رجعت من السفر محمد نور
بنتي تحس إنها ما عندهاش حد تلجأ له.
بصيت لها وقلت
علشان أنا غلطت يا داليا. كنت فاكر إن شغلي وتعبى علشان أوفر لكم حياة كويسة كفاية، وما فهمتش إنك كنتِ محتاجة حد يسمعك ويحس بيكي.
ضغطت على إيدي وقالت
أنا ما كنتش محتاجة إنك تبقى موجود كل دقيقة يا بابا. كنت بس محتاجة أعرف إن لو حصل لي حاجة، هقدر أحكي لك.
الجملة دي فضلت ترن في وداني.
بعد ما الدكتور سمح بخروجها، رجعتها البيت.
شرح لنا العلامات اللي لازم ننتبه لها بعد الارتجاج، والتعليمات الخاصة بالراحة والتعافي.
لما دخلنا الشقة، لقينا سماح مستنيانا في الصالة.
أول ما شافت داليا، قربت منها وهي بټعيط.
يا بنتي، سامحيني!
داليا رجعت لورا بشكل تلقائي.
سماح وقفت مكانها.
قالت وهي پتبكي
والله ما كان قصدي أأذيكي. أنا كنت متوترة بسبب ديون خالك...
داليا قاطعتها
أنا مش عايزة أتكلم عن خالي دلوقتي.
سماح ردت
أنا أمك يا داليا!
بصت لها بنتي لثواني، وبعدها قالت
وعلشان إنتِ أمي، وجعتي قلبي أكتر.
سكتت الصالة كلها.
كملت داليا
لما وقعت، كنت لسه مستنية إنك تيجي تساعديني. كنت فاكرة إنك هتحضنيني أو حتى تحاولي تفوقيني.
سماح حطت إيديها على بقها.
أنا مش فاكرة إني قلت لك تسيبي الدراما دي...
داليا ردت بهدوء
أنا فاكرة يا ماما. فاكرة كل كلمة.
وبعدها قالت
ولما أخدتي المفتاح، كنت سامعاكي وإنتِ بتتكلمي عن بيع العربية. أنا ما كنتش قادرة أقوم، لكني كنت لسه واعية شوية.
سماح حاولت تمسك إيدها، لكن داليا بعدت عنها.
مش عايزاكي تلمسيني دلوقتي.
سماح بصت لي، وكأنها مستنية مني أتدخل وأجبر داليا على قبول اعتذارها.
لكن المرة دي ما تدخلتش.
داليا من حقها تحدد المسافة اللي محتاجاها علشان تحس بالأمان.
في الليلة دي، سماح جهزت شنطة ملابسها.
ما حصلتش خناقة كبيرة، ولا صوتنا علي بعض.
قلت لها إننا مش هنقدر نكمل العيش في نفس البيت وكأن مفيش حاجة حصلت، وإنها محتاجة تقعد فترة عند أخوها لحد ما نفهم إحنا وصلنا لإيه.
وافقت تروح عند عماد.
قبل ما تخرج، بصت لي وقالت
إنت بجد هتنهي 22 سنة جواز علشان الموضوع ده؟
بصيت لها وقلت
أنا مش بنهي الجواز علشان عربية. أنا مش قادر أكمل مع حد ما بقيتش عارف أثق فيه.
بعد أيام، استشرنا محامية.
وبموافقة داليا، قدمنا بلاغ للجهات المختصة، وسلمناهم التقرير الطبي، وصور المستندات، والتسجيل اللي وثق اللي حصل.
المحامية وضحت لنا إن التحقيق هيحدد المسؤولية عن الاعتداء المحتمل، وكمان شبهة تزوير المستندات ومحاولة استخدامها في البيع.
ما حصلش اعتقال مفاجئ ولا حكم سريع زي الأفلام.
لكن سماح وعماد اضطروا يواجهوا تبعات تصرفاتهم، وبدأنا ناخد خطوات قانونية لحماية حسابات الأسرة وتحديد المسؤوليات المالية لكل طرف.
سماح اضطرت تشتغل علشان تسدد ديونها، وعماد بدأ يبيع جزء من معدات الورشة علشان يرجع لها جزء من الفلوس.
لكن كل ده ما كانش كفاية علشان يمسح
اللي حصل.
في الأسابيع الأولى، داليا كانت بتشتكي من الصداع وصعوبة النوم.
أوقات كانت بتصحى مڤزوعة، وأوقات تانية كانت تفضل باصة ناحية باب الشقة، كأنها خاېفة تشوف أمها داخلة عليها فجأة.
بدأنا نستعين بمتخصصة نفسية تساعدها تتجاوز اللي حصل، وكنت بحاول أديها الوقت والمساحة اللي تحتاجهم من غير ما أضغط عليها.
وأنا كمان بدأت أغيّر حياتي.
طلبت تعديل مواعيد شغلي علشان أقلل السفر، وبقينا نحاول نتعشى مع بعض كل يوم من غير موبايلات على الترابيزة.
بدأت أسأل داليا عن الجامعة، وصاحباتها، والحاجات اللي مضايقاها، حتى لو كنت شايفها بسيطة.
واكتشفت إنها كانت خلال الفترة اللي فاتت خاېفة تخسر منحتها الدراسية، لأن الخناقات في البيت كانت بتمنعها من التركيز في المذاكرة.
اتكسفت من نفسي لما عرفت قد إيه كنت بعيد عن تفاصيل حياتها.
بعد حوالي تلات شهور، سماح طلبت تقابل داليا علشان تتكلم معاها.
داليا وافقت تقابلها في كافيه، بشرط إني أكون معاها.
لما وصلنا، لقيت سماح شكلها اتغير. كانت خسّت، وتحت عينيها هالات واضحة، وباين عليها الإرهاق.
قعدت قدام داليا وحطت جواب على الترابيزة.
قالت لها
أنا مش مستنية إنك تسامحيني النهارده. أنا بس عايزاكي تعرفي إني ندمانة.
داليا فتحت الجواب وبدأت تقرأه في صمت.
بعد ما خلصت الصفحة الأولى، رفعت عينيها وقالت
ماما، تعرفي إيه أكتر حاجة وجعتني؟
سماح هزت راسها وهي بټعيط.
داليا كملت
إني لما وقعت على الأرض، كنت لسه مستنية إنك تحضنيني وتساعديني.
الدموع نزلت على وش سماح.
سامحيني يا بنتي.
داليا سكتت شوية، وبعدها قالت
أنا كنت بحبك أوي يا ماما، ولسه فيه جزء مني بيحبك. لكن دلوقتي بقيت بخاف أثق فيكي.
سماح حاولت ترد، لكن داليا كملت كلامها
يمكن في يوم نقدر نبني علاقتنا من جديد، لكن مش عايزاكي تضغطي عليّا علشان أسامحك لمجرد إنك أمي.
كانت دي أول مرة أسمع بنتي بتتكلم بالقوة والوضوح ده.
سماح هزت راسها وهي بټعيط.
ما حصلش حضڼ، ولا مصالحة مفاجئة، ولا رجع كل شيء زي الأول.
داليا حطت الجواب في شنطتها، وقمنا ومشينا.
في اللحظة دي فهمت إن بعض الچروح ما بتتعالجش بمجرد كلمة آسفة.
هي محتاجة وقت، وتحمل للمسؤولية، وتغيير حقيقي في التصرفات.
بعد شهور، داليا رجعت تسوق عربيتها.
العربية كانت لسه قدام البيت، زي ما سابتها قبل اليوم اللي حياتنا كلها اتغيرت فيه.
راجعنا أوراقها، واتأكدنا إنها لسه مسجلة باسمها، وإن محاولة البيع ما تمتّش.
في صباح من الصباحات، طلبت مني أوصلها للجامعة.
ركبت جنبي، وفضلت تسوق بهدوء لحد ما وصلنا.
قبل ما تنزل، فضلت باصة لعجلة القيادة شوية، وبعدها قالت
بابا، ممكن أقول لك حاجة؟
قلت لها
طبعًا يا حبيبتي.
قالت
زمان كنت فاكرة إن العيلة هي المكان اللي محدش ممكن يأذيكي فيه.
سكت، وسبتها تكمل.
دلوقتي فهمت إن حتى الشخص اللي بيحبك ممكن يوجعك أوي. لكن فهمت كمان إني مش مجبرة أقبل الأڈى علشان أحافظ على علاقتي بيه.
حسيت بغصة في حلقي وقلت
عندك حق يا بنتي.
ابتسمت وقالت
شكرًا إنك صدقتني.
هزيت راسي وقلت
أنا اللي المفروض أشكرك، علشان لقيتي الشجاعة إنك تحكي لي الحقيقة.
نزلت داليا من العربية، ومشيت ناحية بوابة الجامعة.
فضلت أراقبها لحد ما اختفت وسط الطلبة.
وفي الصباح ده، فهمت إن جوازي من سماح ما انتهيش بالنسبة لي يوم ما اكتشفت الديون.
ولا يوم ما لقيت التوقيع المزوّر.
ولا حتى يوم ما شفت التسجيل.
بالنسبة لي، كل حاجة انتهت في اللحظة اللي مراتي بصت فيها لبنتنا وهي مغمى عليها، وقررت إن مشاكلها المالية أهم من إنها تمد إيدها وتساعدها.
إحنا عشنا 22 سنة في بيت واحد، وشاركنا بعض تفاصيل كتير وذكريات أكتر.
لكن عشرين
دقيقة بس كانوا كفاية علشان يكشفوا لي حقيقة كنت رافض أشوفها من زمان.
لحد النهارده، ما أعرفش إذا كانت داليا هتقدر تسامح أمها بالكامل في يوم من الأيام.
والقرار ده من حقها هي وحدها.
لكن اللي أعرفه إني عمري ما هطلب منها تتحمل الظلم علشان نحافظ على شكل العيلة قدام الناس.
لأن الأبوة مش مجرد إنك تدفع مصاريف الجامعة، أو تشتري هدايا، أو تشتغل ليل ونهار علشان توفر حياة كويسة لبنتك.
الأبوة كمان إنك تسمع، وتحمي، وتكون مستعد تعترف إن الشخص اللي بتحبه ممكن يكون ارتكب خطأ كبير.
والأمومة مش تصريح مفتوح للإهانة أو التحكم أو إيذاء بنتك، على أساس إنها في الآخر هتسامحك ڠصب عنها لمجرد إنك أمها.
حياتنا النهارده بقت مختلفة.
بقينا أقل عددًا حوالين الترابيزة، لكن داليا ما بقتش خاېفة تحكي لي عن اللي جواها.
والراحة اللي رجعت لبيتنا أهم عندي من أي مظهر
لزواج مثالي قدام الناس.
أوقات كتير بسأل نفسي كام شخص بيعيش وسط عيلته وهو ساكت، لأنه خاېف محدش يصدقه؟
كام ابن أو بنت بيستحملوا الظلم علشان ما يكونوش سبب في خناقة بين الأب والأم؟
وكام شخص بيخلط بين الحب العائلي وبين حقه إنه يتحكم في حياة غيره؟
أنا كنت قريب جدًا إني أفهم الدرس ده بعد فوات الأوان.
ولو أقدر أرجع لليوم اللي فتحت فيه باب الشقة ولقيت داليا واقعة على الأرض، كنت هغيّر حاجات كتير في السنين اللي فاتت.
كنت هسمع أكتر.
كنت هسأل أكتر.
وكنت هكون أقرب لبنتي.
لكن فيه قرار واحد ما كنتش هغيّره أبدًا إني أدافع عن داليا أول ما عرفت الحقيقة.
لأن العيلة الحقيقية مش بتتقاس بعدد السنين اللي عاشتها مع بعض، لكنها بتظهر في اللحظة اللي واحد من أفرادها بيحتاج فيها للمساعدة.
والشخص اللي يقدر يشوف بنته بتتألم من غير ما يمد إيده يساعدها، ما ينفعش يطلب من الجميع إنهم يتصرفوا بعد كده كأن مفيش حاجة حصلت.
لو كنت مكاني، واكتشفت إن شريكة حياتك سابت بنتك مغمى عليها على الأرض علشان تحمي كذبتها، كنت هتحاول تنقذ الجواز، ولا كنت هتاخد نفس القرار اللي أخدته؟