رواية كاملة

لمحة نيوز

الذي أظهر لها الاحترام والتقدير والحب الذي تستحقه، والرجل الذي شاركها أحلامها وألمها وأملها.
نعم.. قالت بصوت مرتجف لكنه واثق. أقبل يا سليم. وسأكون لك زوجة صالحة، ولأولادك أمًا، ولهذا البيت أمًا تملؤه بالحب دائمًا.
تزوجا بعد ذلك بوقت قصير، في حفل صغير دافئ، حضره من يحبونهما فقط. ولم يكن هناك أي زينة أو أفراح صاخبة، بل كان الحفل مليئًا بالحب والدموع والامتنان. واتفقا على أن يبقى ذكرى نهى حية بينهم، كأنها جزء من سعادتهم الجديدة، فهي السبب في أنهم التقوا، وهي من أرشدتهم إلى طريق بعضهم البعض.
وبعد أشهر قليلة، أصبحت وداد حاملاً، وفرح سليم بذلك فرحًا لا يُوصف. وعندما وضعت طفلها، سمّاه نور، كدلالة على النور الذي دخل حياتهم جميعًا بعد ظلام طويل.
أما عايدة، فقد عاشت في شقتها الصغيرة حتى مرضت مرضًا شديدًا في سن متقدمة، ولم يكن معها أحد. قبل ۏفاتها بأيام، اتصلت بالمستشفى وطلبت أن تتصل بسليم، وعندما وصل إليها، لم تتكلم كثيرًا، بل نظرت إليه بعيون دامعة، وقالت بصوت ضعيف جدًا
سامحني.. يا بني.. سامحني..
سليم لم يغفر لها ما فعلته فورًا، فالچرح كان عميقًا جدًا، لكنه رآها في لحظات ضعفها الأخيرة، إمرأة عجوز خسړت كل شيء، فقال لها بهدوء
سامحكِ الله.. وكل إنسان يُحاسب على عمله. واطمئني.. العيال بخير، وسأحافظ عليهم دائمًا.
ابتسمت عايدة بابتسامة خفيفة، وأغمضت عينيها للمرة الأخيرة، ورحلت، تاركة وراءها درسًا قاسيًا أن الحب لا يُسرق، والحياة لا تُعاش بالكراهية، والمال والسلطة لا يشترون السعادة أبدًا.
ډفنها سليم باحترام، رغم كل ما فعلته، لأنها ظلت أمًا له، ولأن وداد نصحته قائلة الرحمة أفضل من الڠضب دائمًا. دعها ترحل بسلام، لكي تسلم أنت أيضًا.
الجزء الخامس
مرت السنوات، وكبر الأطفال، وكل منهم أثبت وجوده وتميزه.
ياسين أصبح شابًا ذكيًا، هادئًا، يحب العلم والهندسة، وكان يُعامل جنى بكل احترام وتقدير، كأخت كبرى له لا يفارقها أبدًا. فريدة أصبحت فتاة جميلة، رقيقة، تحب الفن والموسيقى، وكانت دائمًا ما تقول إن جنى هي من علمتها كيف تحب الحياة.
جنى نفسها أصبحت فتاة قوية، واثقة، طيبة القلب، تعمل في مجال العمل الخيري، تساعد الأطفال المحتاجين، وتقول دائمًا لو لم أكن مررت بكل ما مررت به، ولو لم أجد هؤلاء الناس الذين فتحوا لي بيوتهم وقلوبهم، ما كنتش وصلت لهذا المكان. فالواجب عليّ أن أساعد غيري كما ساعدوني.
نور، الطفل الأصغر، كان رمزًا للاتحاد بين العائلة، كان يجمع بين صفات سليم ووداد، مرحًا ونشيطًا، محبوبًا من الجميع.
سليم ووداد ظلا معًا في حب واحترام وتفاهم، حتى كبرا معًا، ولم يفرق بينهما شيء. كانا يجلسان كل مساء في الحديقة نفسها التي جلسا فيها قبل سنوات طويلة، يتذكران كل ما مر بهم، ويشكران الله على كل ما أعطاهم.
ذات يوم، سأل نور أباه وهو شاب بالغ
بابا.. كنت بتحب ماما نهى جدًا، صح؟ ومع ذلك تزوجت ماما وداد وعشت معاها سعادة كبيرة.. إزاي حصل ده؟ يعني ممكن نحب شخصين في حياتنا بنفس القدر؟
سليم ابتسم ونظر إلى وداد التي كانت تجلس بجانبه، أمسك بيدها وقال
الحب يا بني مش وعاء بنملؤه مرة واحدة وينتهي. الحب كالقلب، بينمو ويتسع كل يوم. حبي لنهى
كان حبًا صادقًا، وسيبقى دائمًا في جزء من قلبي، لن يزول أبدًا. وحبي ل وداد هو حب آخر، مختلف، جاء في الوقت المناسب، وكان هو الدواء لچروحي. والقلوب الكبيرة هي اللي بتستطيع تحمل أكثر من حب، وأكثر من ذكرى، وأكثر من أمل.
وداد ضغطت على يده بامتنان، وقالت
وأنا كمان يا نور.. حبي ل أبوكِ لم يكن ليحل محل أي حب آخر، بل كان تكملة له. أحيانًا الحياة بتعطينا فرصة تانية، مش عشان ننسى الماضي، بل عشان نكمل الطريق بقلب أقدر وأقوى.
وفي تلك اللحظة، مر الأطفال الأربعة، ياسين وفريدة وجنى ونور، يضحكون ويتحدثون بصوت عالٍ، وهم يملؤون المكان بالحياة والفرح. نظر سليم إلى وداد وقال بصوت خاڤت
شفتي؟ كل ده جاء من لحظة كنتِ هتتركي فيها القصر مع بنتك. مجرد لحظة ڠضب من أمي، ولولا تدبير ربنا، كان كل ده ما حصلش.
الله يكتب الخير حيث يشاء. أجابت وداد بابتسامة هادئة. وكل شيء بيتحول لخير لما نصبر ونثق فيه.
وهكذا، انتهت القصة التي بدأت بالحزن والفراق والظلم، لتتحول إلى قصة أمل وحب وتفاؤل. لم يكن العدل سريعًا، ولم يكن السهل، لكنه جاء في النهاية، كأنه يقول لنا دائمًا إن الحق سيعود، والظلم سيزول، والخير سيبقى ويبقى، مهما طال الزمن وتغيرت الأحوال.
الجزء السادس والأخير
بعد مرور عشرين عامًا على تلك الأحداث، كان القصر الكبير لا يزال واقفًا بكل عظمته، لكنه لم يعد مجرد مبنى فخم، بل أصبح بيتًا مليئًا بالذكريات والحب والقصص التي تُروى للأجيال القادمة.
سليم ووداد كانا في سن الشيخوخة، لكن عينيهما لا تزالان تلمعان بنفس التوهج الذي كان عليهما في شبابهما. كانا يجلسان على الكرسيين الكبيرين في الحديقة، وتحيط بهما أحفادهم الكثر، يلعبون حولهما ويضحكون، مملئين المكان بضجيج الحياة السعيدة.
جنى، التي أصبحت أمًا لثلاثة أطفال، كانت تجلس بجانبهما، وتحكي لهم القصة من البداية، كما كانت تفعل دائمًا
.. وبهذا، عرفنا أن الشړ مهما طال، سينكشف في يوم من الأيام، وأن الحب والصدق هما أقوى سلاح في الحياة. الجواب القديم لم يكن مجرد ورق قديم، بل كان الحقيقة التي حررت الجميع من قيود الكذب والظلم.
أحد الأحفاد سأل بفضول
تيتة.. هل كانت الجدة عايدة شريرة حقًا؟
تنهدت جنى ببطء، ونظرت إلى جدها وجدتها قبل أن تجيب بحكمة
هي كانت إنسانة أخطأت، وكبرت خطأها حتى أعمى قلبها. لم تولد شريرة، لكن الكبرياء والأنانية والحب المزيف للسيطرة جعلتها تفعل أشياء فظيعة. وعلينا أن نتعلم منها درسًا مهمًا إن كل ما نكسبه بالكراهية والخداع، سنخسره في النهاية، وكل ما نعطيه من حب وتضحية، سيبقى معنا للأبد.
سليم سمع كلامها وابتسم، وقال بصوت هادئ امتزج فيه الحنان بالحكمة
الحياة يا أولادي ليست دائمًا عادلة في البداية، لكنها دائمًا ما تكون عادلة في النهاية. المهم أن نحافظ على نقاء قلوبنا، وأن لا نرد الإساءة بالإساءة، وأن نؤمن بأن هناك قوة أعلى من كل شيء، ترى ما لا نراه، وتدبر الأمور بطريقة قد لا نفهمها في البداية، لكننا نفهمها حين ننظر إلى الوراء بقلوب ممتلئة بالامتنان.
وداد أضافت وهي تمد يدها لتحتضن حفيدًا صغيرًا اقترب منها
ولا تستهينوا أبدًا بفعل صغير أو كلمة طيبة أو وجود شخص قد يبدو لكم عاديًا. فالذي بدأ كل شيء هنا لم يكن قرارًا كبيرًا أو خطة ذكية.. بل كان مجرد طفلة صغيرة حملت مكعبًا أزرق وقدمته لطفل زعلان. الحب يا أولادي هو أبسط وأقوى قوة في
الكون، وبه تُبنى البيوت، وتُشفى الچروح، وتتغير مصائر الناس.
وفي تلك اللحظة، سطعت الشمس بقوة، وامتدت أشعتها الذهبية لتغمر الحديقة كلها، وكأنها تبارك هذا البيت الذي تحول من مكان يملؤه الحزن والظلام، إلى ملجأ للحب والأمل والخير.
لم يبقَ من الماضي سوى الدروس، ولم يبقَ من الجراح سوى ندبات تذكّرهم بمدى قوتهم وصلابتهم. نهى لم تُنسَ، بل ظلت
ذكراها حية في كل ركن من أركان القصر، وفي قلوب من عرفوها ومن سمعوا عنها، كأنها جزء من السعادة التي تحققت بفضل صدقها وشجاعتها في كتابة الحقيقة قبل أن ترحل.
أما القصر الكبير، فلم يعد ملكًا لشخص واحد، بل أصبح ملكًا للحب الذي سكنه، وللأمل الذي لم يمت، وللحقيقة التي انتصرت في النهاية. وهكذا بقيت قصتهم تُروى جيلًا بعد جيل، كأعظم درس يمكن أن يتعلمه أي إنسان
أن الحق يُعلو ولا يُعلى، وأن الحب يبقى وكل شيء يزول، وأن الله يدبر أمور الناس بقدرته، ويرد الحقوق لأهلها في حين لا يُعلمه إلا هو.

تم نسخ الرابط