تخطيط مسبق محمد نور
يقدر يثبتها.
التعافي كان أبطأ بكتير مما كنت متخيّلة.
بعد العملية الأولى، احتاج الأطباء يعيدوا تقييم حالة الجلد والأنسجة المصاپة.
وبعد أسابيع، احتجت تدخلًا جراحيًا تاني عشان يغطّوا جزءًا من المنطقة المتضررة.
مرّت عليّا أيام كان مجرد القيام من السرير والذهاب للحمام فيها مجهودًا مرهقًا.
كنت بخاف من الغيارات، وفي بعض الأوقات كان احتكاك الملاية برجلي يسبب لي ألمًا مزعجًا.
الدكتور أحمد كان بيزورني كل ما تسمح له ظروفه.
وعمره ما وعدني إني هرجع زي الأول بالضبط.
في صباح أحد الأيام، سألته
هو أثر الچرح ده هيروح مع الوقت؟
ردّ بصراحة
غالبًا هتفضل علامة، لكننا هنشتغل على إننا نساعدك تستعيدي أكبر قدر ممكن من الحركة والوظيفة الطبيعية.
بصّيت لكاحلي اللي كان لسه متورمًا، وهزّيت راسي.
ولأول مرة، ما سألتوش إمتى هقدر أرجع أعمل كل حاجة عشان محمود.
كنت عايزة أعرف إمتى هقدر أعمل الحاجات دي عشان نفسي.
بمساعدة إيناس، بدأت أعيد ترتيب حياتي من جديد.
جابت لي ملابس نظيفة، وساعدتني أتواصل مع أشخاص أثق فيهم، وبدأنا نسترجع أوراقي ومتعلقاتي الشخصية بطريقة آمنة.
ما كنتش مستعدة أرجع للشقة.
المستشفى كمان ساعدني في الوصول إلى دعم نفسي متخصص.
في الجلسات الأولى، كان صعبًا عليّا أشرح ليه لسه بحسّ بالحزن على محمود، رغم إني عرفت اللي عمله.
الأخصائية النفسية ما قالتليش المفروض أحس بإيه، ولا طلبت مني أتجاوز الموضوع بسرعة.
سألتني بس
كنتِ بتحسي بإيه كل مرة كنتِ بتطلبي منه يودّيكي المستشفى، وهو يردّ عليكِ إنك تستني؟
افتكرت الخۏف والإرهاق، وإزاي وصلت لمرحلة بقيت فيها أشك في إحساسي بالألم نفسه.
قلت لها
وصلت لمرحلة إني كنت بحس إني بضايقه لما أطلب منه يساعدني.
اتكسفت وأنا بقول الجملة دي بصوت عالٍ.
لكن مع الوقت، بدأت أفهم إن تذكّر اللحظات الحلوة اللي عشتها مع محمود مش معناه إني لازم أتجاهل الأڈى اللي سببه لي.
ولما عرف إني مش ناوية أرجع البيت، حاول يتواصل معايا عن طريق محاميه.
اتطرحت فكرة إننا ننهي الموضوع بهدوء، وكأن اللي حصل مجرد سوء تفاهم ممكن نقفله بيننا من غير ما نكمّل الإجراءات.
قرأت العرض بمساعدة المحامي اللي بيمثلني.
فضلت قاعدة ساكتة شوية.
كنت قضيت سنين طويلة وأنا بحاول أتجنب الخلافات، وبختار كلامي بعناية عشان ما أضايقوش.
والعادة دي ما اختفتش في يوم وليلة.
لكن في النهاية، رديت
تعافيّي مش حاجة تقدر تتفاوض عليها يا محمود.
ما وافقتش على مقابلته في السر، وما وعدتوش إني هسحب أقوالي.
سيبت المحامين والجهات المختصة يتعاملوا مع الإجراءات القانونية.
كانت النيابة قد بدأت تحقيقًا في إصابتي والعڼف الأسري، وحصلت على تدابير حماية خلال سير الإجراءات.
وأقوالي، والسجلات الطبية، والشاش المحفوظ، والرسائل المتبادلة، كلها بقت ضمن الأدلة اللي لازم تتفحص.
ما صدرش قرار في يوم وليلة.
كانت فيه إجراءات وأوراق ومقابلات، وأوقات كنت بتمنى فيها إني ما أسمعش اسم محمود تاني أبدًا.
وكان فيه كمان حاجات ما قدرتش أغيّرها.
كاحلي ما رجعش لحركته الطبيعية بسرعة، ولفترة احتجت مساعدة عشان أمشي مسافات طويلة.
روتيني اتغيّر، وخطط كنت فاكرة إنها مضمونة اختفت من حياتي.
لكن فيه حاجة واحدة اختلفت.
لما كنت محتاجة علاج، بقيت أطلبه.
ولما الغيار كان بيوجعني، بقيت أقول.
وما بقاش فيه حد يردّ عليّا بكلمة بكرة من غير ما يسمعني.
بعد شهور، شفت محمود في إحدى جلسات المحكمة المرتبطة بالقضية.
كان لابس قميصًا فاتح اللون، وإيديه متشابكة
قدامه، وعينيه موجهتين للأرض.
للحظة، افتكرت طريقته القديمة في القعدة لما كان بيتوتر.
استغربت إزاي لسه شبه الراجل اللي عشت معاه 11 سنة بالشكل ده.
لما جه دوره يقدّم روايته، قال إنه ما كانش يقصد يأذيني.
وشرح إنه في البداية افتكر إن المنتج ممكن ينفع في تنظيف الچرح.
اتكلم عن قرار غلط، وعن الخۏف اللي حسّ بيه لما بدأ يفهم إن الموضوع ممكن يسبب له عواقب خطېرة.
سمعته من غير ما أقاطعه.
وبعدها، لما جه دوري في الكلام، سألته سؤالًا واحدًا
طب ولما شفت إن جلدي بدأ يسوَدّ، كنت بتفكر في إيه؟
رفع محمود عينيه ناحيتي.
قال
يا سارة، أنا ما كنتش أعرف إن الموضوع هيوصل لكده.
سألته
ولما ما بقيتش قادرة أقوم من السرير؟ ولما ترجّيتك تاخدني المستشفى؟
اتأخر في الرد.
وبعدين قال
كنت خاېف من اللي ممكن يحصل لي لو عرفوا موضوع المادة.
حسّيت بإيناس بتتحرك حركة بسيطة جنبي.
كنت تخيّلت الحوار ده مئات المرات، لكن لما حصل فعلًا، ما حسّيتش إني محتاجة أصرخ.
قلت له
وأنا كمان كنت خاېفة يا محمود. الفرق إن أنا كنت خاېفة أموت.
ما ردّش.
الكلام ده ما أنهى القضية، وما حسمش وحده مسؤوليته القانونية، وما رجّعش الجلد اللي اتضرر.
لكنه خلّاني أبطل أستنى منه تفسيرًا مثاليًا لكل اللي حصل.
كانت قدامه فرص كتير يساعدني فيها.
وكان فيه شخص حذّره من خطۏرة المادة.
وشاف حرارتي وألمي بعينيه.
ومع ذلك، خوفه من مواجهة العواقب كان أهم عنده من احتياجي للعلاج.
دي كانت حقيقة أقدر أبني عليها قراراتي، حتى لو عمره ما اعترف بيها بالطريقة اللي كنت أتمنى أسمعها منه.
كمّلت جلسات التأهيل والعلاج الطبيعي.
اتعلمت أمشي بثقة أكبر، وأحطّ رجلي على الأرض من غير ما أتوقع الألم في كل خطوة.
واتعلمت كمان ما أستسلمش لليأس لما ييجي يوم صعب بعد يوم كنت حاسة فيه بتحسّن.
انتقلت لمكان جديد، فيه شباك صغير في المطبخ بيدخل منه ضوء الشمس.
إيناس ساعدتني أرتّب الأطباق، وفي إحدى الأمسيات قعدنا على الأرض لأن الشقة ما كانش فيها كراسي كفاية لسه.
ضحكنا على حاجة بسيطة جدًا، لدرجة إني مش فاكرة كانت إيه.
لكن اللي فاكره كويس هو إحساسي في اللحظة دي.
لأول مرة من فترة طويلة، كنت حاسة بالهدوء جوه بيتي.
التحقيقات استمرت في طريقها.
ما كانش فيه حكم فوري، ولا اعتذار قادر يصلّح كل حاجة.
واتعلمت أعيش من غير ما أستنى إن كل خطوة قانونية تقابلها خطوة مماثلة في تعافيّي النفسي.
الندبة اللي جنب كعبي فضلت موجودة، على شكل خط غير منتظم وواضح.
في بعض الأيام، كنت بحسّ بشدّ في الجلد، وفي أيام تانية كنت أقدر أمشي عدة شوارع من غير ما أفكر فيها طول الوقت.
وفي يوم، خرجت من جلسة العلاج الطبيعي وطلبت تاكسي.
قعدت على الكنبة الخلفية وبصّيت من الشباك على شوارع القاهرة، والمحلات المفتوحة، والناس اللي ماشية شايلة أكياسها، أو بتتكلم في التليفون، أو مستعجلة عشان تلحق المواصلات.
وفجأة، افتكرت الليلة القديمة.
الليلة اللي نزلت فيها السلم وأنا متعلقة بالدرابزين، وحرارتي عالية، وخاېفة ما ألحقش أوصل المستشفى.
لفترة طويلة، كنت بسأل نفسي ليه محمود ما حاولش ينقذني؟
لكن دلوقتي، بقيت عارفة إن فيه سؤال تاني لازم أسأله لنفسي
إيه اللي عملته أنا، رغم كل الخۏف والألم، عشان أفضل عايشة؟
رفعت طرف الشاش.
صدّقت عينيّ لما شفت الإصابة.
مسكت موبايلي، وطلبت تاكسي، وخرجت من الباب.
ما كانش تصرفًا بطوليًا عظيمًا، ولا حتى كنت حاسة بالشجاعة وأنا بعمله.
كل اللي فهمته وقتها هو إني ما ينفعش أستنى يومًا كمان.
أنا مش بحكي قصتي النهارده لأن الندبة خلتني إنسانة ما بتخافش أو ما بتنكسرش.
لسه عندي ذكريات صعبة، ومواعيد
طبية، وحاجات كتير محتاجة أحلّها.
والثقة اللي فقدتها ما رجعتش فجأة.
لكن بحكيها لأنني قضيت سبع أيام كاملة بخلط بين نبرة جوزي الواثقة وبين كونه على حق.
كنت بصدّق هدوءه أكتر من إحساسي بالألم، لحد ما وصلت لمرحلة ما بقيتش قادرة أبرر له أي حاجة.
في الليلة دي، ما خرجتش من البيت عشان أعاقبه، ولا أفضحه، ولا أهدّم كل
اللي بنيناه سوا.
خرجت لأنني كنت عايزة أعيش.
ومن بين كل القرارات اللي أخدتها خلال ال سنة اللي عشتهم معاه، كان القرار ده هو اللي ادّاني فرصة أشوف بكرة بعيني.
النهاية