رواية كاملة
المحتويات
بتفصل في ورشة قديمة... عرفت إني لازم أجيلك بنفسي.
كلامها نزل على قلبي زي المية الباردة بعد نار الإهانة اللي شربتها من شيرين ومن العيلة كلها. حسيت برعشة خفيفة في صوابعي، نفس الصوابع اللي شيرين شافت إنها متهالكة وشغلها يصغر. بلعت ريقي وبصيت للست عايدة ورديت بصوت هادي من غير ما أبان مهزوزة
أهلاً بيكي يا ست هانم، نورتي مطرحي المتواضع. الرزق بييجي لصاحبه حتى لو بعد تلاتين سنة، والأصل بيفضل باين مهما حطوا عليه أسامي وبهرجة.
في اللحظة دي، شيرين مقدرتش تمسك نفسها أكتر من كده. الفضول والغيظ كانوا بياكلوا في لحمها، فضلت تقرب خطوة بخطوة وهي بتعدل نظارتها الشمسية على شعرها وتحاول تبتسم الابتسامة المصطنعة اللي بتمثل بيها الرقي والطبقة العالية. وقفت على يمين الست عايدة بصوت ناعم متكلف
مدام عايدة البحيري؟! مش معقول! أنا مش مصدقة عيني! أنا شيرين الألفي، حرم هشام بيه الدالي، كنا مع بعض في مؤتمر سيدات الأعمال السنة اللي فاتت في الجونة... يا محاسن الصدف بجد!
الست عايدة لفت نص لفة وبصتلها من فوق لتحت بنظرة باردة تخلي الحجر ينطق، نظرة الستات الهوانم اللي بيعرفوا يفرزوا الناس من نبرة صوتهم قبل حتى ما يكملوا كلامهم، ومردتش بالحرارة اللي شيرين كانت متوقعاها، يدوب هزت راسها باقتضاب
أهلاً يا مدام.
شيرين حاولت تتدارك الموقف وتدخل نفسها في الحوار بأي طريقة، فبصتلي باستهزاء مبطن وضحكت ضحكتها الرنانة
خير يا عزة؟ إنتي مزعلة مدام عايدة في حاجة ولا بتعمليلها تصليح لحاجة قديمة؟ ما قولتلك ميت مرة بلاش تشتغلي في خامات الهوانم الكبيرة دي، شغل الورش هنا له ناسه وحاجات الهوانم ليها أصولها ومعارضها في الزمالك والتجمع.
أم رحاب، اللي كانت واقفة ورايا وماسكة المقشة في إيدها، جزت على سنانها وكانت هترد رد يمسح بكرامتها الأرض، بس أنا رفعت إيدي وشاورت لأم رحاب تسكت. الرد في المواقف دي مبيبقاش بالردح ولا بالصوت العالي، الرد بيبقى بالثبات والتقل.
الست عايدة بصت لشيرين بحاجب مرفوع، وكأنها بتقيس حجم السطحية اللي بتسمعها، وقالت بنبرة تقيلة زي الرصاص
تصليح؟! شغل ورش؟! مدام شيرين، باين إن حضرتك معندكيش فكرة عن قيمة الإيدين اللي واقفة قدامك دي. الست عزة مش خياطة بتصلح، الست عزة تاريخ وفن حقيقي. القطعة اللي حضرتك مستهونة بيها دي، هتتسافر الأسبوع الجاي باريس عشان تتعرض في الجناح المصري لمعرض التراث الحي، كنموذج لأرقى تطريز يدوي على الحرير الطبيعي. وأنا جيت بنفسي لحد هنا، عشان أطلب منها تكون المصممة الرئيسية لكولكشن التراث اللي جمعيتي بتموله بالكامل للموسم الجديد.
الكلمات نزلت على راس شيرين زي الصاعقة. وشها بهت واللون الأحمر اللي كانت حاطاه على خدودها مبقاش قادر يداري الصدمة. عينيها وسعت وبصت للقفطان، وبعدين بصتلي، كأنها بتفتكر التلاتين طقم اللي رمتهم وقالت عليهم بيئة وميقاموش بعيلتهم.
م... مصممة رئيسية؟ للمعرض الدولي؟! شيرين اتهتهت، وصوتها اتخنق بالريق اللي نشف فجأة.
الست عايدة مادتهاش فرصة تلم نفسها، وبصتلي أنا تاني وتجاهلت شيرين تماماً، وكأنها هوا ملوش وجود
ندخل نتكلم جوا يا أسطى عزة؟ محتاجين نقعد ونراجع العقود والتفاصيل، وأنا جايبالك عربون المشروع معايا النهاردة عشان نبدأ فوراً.
تشرفي يا ست هانم، مطرحك. رديت عليها وأنا بفتح باب الورشة الخشب القديم على آخره.
دخلت
الست عايدة بمساعدينها والاتنين حراس فضلوا واقفين على الباب. أم رحاب دخلت تجري تولع البوتوجاز الصغير وتعمل قهوة مظبوطة على الريحة، وعينيها بتطق شرار فرحة وشماتة في شيرين اللي فضلت واقفة برا على العتبة مش عارفة تدخل ولا تمشي. الكبرياء منعها تمشي، والفضول والغيظ كان هيفرقع مخها، فقررت تدخل وراهم بوقاحة، تظاهرت إنها داخلة عادي عشان هي في الأول والآخر سلفتي وواحدة من العيلة.
الورشة كانت بسيطة، ترابيزة قص كبيرة خشب زان متبهدلة من كتر الشغل والطباشير، مكنتين خياطة قدام، ورولات قماش متستفة في الأركان. بس في وسط البساطة دي، كان في هيبة، هيبة المكان اللي بيطلع منه الشقا الصادق. الست عايدة قعدت على الكرسي الخيزران البسيط بعد ما أم رحاب مسحته بفوطة نضيفة، وحطت شنطتها الجلد الفاخرة على الترابيزة من غير أي ترفع ولا قرف.
شيرين وقفت ساندة ضهرها على رف البكر، عينيها عمالة تمسح المكان، وفجأة عينيها وقعت على جنب في الركن...
كان لسه في كرتونتين مقفولين من بتوع ال 30 طقم اللي اتلغوا. وعلى شماعة في الزاوية، كان متعلق الجاكيت الأوف وايت اللي كنت مفصلاه لشيرين نفسها، قبل ما تلغي الحجز وتكسر بخاطري. الفستان الفوشيا كان مفرود جنبه.
الست عايدة وهي بتفتح الملف بتاعها، لمحت الفستان والجاكيت بالصدفة. عينيها لقطت الشغل من أول نظرة، وسكتت فجأة، وقامت وقفت وقربت من الشماعة ببطء. مشت صوابعها الناعمة على تطريز زهور الياسمين اللي في ديل الفستان، وقلبت الجاكيت تبص على تقفيل البطانة وسجاف الياقة.
إيه ده يا عزة؟ الست عايدة سألت وهي مبهورة وعينيها بتلمع التقفيل ده مش شغل مكن عادي، ده شغل كوتور عالي جداً! والتطريز ده... تطريز ياسمين بلدي حرير على حرير، معمول بحساب دقيق ميتعملش غير بالمسطرة والبوصلة! مين صاحبة القطعة دي؟! دي تحفة فنية تستاهل تلبسها سفيرة!
شيرين في ثانية واحدة حست بنشوة كدابة، وشها نور وافتكرت إن ده وقت ترجع فيه هيبتها، فتحت بوقها بسرعة وقالت بنبرة فخر مصطنعة
ده بتاعي أنا يا فندم! ده عزة كانت بتفصلهولي مخصوص عشان حفلة عيد ميلاد حمايا المستشار عبد الرحيم الدالي... أصل إحنا بنحب دايماً التميز والحاجات الأوريجينال و...
وقبل ما شيرين تكمل كلامها التافه، الست عايدة قطعتها بذكاء وهي بتبصلي أنا، وقالت بحسرة
خسارة... خسارة قطعة زي دي تروح لحد ميعرفش قيمتها. أنا لما دخلت، شوفت في الشارع بنت لابسة بلوزة تانية من نفس الروح، ولما سألتها قالتلي إنك أديتهالها من غير تمن عشان تفرحها. القطع دي مينفعش يلبسها غير اللي قلبه أبيض ومقدر الفن اللي فيها.
شيرين حس الكلام ضربها في مقتل. الست عايدة كانت فهمت كل حاجة من نظراتنا ومن أسلوب شيرين المفضوح.
طلعت الست عايدة دفتر شيكات من شنطتها، وقلم حبر دهبي، وبصتلي بجدية
يا عزة، المعرض هيتعمل بعد شهرين في القاهرة، وبعدها هنطلع بيه على باريس وميلانو. أنا محتاجة منك خط إنتاج كامل باسمك عزة الدالي للتراث والأزياء الراقية. الجمعية هتتكفل بكل مصاريف الأقمشة، الخيوط، والعمالة اللي هتحتاجيها، والورشة دي لازم تتوسع وتتجدد وتبقى أتيليه رسمي يليق باسم مصر. والشيك ده دفعة أولى تحت الحساب، عشان تبدأي تجهزي ورشتك وتجيبي المكن الحديث وخاماتك من أحسن مصادر.
حطت الشيك قدامي على ترابيزة القص. الرقم اللي كان مكتوب فيه مكنش رقم قليل، كان رقم يغير حياة بني آدم ويبني ورشة جديدة من ساسها لراسها، رقم شيرين نفسها بجلالة قدرها متعرفش تطلعه من جيبها في حركة واحدة كده.
أم رحاب شهقت وفضلت تضرب على صدرها من الفرحة وتزغرد في سرها، وأنا عيني دمعت، مش عشان الفلوس، الفلوس بتروح وتيجي، بس عشان كرم ربنا وعوضه اللي جه في وقته، عشان ربنا مابيرضاش بالظلم ولا بكسرة الخاطر.
في اللحظة دي، تليفون شيرين
متابعة القراءة