رواية كاملة

لمحة نيوز

العاملات، بل وكانت محبوبة منهم جميعًا. كانت تعاملهم بكل لطف، وتشاركهم أحاديثهم، وتشعرهم أنهم جزء من هذا البيت، وليس مجرد عمال مؤقتين.
الحاجة فاطمة كانت سعيدة جدًا بما تراه، وكثيرًا ما كانت تجلس في المساء وتشاهد الأطفال يلعبون، ودموع الفرح تملأ عينيها
نهى هانم كانت بتضحك علينا من فوق.. قالت مرة لسليم. هي اللي جابت وداد وجنى لنا، عشان تعوضنا كل اللي فات.
سليم كان يوافقها بصمت، لكنه في داخله كان يحمل مشاعر بدأت تتشكل وتنمو، لم يكن يتوقعها أبدًا. مشاعر تجاه وداد.. لم تكن مجرد امتنان أو شكر، بل كانت أعمق من ذلك، وأكثر تعقيدًا. كان يُعجب بصبرها، بصدقها، بحنانها الذي تغمر به الأطفال، وبقلبها الطاهر الذي لم يتلوث بقسۏة الحياة رغم كل ما مرت به.
لكنه كان يخفي هذه المشاعر جيدًا، خوفًا من أن يُفهم خطأً، أو أن يظن أنها شفقة أو نتيجة للظروف التي جمعتهم. كان يُعاملها باحترام شديد، ويحافظ على مسافة بينهما، رغم أن القرب كان يزداد يومًا بعد يوم.
في أحد الأمسيات، بعد أن نام الأطفال جميعًا، جلس سليم في الحديقة الخلفية، ينظر إلى حمام السباحة الذي كان يعكس ضوء القمر، وبدت عليه علامات التفكير العميق. لم يسمع وداد تقترب منه إلا عندما وضعت كوبًا من الشاي بجانبه على الطاولة.
لسه مستيقظ؟ سألت بهدوء.
سليم رفع رأسه وابتسم لها، ابتسامة لم تمنحها لأحد منذ زمن طويل
وأنتِ كمان؟
النوم بييجي بس بعد ما أتأكد إن الكل نام وأمان. أجابت وهي تجلس على مقعد بعيد قليلًا عنه، مع الحفاظ على مسافة بينهما. تفكر في إيه؟
في كل حاجة.. قال وهو يتنهد. في نهى.. في أمي.. في الأيام اللي فاتت.. وأحيانًا أفكر في المستقبل، مش عارف إيه اللي مخبأه لنا. كل شيء اتغير فجأة، ما كنتش أتوقع إن حياتي تتحول للشكل ده أبدًا.
التغيير سمة الحياة يا سليم بيه. قالت وداد بهدوء. أحيانًا بيكون مؤلم، ومش مفهوم في البداية.. لكن مع الوقت، بتكتشف إن كان لازم يحدث عشان حاجة أحسن تيجي. ربنا ما بياخدش حاجة إلا وعوضها بأحسن منها، لو صبرنا وثقنا فيه.
سليم نظر إليها بتركيز، في عينيها كانت نظرة عميقة، حكيمة، كأنها عاشت قرونًا من التجارب
وداد.. أنتِ مررتِ بظروف صعبة، طلقة، ومسؤلية بنتك وحدك.. بس ما شفتش منك أي يأس أو ضعف. من أين بتجيبي كل ده القوة؟
من جنى أولًا. أجابت بابتسامة خفيفة. هي اللي بتديني القوة كل يوم. ومن الإيمان.. الإيمان إن فيه خير جاي، وإن اللي بيحصل خير، وإن ربنا بيحبنا فبيختبرنا. وكنت دائمًا أقول لنفسي لو تخليت عن الأمل، فمش هيلاقيه حد تاني ليا.
صمت قليلًا، ثم تكلمت بجدية أكثر
وأنتِ كمان عندك قوة كبيرة يا سليم بيه. أنت واجهت الحقيقة الصعبة، وقبلتها، وقررت تبدأ من جديد. ده مش سهل على أي حد. كتير من الناس كانوا يفضلوا يعيشوا في الكذب عشان ما يتألموش. لكنت اخترت الطريق الصحيح، وده دليل على شجاعة كبيرة فيك.
كلماتها دخلت قلبه كالدواء، كان يحتاج لسماعها منذ زمن طويل. شعر أنها تراه حقًا، ترى ما وراء المظهر الخارجي والمال والسلطة، ترى الإنسان الذي بدأ يتعافى تدريجيًا.
شكرًا يا وداد. قال بصوت دافئ. كلامك يخفف عني كتير.
ابتسمت له وقامت
العفو. لازم أروح
أشوف الجنى، عادتها بتستيقظ الفجر. تصبح على خير يا سليم بيه.
وأنتِ من أهله. أجاب وهو يتبعها بنظراته حتى اختفت داخل القصر، ثم بقي جالسًا وحيدًا، يفكر في كلماتها، وفي المشاعر التي بدأت تزداد تعقيدًا في قلبه كل يوم يمر.
في تلك الأثناء، وفي مكان بعيد، كانت عايدة تعيش أيامًا صعبة للغاية. بعد أن طُردت من القصر، سكنت في شقة صغيرة في منطقة شعبية، بعيدة كل البعد عن الفخامة والرفاهية التي اعتادتها طوال حياتها. لم يكن لديها أحد، لم تتصل بها صديقة، ولا قريب، فجميع من كان حولها كان يأتيها لمكانتها ومالها، وليس لحبها الحقيقي.
كانت تقضي يومها كله جالسة وحيدة، تفكر في كل ما فعلته، وفي كل ما خسرته. كانت تكره نفسها، وټندم بمرارة، لكن الندم هنا لا يُفيد في شيء. كلما تذكرت وجه نهى، ووجه سليم حين قرأ الجواب، ووجه أحفادها الصغار.. تشعر بآلام في قلبها تكاد ټقتلها.
بدأت تدرك أن كل ما فعلته من أجل السلطة والمال والسيطرة لم يكن يستحق شيئًا. لقد خسړت ابنها، وأحفادها، وبيتها، وكرامتها.. كل شيء، من أجل وهم اسمه السيطرة. وكل ما تبقى لها هو ذكريات الچرائم والآثام التي لن تغتفر أبدًا.
في يوم من الأيام، قررت أن تكتب رسالة لسليم، تحاول فيها أن تطلب السماح، رغم علمها أنه لن يغفر لها أبدًا. كتبت بيد مرتجفة، خطوطها متداخلة
ابني سليم..
أعلم أنك لن تقرأ كلامي، ولن تسامحني أبدًا، وأنا أستحق كل ما أصابني. لقد أخطأت خطأً فادحًا، وظلمت ظلمًا كبيرًا، ودفعت ثمن غيّي وأنانيّتي غاليًا جدًا.
أرجو منك أن تسامحني، ولو في قلبك فقط. وأرجو أن تعتني بنفسك وبأولادك، وأن تعيش حياة سعيدة تستحقها.
أنا آسفة.. آسفة جدًا على كل شيء.
أرسلت الرسالة، لكنها لم تتوقع ردًا، ولم يصلها أي رد بالفعل. لكن كتابتها كانت بمثابة اعتراف أخير منها بذنبها، وبداية لشعورها بالذنب الذي سيرافقها حتى آخر أيام حياتها.
الجزء الرابع
السنوات مرت بسرعة، والقصر الكبير أصبح مليئًا بالحياة والضوء والحب.
جنى كبرت وأصبحت في السادسة من عمرها، وهي تذهب مع ياسين وفريدة إلى نفس المدرسة، لا تفارقهم أبدًا. كانوا يُعاملونها كأخت لهم، بل وأكثر من ذلك، فقد كانت هي الملجأ الأول لهما في كل وقت وحين. ياسين كان يذهب إليها حين ېخاف، وفريدة كانت تحكي لها كل أسرارها الصغيرة.
سليم لم يتوقف عن التفكير في وداد طوال هذه السنوات. كانت بجانبه في كل المواقف، تشاركه همومه، وتسانده في قراراته، وتكون الأم الرؤوم التي احتاجها أطفاله، والرفيقة التي يأنس بها في وحدته.
في عيد ميلاد التوأم الخامس، أقام سليم حفلة بسيطة في الحديقة، حضرها الأطفال وبعض الأصدقاء المقربين. وبعد أن انتهت الحفلة ونام الأطفال، جمع وداد في الصالة الكبرى، وكانت في يده صندوق صغير مخملي.
وداد.. قال بصوت هادئ لكنه مليء بالتوتر. كنت عايز أقولك حاجة من زمان.. كتير من السنين عدت وأنتِ معايا، مع العيال، في هذا البيت. وشفت فيكِ كل ما كنت أتمناه.. الحنان، الصدق، الأمانة، والحب اللي ما شفتوش في حد تاني. أنتِ اللي رجعتلي الأمل في الحياة من جديد، وأنتِ اللي ربيتِ العيال وبقيتي لهم أمًا حقيقية بعد ما حرمهم القدر من أمهم الحقيقية.
وداد وقفت بصمت، وعيناها تملأها الدموع، لم تجرؤ على التكلم، خوفًا من أن يقطع كلماته التي كانت تنتظرها بكل شوق لسنوات.
مش عايزكِ تفضلي هنا كموظفة، ولا كضيفة.. أكمل سليم وهو يفتح الصندوق، ويخرج منه خاتمًا من الماس
المتلألئ. عايزكِ تكوني أم لهذا البيت، وشريكة حياتي، ورفيقة دربي للأبد. وداد.. هل تقبلين أن تكوني زوجتي؟
لم تتردد وداد ولو للحظة واحدة. فمنذ سنوات كانت تعرف أن قلبها بدأ يميل إليه، ليس فقط لأنه ربما، بل لأنه كان الرجل
تم نسخ الرابط