رواية كاملة
حاجة غلط كان بيقول لنفسه ده آخر مرة، وبعدها هتوقف، بس ما قدرش يوقف لحد ما وصل للي هو فيه دلوقتي.
ساب لنا كل الأوراق والعقود والوثائق اللي بتثبت كل حاجة، وساب تعليمات واضحة بترجيع كل الأراضي والأموال لأصحابها، ودفع كل التعويضات اللي كانت مستحقة للناس اللي اتضررت، وطلب مننا نكمل المسيرة دي ونكونوا أمناء على كل حاجة، وندير كل الأملاك والأعمال بطريقة صحيحة وعادلة، ونصرف من أرباحها في وجوه الخير المختلفة، ومات بعد أسبوع من مقابلتنا دي، وكان مطمن وراضٍ، وقلنا له الدعوات الصادقة ودفناه بكل احترام كأخ أبوي ومهما كان عمله فهو رحل وترك وراءه الندم والتصليح.
وبدأنا نشتغل بجد، جمعنا كل الناس اللي اتضررت، وتواصلنا معاهم، ورجعنا لهم كل حقوقهم، وكنت مع كريم في كل خطوة، أساعده وأشجعه، ونشوف فرحة الناس وهم بياخدوا حقهم بعد سنين طويلة من الظلم والانتظار، وشفت بعيني كيف كريم كان بيتعامل مع كل واحد بكل احترام وتواضع، وكيف كان بيقول لهم ده حقكم، وأنا مجرد وصلت لكم الحق ده، والفضل كله لربنا ولأبوي اللي ساب الأمانة دي.
وما ضيعنا ولا قرش واحد في حاجة مش حلال، وكل ما كان بيزيد من الأرباح كنا نصرفه في بناء مدارس ومستشفيات ومساعدات للفقراء والمحتاجين، وكل يوم كنا نكبر في الخير، وكل يوم كنا نزيد في الحب والترابط بينا، وما فرقتنا أي مشاكل ولا أي ظروف، لأننا كنا بنواجه كل حاجة سوا بقلوب صافية ونوايا طيبة.
وبعد سنين، رزقنا ربنا بولد وبنت، سمينا الولد باسم أبوي، والبنت باسم أمي، وربيناهم على الخير والصدق والعدل، وعلماهم إن المال والسلطة ما هي إلا أمانة، وإن أحسن ما نعمله في الدنيا هو نعمل خير ونعامل الناس بكل احترام وعدل، وإن ما بنعمله في الدنيا هو اللي هنلقاه في الآخرة.
وكل سنة في يوم عيد جوازنا، نروح نطير مع بعض في رحلة صغيرة، ونشوف الدنيا من فوق السحاب زي ما كنا دايماً بنحب، ونقول لبعض نفس الكلام اللي قاله أول مرة على الهواء، ونضحك ونشكر ربنا على كل نعمة، وعلى كل تجربة مرت بنا، لأن كل ده كان سبب في إننا نكون أقرب لبعض، وأقرب لربنا، وأكثر إيماناً بالحق والخير والعدل.
وظل كريم كابتن طيار محبوب من كل الناس، محترم من كل من يعرفه، وكل اللي بيطير معاه بيبقى سعيد ومطمن، لإنهم عارفين إنهم مع راجل صادق وأمين، ما بيعرفش إلا الخير، وما بيعمل إلا اللي يرضي ربنا ويرضي ضميره، وظل طول عمره بيقول لي أنتي السبب في كل خير وصل لي، أنتي اللي جعلتني أكون أحسن ما أكون، أنتي نصفي التاني وكل حاجة ليا في الدنيا.
وظلت قصتنا تتنقل بين الناس، وكل من سمعها بيقول إن الحب الصادق والصدق مع النفس والغير هو اللي بيجعل الحياة جميلة، وإن مهما كانت الصعوبات والظروف، فالخير دايماً هو اللي بيبقى وينتصر في الآخر، وإن ما بين الزوجين من ثقة وصدق هو أقوى من أي حاجة في الدنيا، وبه يقدروا يواجهوا أي تحدي ويمشوا في أي طريق بكل ثبات واطمئنان.
وظلينا نعيش سوا بكل حب وسعادة لحد ما كبرنا، وشوفنا أحفاد أحفادنا، وعلماهم نفس القيم والمبادئ، وقلنا لهم دايماً لا تخافوا من الحق مهما كان صعباً، ولا تبيعوا ضميركم مقابل أي شيء، واجعلوا الحب والخير والعدل هي طريقكم في كل وقت وحال، واثقوا في ربنا فهو مع الصادقين دايماً.
وكل ما أتذكر اليوم ده، يوم عيد جوازنا اللي بدأ بمفاجأة وانتهى بحقيقة، أضحك وأقول لنفسي ده كان أجمل مفاجأة في حياتي، لأنه لم يكن مجرد كلام حلو، بل كان بداية رحلة خير وعدل ومحبة استمرت طول العمر، وستبقى ذكرى جميلة تتنقل بين الأجيال، عشان تتعلم إن الحب الحقيقي ما بيعرفش خبيثة ولا خوف، وإن الصدق هو أساس كل سعادة وكل نجاح في الدنيا والآخرة.