رجعت من السفر محمد نور

لمحة نيوز

كنت لسه في طريقي للبيت، فاكر إن كل حاجة طبيعية، وإن مراتي وبنتي بخير.
بعد شوية، سماح ظهرت تاني عند باب المطبخ.
بصت ناحية داليا من بعيد.
لكنها ما قربتش منها.
رجعت لجوه الشقة، والكاميرا فضلت تسجل لحد ما وصلت أنا وفتحت الباب.
لما راجعت وقت التسجيل، اكتشفت إن داليا فضلت على الأرض قرابة عشرين دقيقة من غير ما حد يطلب لها المساعدة.
عشرين دقيقة كاملة!
قفلت الكمبيوتر، وفضلت قاعد مكاني، بحاول أسيطر على رعشة إيدي.
في اللحظة دي سمعت صوت المفتاح في الباب.
سماح رجعت من بره، ودخلت المكتب وهي شايلة كيس مشتريات.
بصت لي وسألت
إنت لسه زعلان مني يا طارق؟ إحنا لازم نقعد ونتكلم بعقل.
لفيت شاشة الكمبيوتر ناحيتها وقلت
اقعدي.
بصت لي باستغراب.
أقعد ليه؟
رديت
علشان تشوفي حاجة.
شغلت التسجيل.
في البداية، كانت بتبص للشاشة من غير اهتمام.
لكن أول ما شافت نفسها وهي بتزق داليا، وشها اتغير.
ولما سمعت صوتها وهي بتتكلم مع أخوها عن المفاتيح وبيع العربية، حطت إيديها على صدرها.
ما قالتش كلمة.
ولما التسجيل خلص، فضلت باصة للشاشة كأنها مش قادرة تستوعب اللي شافته.
سألتها
عندك تفسير ليه بنتنا فضلت عشرين دقيقة مغمى عليها وإنتِ بتخططي لبيع عربيتها؟
بدأت ټعيط.
أنا ما كنتش عايزة أأذيها يا طارق.
رديت عليها
لكنك أذيتيها.
قالت بسرعة
ده كان حاډث.
قلت لها
ممكن الوقعة تكون حصلت في لحظة ڠضب، لكن عدم طلب الإسعاف كان قرار منك. إنتِ كنتِ شايفاها واقعة قدامك، واخترتي ما تساعديهاش.
فتحت بقها علشان ترد، لكنها ما لقتش كلام تقوله.
طلعت الملف اللي لقيته في المكتب وحطيته قدامها.
ولقيت كمان ده. التوقيع المزوّر، وموعد البيع، واسم أخوكي في الورق. دلوقتي عايزك تقولي لي الحقيقة. كنتِ محتاجة الفلوس دي ليه بالشكل ده؟
سماح وقعت على الكرسي، وفضلت ټعيط لدقايق طويلة.
وفي الآخر، اعترفت بحاجة كانت مخبياها عني من حوالي تمانية شهور.
أخوها عماد كان مهدد إنه يخسر ورشة الميكانيكا اللي ورثها عن والدهم.
كان عليه ديون للموردين، ومتأخر في سداد أقساط قرض أخده علشان يوسّع شغله.
سماح قررت تساعده من غير ما تقول لي.
في البداية، أخدت قرض شخصي بمبلغ 180 ألف جنيه، على أساس إن عماد هيرجّع لها الفلوس أول ما شغله يتحسن.
لكن الورشة خسړت اتنين من أهم زباينها، وعماد ما قدرش يسدد لها الفلوس.
سماح بدأت تدفع الأقساط من تحويشتها.
وبعد ما تحويشتها خلصت، استخدمت جزء من الفلوس الموجودة في حسابنا المشترك.
ولما ما قدرتش تكمّل، أخدت قرض تاني علشان تسدد أقساط القرض الأول.
ومع الفوايد والمصاريف والتأخير، إجمالي الديون وصل لأكتر من 260 ألف جنيه.
بصيت لها وأنا مش مصدق.
يعني كل ده حصل وإنتِ مخبية عني؟
هزت راسها وهي بټعيط.
كنت فاكرة إني هقدر أحل الموضوع قبل ما تعرف.
سألتها
ولما ما عرفتيش، قررتِ تبيعي عربية داليا؟
ردت وهي بتحاول تبرر موقفها
المعرض كان هيدفع لنا 125 ألف جنيه. كنت هسدد جزء كبير من الديون، وأكسب وقت لحد ما أرتب باقي الفلوس.
بصيت لها بذهول.
عربية بنتك اللي بتروح بيها الجامعة والشغل؟ العربية اللي هي ساهمت في تمنها من فلوس تعبها؟
صړخت
إحنا عيلة يا طارق! المفروض نساعد بعض!
الكلمة دي كانت آخر حاجة
محتاج أسمعها منها.
قلت لها
العيلة بتساعد بعض بالصراحة، مش بالكذب والتزوير. لو كنتِ جيتي حكيتِ لي الحقيقة، كنا فكرنا في حل. لكنك قررتِ تاخدي حاجة مش من حقك، ومن غير ما حتى تسألي صاحبتها.
سماح نزلت راسها.
سألتها
لو داليا وافقت تبيع العربية، كنتِ هتقولي لها إنك مديونة بأكتر من ربع مليون جنيه؟ ولا كنتِ هتخبي عنها الحقيقة برضه؟
ما ردتش.
كملت
إنتِ ما كنتيش بتطلبي مساعدتها. إنتِ كنتِ عايزة تسلبيها حقها من غير ما تديها فرصة تختار.
بعدها سألتها عن التوقيع المزوّر.
اعترفت إنها أخدت نموذج من توقيع داليا من ورق الجامعة الموجود في أوضتها، وحاولت تقلده علشان تجهز مستندات البيع.
أما عماد، فوافق إنه يظهر كشاهد في الورق علشان المعاملة تتم بسرعة.
قالت بصوت ضعيف
إحنا كنا عارفين إن ده غلط، لكننا كنا مضغوطين ومش عارفين نتصرف.
وقفت من مكاني وقلت لها
إنك تكوني مضغوطة مش معناه إن من حقك تزوّري توقيع بنتك.
فضلت سماح تتوسل لي.
قالت إننا متجوزين بقالنا 22 سنة، وإننا ربينا بنتنا مع بعض، وإنه ما ينفعش نضيّع كل السنين دي بسبب مشكلة ممكن تتحل.
لكن أنا ما كنتش قادر أنسى التسجيل.
قلت لها
عارفة إيه أكتر حاجة وجعتني؟ مش القرض، ولا إنك كذبتي عليّا شهور. أكتر حاجة وجعتني إنك شوفتي بنتك واقعة ومش قادرة تقوم، وكل اللي كان شاغلك إنك تخلّصي موضوع الفلوس.
عيطت أكتر وقالت
كنت خاېفة أخسر كل حاجة.
بصيت لها وقلت
وبسبب خۏفك ده، كنتِ هتخسري بنتك نفسها.
ما قدرتش أكمل كلام.
خرجت للفناء علشان أهدى، واتصلت بعماد.
رد بعد محاولات.
قال
طارق، أنا كنت ناوي أكلمك...
قاطعته
مش عايز أسمع أعذار. عايز أعرف إذا كنت عارف إن سماح بتحاول تبيع عربية داليا من غير موافقتها.
سكت شوية، وبعدها قال
أختي قالت لي إنك موافق على البيع.
رديت
وعشان كده وافقت تشهد على ورق فيه توقيع بنتي اللي هي ما مضتهوش؟
تنهد وقال
أنا ما كنتش متخيل إن الموضوع هيوصل لكده.
سألته
وإنت عرفت إن داليا في المستشفى؟
رد
سماح قالت لي امبارح.
وما فكرتش حتى تتصل تسألني بنتي حالتها إيه؟
ما ردش.
في اللحظة دي فهمت إن الموضوع ما بقاش مجرد أزمة مالية أو غلطة من سماح.
كان فيه اتنين كبار قرروا إن حل مشاكلهم أهم من احترام حقوق بنت عندها عشرين سنة.
ولما الأمور خرجت عن سيطرتهم، ما حدش فيهم فكر يتحمل المسؤولية.
في نفس اليوم، اتصلت بمعرض العربيات وبلغتهم إن صاحبة العربية ما وافقتش على البيع، وإن فيه مشكلة في المستندات المقدمة.
أكدوا لي إنهم مش هيكملوا إجراءات البيع.
احتفظت بنسخة من التسجيل الأصلي، وصور المستندات، والتقارير الطبية الخاصة بداليا.
ما كنتش عايز أتصرف بدافع الڠضب وحده.
كنت عايز أحمي بنتي وأضمن إن اللي حصل ما يتكررش.
تاني يوم، رجعت المستشفى.
لقيت داليا قاعدة على السرير وبتشرب شوية مية.
أول ما شافتني، حاولت تبتسم.
سألتني
بابا، كلمت ماما؟
قعدت جنبها وقلت
أيوه يا حبيبتي.
سألتني بصوت قلق
صدقتني؟
السؤال ده وجعني أكتر من أي حاجة تانية.
مسكت إيديها وقلت
يا داليا، إنتِ مش المفروض تستني حد يصدقك علشان الحقيقة تبقى حقيقة. وأنا كان المفروض أسمعك من الأول، من غير ما أسيبك تحسي إنك لوحدك.
بدأت ټعيط.
وحكت لي إنها خلال الشهور اللي فاتت كانت بتحاول تتجنب الخناق مع أمها.
سماح بقت عصبية طول الوقت، بتراجع موبايلها باستمرار، وبتستقبل مكالمات كتير وهي مقفولة على نفسها في الحمام.
أوقات كانت تطلب من داليا فلوس، وأوقات تانية تسألها عن الحاجات اللي ممكن تبيعها لو احتاجت مبلغ كبير.
داليا كانت فاكرة إن أمها بتمر بفترة صعبة.
لكن لما بدأت
تطالبها بالعربية، فهمت إن الموضوع خرج عن الطبيعي.
قالت لي
ماما كانت بتقول لي إني أنانية، وإنك بتتعب وتسافر علشاني، وإن ما ينفعش أرفض أساعدها.
حضنتها بحذر وقلت
العربية باسمك يا بنتي، ومن حقك تقرري تعملي إيه فيها. وحتى لو ما كانتش باسمك، ما كانش من حق حد يعاملك بالطريقة دي.
رفعت راسها وسألتني
بابا، هو ليه ماما كانت متأكدة إنك هتصدقها هي؟
ما عرفتش أرد عليها في البداية.
افتكرت كل مرة سماح كانت تقول لي إن داليا عنيدة، وإنها بتجادل كتير، وإنها محتاجة تتعلم تسمع الكلام.
وكنت دايمًا أرد بنفس الجملة
اتكلموا مع بعض، أنا عندي شغل.
ما كنتش واخد بالي إن الجملة دي كانت بتخلي
تم نسخ الرابط