديها.
وقبل ما أرد بكلمة واحدة، لمحت عربية بيضا بتقف في أول الشارع ورا العربيات الكبيرة.
كانت شيرين لسه نازلة منها، عنيها كانت هتطلع من مكانها وهي شايفة هانم من أكبر هوانم مصر ماسكة إيدي وبتناديني يا أسطى عزة، وفاردة قطعة من شغلي وسط الشارع بكل فخر.
الفصل الثاني
الشارع كان ساكت تماماً، مفيش غير صوت همس خفيف بين الجيران اللي طلعوا في البلكونات يتفرجوا على التلات عربيات الجيب والحراسة الواقفة، وصوت كعب شيرين العالي وهو بيطقطق على أسفلت الحارة بتردد. وشها كان قالب ألوان، عينيها عمالة تروح وتيجي بين الست عايدة البحيري وبين القفطان الحرير الأخضر الزمردي اللي في إيدي. كانت واقفة متسمرة مكانها على بعد خطوات، شنطتها الماركة في إيدها، وبوقها مفتوح نص قفلة كأنها مش مستوعبة المشهد، أو مستكترة إن ست زي دي برجالها وهيبتها تقف أصلاً على عتبة ورشة في حي شعبي، فما بالك وهي ماسكة إيدي وبتناديني يا أسطى عزة!
الست عايدة مكنتش مهتمة بكل الدوشة دي ولا حتى التفتت تبص مين اللي وقف وراها. عنيها كانت عليا، نظرة واحدة مليانة دفء وتقدير حقيقي مش تمثيل، وقالت بصوت واثق وهادي خلى قلبي يتنفض
تلاتين سنة يا عزة... تلاتين سنة والقطعة دي متعلقة عندي في الجناح الخاص، كل ما أشوفها أقول الحرير ده وراه فنانة حقيقية، مش مجرد خياطة بتقص وتخيط. الأتيليه اللي في الزمالك وقتها أخد مني شيك برقم خيالي وقالوا إنه تصميم فرنسي مستورد ومطرز في ورشهم الخاصة، بس أنا من يومي بفهم في خامات ولاد البلد، والوردة المخفية دي كانت الدليل الوحيد اللي فضل معايا. ولما واحدة من الجمعية عندي شافت بالصدفة صورة عروسة بسيطة لابسة توب مطرز بنفس الغرزة على فيسبوك وقالتلي دي ست