رواية كاملة
إن ربنا هو اللي سهل عليا الطريق، وإن الوقت ده هو الوقت الصحيح بالظبط.
سكت شوية، وبعدها قال بصوت رجع دافئ زي أول مرة
وعاوزك تعرفي حاجة تانية يا لولوة... مهما حصل، ومهما كانت النتايج، ومهما واجهنا من مشاكل أو صعوبات، أنا مش هسيبك أبداً، ولا هتغير الظروف دي ولا أي ظرف من حبي لكي ولا من رغبتي أعيش معاكي طول عمري. الفلوس دي والملك ده لو رجعو لي هكونوا أمانة في رقبتي، هصرفهم في الخير، هرجع الحقوق لأصحابها، وهساعد كل ناس محتاجة، بس أنتي اللي تبقي لي كل حاجة، أنتي اللي تبقي أغلى من كل ده، وأغلى من كل حاجة في الدنيا.
آخر كلمة خرجت من فمه كانت أنتي كل حاجة ليا، وسكت، وسمعت صوت تنفسه، وبعدها سمعت صوت مساعده بيتكلم معاه شوية، وبعدها رجع صوته تاني بضحكة خفيفة
والآن، نتمنى لكم رحلة سعيدة، ونوصل قريبًا لشرم الشيخ، ونتمنى لكم وقت ممتع. شكرًا لكم.
السماعة اتقفلت، وفضلت قاعدة في مكاني شوية، مش عارفة أقوم ولا أعمل إيه، دموعي بتجري، وقلبي ممتلئ فرحة واطمئنان، ومش عارفة أصدق كل اللي سمعته ده. كل اللي كانوا حولي كانوا بيبصوا لي بابتسامة دافئة، وبعض السيدات كانت بتمسح دموعها وتقولي مبروك يا حبيبتي، ربنا يخليلكم لبعض، والركاب كلهم كانوا بيسلموا عليا ويقولوا كلام طيب.
بعد شوية جت لي مضيفة طيران بابتسامة جميلة وقالتلي
الكابتن كريم بيسألك تسمحيلي تروحي ليه في قمرة القيادة لو سمحتي؟
قلت لها بسرعة وأنا ماسحة دموعي
طبعاً يا حبيبتي، شكرًا ليكي كتير.
مشيت وراها لحد ما وصلت لباب القمرة، خبطت خفيف، وسمعت صوته يقول ادخلي، ودخلت ولقيت واقف مستني، عيونه بتلمع بالدموع والفرحة، ولما شافني مد إيده ليا وقربني منه وحضني بقوة كأنه خاف يفقدني، وقالي بصوت مهزوز
آسف يا حبيبتي، آسف إن خبيت عليكي كل ده سنين طويلة، ما كانش قصدي أضايقك أبداً.
قلت له وأنا بحضنه وببكي من الفرحة
ولا تقلق يا كريم، أنا مش زعلانة ولا خايفة من أي حاجة، طالما أنت معايا، وطالما كنا بنعيش مع بعض بصدق وضمير حي، فكل حاجة هتمشي بسلام، وكل مشكلة هنحلها سوا.
باسني من راسي وقالي
ربنا يخليكي ليا يا لولوة، أنتي نعمة كبيرة من ربنا عليا، ما أستاهلش كل ده إلا بفضله.
قعدني جنبه في الكرسي الفاضي جنبه، وقالي
بصي تحتنا، شوفي الجمال ده، شوفي إزاي الدنيا من فوق بتظهر كلها صغيرة، وكل المشاكل والهموم بتكون أقل من ما هي، وكل اللي بيبقى هو الحب والصدق والخير اللي بنعمله للناس.
بصيت من الشبشب ولقيت البحر الأحمر لونه زي اللؤلؤ، والسماء صافية ومشرقة، والنجوم بتظهر من بعيد، وحسيت إن السكينة دخلت على قلبي، وإن كل خوف زال واختفى.
قعدنا نتكلم سوا، وحكالي كل التفاصيل من أولها لآخرها، حكالي كيف المحامي لقاه، وكيف بدأ يبحث ويتأكد، وكيف كان كل فترة بيجد دليل جديد يثبت إن عمي كان ظالم بكل معنى الكلمة، وكيف كان يلاقي ناس كتير تضررت بسببه، ناس فقدت بيتها، وناس فقدت شغلها، وناس فقدت راحتها وسعادتها سنين طويلة.
وقالي
لما كنت شايف كل ده، كنت بقول لنفسي لو أنا سكتت، هكون شريك في الظلم ده، وهكون خاين لأمانة أبوي ولأمانة كل الناس اللي اتضررت، ولهذا قررت إني لازم أروح أقابل عمي، ولازم أعرف منه كل حاجة، ولازم أرجع كل حق لصاحبه، مهما كان الثمن، ومهما كانت الصعوبات.
قلت له
وأنا معاك في كل خطوة يا كريم، هنروح نقابله سوا، ونعرف كل حاجة، ونرجع الحقوق لأهلها، وربنا هيقف معانا ويسهل علينا كل طريق، ما دام نيتنا صادقة وعاوزين نعمل خير.
ضحك وقالي
ده اللي كنت عاوز أسمعه منك، ده اللي كان بيطمن قلبي، إنك مش هتسيبيني في الوقت ده، وإنك هتكوني جنبي في كل حاجة.
وصلنا لشرم الشيخ، ولما نزلنا كانت الشمس بتغيب وبتلون السماء بألوان جميلة زي الوردي والبرتقالي، والجو كان معتدل ورقيق، واخدني من إيدي ومشينا سوا لحد ما وصلنا لفندق كان حاجزه من غير ما أعرف، وقلبي كان مبسوط ومطمن، وحسيت إن اليوم ده بدأ بغرابة وانتهى بأجمل ما يكون، وإن كل السر اللي كان مخبي طلع وأصبح بيننا، وإن ما عادش فيه أي حاجة تفرق بيننا.
تاني يوم الصبح، صحينا بدري، وطلعنا نمشي على الشاطئ، والموج كان بيلعب على الشط، والهواء كان بيجيب ريحة البحر والورد، وجلسنا سوا على رمل الشط وبدأنا نخطط للمستقبل، قلنا هنروح نقابل عمي أول ما نرجع القاهرة، وهنسأله عن كل حاجة، وهنسمع كلامه، وإن كان نادم وحاب يصلح اللي عمله، هنساعده ونقف جنبه، وإن كان لسه مصر على غلطه، هناخد الطريق الشرعي والقانوني ونرجع كل حق لصاحبه من غير أي خوف ولا تردد.
وبالفعل لما رجعنا القاهرة، رحنا للمستشفى اللي كان فيه عمي، ولما دخلنا عليه لقيناه فرحان جداً بوجودنا، وعيونه مليانة دموع الندم، وقال لنا كل الحقيقة زي ما هي من غير ما يخبي ولا كلمة، اعترف بكل اللي سرقه، وكل اللي ظلمه، وقال لنا إنه ما كانش عاوز يبقى كده، بس حب المال والسلطة أعمى عينيه، وخلاه ينسى كل القيم وكل الأصول، وكل ما كان بيعمل