رواية كاملة

لمحة نيوز

أمك يا سليم.. أنا اللي ربيتك، أنا اللي عملت لك كل حاجة! كيف تصدق كلامها عليّ؟!
لماذا خبأت الجواب يا فاطمة؟ سليم سأل بصوت هادئ مخيف، وكأنه لم يسمع صرخات أمه على الإطلاق.
الحاجة فاطمة وقفت بثبات، وعيناها لم تترقرقا قط
نهى هانم أعطتني الجواب قبل ما ټموت بيوم، وقالت لي إذا حصل لي شيء، ووجدت أن الحقيقة لازم تظهر، فأعطيه إياه في الوقت المناسب. وانتظرت سنتين.. كنت أتمنى ألا أحتاج لأعطيه إياه، كنت أتمنى ألا تكون الأمور وصلت لهذا الحد. لكن لما شفتك بتعاني، وشفت العيال پتبكي كل يوم، وشفتها بتعامل وداد وبنتها بهالقسوة.. عرفت أن الوقت جى. الحقيقة لازم تطلع، مهما كانت مؤلمة.
سليم خطوة واحدة نحو أمه، وابتعدت هي بتراجع، كأنها ترى شخصًا آخر غير ابنها الذي عرفته طوال حياتها
كل يوم.. كل يوم وأنا ألوم نفسي.. كنت أقول ليتني كنت معها أكثر، ليتني لم أتركها وحدها.. وأنتِ.. أنتِ كنتِ السبب في كل شيء؟ كنتِ تأكلين قلبي وهي حية، وتأكلين قلبي بعد مۏتها؟!
أنا فعلت ده عشانك! صړخت عايدة وكأنها تجد مبررًا لكل جريمتها. عشانك! هي ما كانت تليق بك! بنت عادية، من عيلة عادية! أنا اخترت لك بنت الناس الأكابر، بنت تليق بمكانتنا! هي سرقتك مني، سړقت ابني الوحيد.. فكان لازم أتخلص منها! كنت سأعود بك لي.. كنا سنعيش بسعادة..
سعادة؟! سليم اڼفجر غاضبًا، وصوته هز أرجاء القصر. سعادة على حساب روحها؟ على حساب طفلينا اللي حرمتهم من أمهم وهم ما كملوش خمسة شهور؟! أنتِ لا تملكين أي حق تتكلمين عن السعادة! أنتِ لا تملكين أي حق تتكلمين عن الحب! كل ما عرفتيه في حياتك هو الأنانية.. كل ما فكرتي فيه هو نفسك!
وداد وقفت في الزاوية، تمسك بيد جنى بقوة، وعيناها مليئتان بالدموع، لا تجرؤ على التدخل في هذا الحدث الكبير الذي يفوق كل تصور. أما جنى فكانت تنظر ببراءة، لا تفهم سبب الصړاخ، لكنها شعرت بالحزن، فاقتربت من فريدة وياسين اللذين كانا ينظران بصمت، ومدت يديها إليهما، فاقتربا منها بلا تردد.
سليم رأى ذلك، وشعر بغصة في قلبه. هؤلاء الأطفال.. هما طفلاه، وهما من عاشا في ظل هذا القسۏة وهذا الكذب طوال عامين. وكل هذا بسبب امرأة تدعي أنها تحبهم.
اخرج من بيتي. قال سليم بصوت بارد، حازم، لا يقبل أي نقاش. اخرج من القصر ده فوراً. من اليوم، ممنوع تضعي قدمًا هنا تانيًا. ممنوع تتصلي بي، أو تسألي عن العيال، أو حتى تذكري اسمنا في أي مكان. أنتِ مېتة بالنسبة لي.. ومېتة بالنسبة لهم.
عايدة فتحت فمها لتتكلم، لتجادل، لتصرخ، لكنها رأت في عيني ابنها شيئًا لم تره من قبل رفضًا تامًا، انقطاعًا نهائيًا، لا رجعة فيه. علمت أن كل شيء انتهى. كل مخططاتها، كل أكاذيبها، كل ما فعلته طوال سنوات.. ذهب أدراج الرياح.
سوف ټندم.. همست بصوت مرتجف. سوف ټندم يومًا ما على فعلتك دي بي..
لن أندم على كشف الحقيقة. أجاب سليم ببرود. انصرفي قبل ما أتصل بالحرس ويخرجوكِ بلا كرامة.
عايدة نظرت حولها، وكأنها تبحث عن أحد يقف بجانبها، لكن الجميع كان ينظر إليها باحتقار. لا أحد معها.. لا أحد يصدقها. فالتفتت وخرجت بخطوات ثقيلة، مکسورة، تجر وراءها خيبة أمل وذنبًا لن يغتفر أبدًا.
بمجرد أن غادرت، سقط سليم على أقرب كرسي، ودفع وجهه بين كفيه، وبدأ يبكي.. يبكي لأول مرة منذ
مۏت نهى. ليس ضعفًا، بل لأن الحقيقة أثقل مما يمكن أن يتحمل إنسان. فقد زوجته، وعاش عامين في وهم، وظلم نفسه وظلمها بظنه أنه كان مقصرًا، بينما الحقيقة كانت أبشع مما يتصور.
الحاجة فاطمة اقتربت منه ببطء، ووضعت يدها على كتفه بحنان
البكاء مش عيب يا سليم بيه. البكاء دليل إن قلبك لسه حي.. وإنك قادر تحب من جديد.
سليم رفع رأسه، ومسح دموعه بظهر يده، ثم نظر إلى وداد التي كانت لا تزال واقفة في مكانها، مترددة، تمسك بيد ابنتها
وداد.. سامحيني. قال بصوت هادئ مليء بالندم. سامحيني على كل ما شفتيه وسمعتيه. وأعتذر منكِ ومن جنى عن الطريقة اللي اتعاملتوا معاها بيها من شوية. أنا.. أنا ما كنتش أعرف الحقيقة، وما كنتش أدرى أيه اللي بيحصل جوة بيتي.
وداد هزت رأسها ببطء، وعيناها نظفتان من الكبرياء
مفيش داعي للاعتذار يا سليم بيه. ده مش ذنبك. والحقيقة كانت لازم تطلع في يوم من الأيام.
لكن ذنبي إني سمحت لحد يضايقك ويضايق بنتك. قال وهو ينظر إلى جنى، التي كانت تضحك مع التوأم الآن، وكأن شيئًا لم يحدث. وبعد ما رأيت اللي بنتك بتعمله مع العيال.. عرفت إن ربنا بعتها لنا في الوقت المناسب تمامًا. العيال ما كانوش بيبكوا عشان حاجة تانية.. كانوا بيحسوا بالفراغ، بالحنان اللي اتحرموا منه. وجنى ملأت لهم ده الفراغ بكل بساطة وحنية.
سليم تردد قليلًا، ثم تكلم بجدية
وداد.. أنا عايزكِ تفضلي هنا. مش كخادمة.. لا. عايزكِ تكوني مديرة البيت كله، بكل احترام وتقدير. وجنى تفضل مع العيال، تلعب معاهم، وتكبر معاهم. هنوفر لها كل الراحة، كل التعليم، كل حاجة محتاجاها. وأنتِ لكِ مكانتكِ هنا، معززة مكرمة. أنا مش بقدم عليكي صدقة.. أنا بطلب منكِ تساعديني.. تساعديني أربي هؤلاء الأطفال على الحب والحنان اللي اتحرموا منه.
وداد صُدمت من الكلام، لم تتوقع أبدًا مثل هذا العرض. نظرت إلى ابنتها التي تبدو سعيدة للغاية مع التوأم، ثم نظرت إلى سليم، الذي بدا صادقًا للغاية، وكأنه يبحث عن أمل جديد في حياته التي دمرتها الأيام الماضية.
سأبقى. قالت ببطء. سأبقى طالما أنني أستطيع أن أساعد. وليس من أجل المال أو المكانة.. بل من أجل هؤلاء الأطفال، ومن أجل روح نهى هانم، اللي أتمنى أن تكون مرتاحة الآن في مكانها.
وفي تلك اللحظة، دخلت الشمس من خلال النوافذ الكبيرة للقصر، التي كانت تطل على القاهرة كلها، وملأت المكان بضوء دافئ، كأنها تبشر ببداية جديدة، وبحياة ستُبنى على أنقاض الماضي المؤلم.
الجزء الثالث
مرت الأشهر التالية كأنها تعويض عن كل ما مضى من قسۏة وألم. القصر الكبير، الذي كان صامتًا كالقپور، أصبح يمتلئ بالضحكات والحركة والدفء الذي افتقده لسنوات طويلة.
جنى أصبحت كالشقيقة الكبرى للتوأم، لا تفارقهم أبدًا. كانت تستيقظ معهم في الصباح، وتشاركهم الألعاب والطعام، وتجلس بجانبهم حين يقرأون، وتحكي لهم قصصًا بسيطة من خيالها الواسع. ياسين لم يعد ېخاف من الابتعاد عنها قليلًا، وفريدة توقفت عن البكاء المستمر، وأصبحت تضحك بصوت عالٍ ملأ أرجاء المكان.
سليم كان يغير من نفسه أيضًا. بدأ يقلل من ساعات عمله، يخصص وقتًا كل يوم ليجلس مع الأطفال الثلاثة، يلعب معهم، ويستمع إلى حكاياتهم، ويشعر لأول مرة منذ ۏفاة نهى أن هناك سببًا حقيقيًا ليستيقظ في الصباح. لم يكن مجرد أب يؤمن مستقبل أطفاله ماديًا، بل أصبح أبًا موجودًا، يمنحهم وقته وحنانه، وهو الشيء الذي افتقده هو نفسه طوال طفولته.
وداد أدارت
القصر بحكمة ونشاط، بكل تواضع وأمانة. لم تتغير طباعها رغم المكانة العالية التي أصبحت تحتلها، واحترمها الجميع في القصر، من الحراس إلى
تم نسخ الرابط