تخطيط مسبق محمد نور

لمحة نيوز

لوحدك.
بعد وقت قصير، دخل جرّاح عشان يشرح لي الوضع.
قال لي بصراحة إن فيه أنسجة في منطقة الكاحل اتضررت بشكل كبير، وإنهم محتاجين يشيلوا الأنسجة التالفة عشان يحدّوا من الضرر ويساعدوا في السيطرة على العدوى.
لكنه وضّح إن مفيش ضمان إن عملية واحدة هتكون كفاية.
بعد ما شرح لي المخاطر والإجراءات المطلوبة، وقّعت على الأوراق.
إيناس فضلت جنبي لحد ما جه الفريق الطبي عشان ينقلني للجراحة.
كان الممر باردًا، وأضواء السقف بتمرّ فوق وشي واحدة ورا التانية وأنا على السرير المتحرك.
فضلت أفكر في قد إيه الموضوع كان غريبًا.
خربوش صغير، حاجة بسيطة جدًا، وصلّتني للحالة دي كلها.
وفكرت في كل المرات اللي كان ممكن أطلب فيها المساعدة، لكني في النهاية كنت بصدّق ثقة محمود وهو بيقول إن مفيش داعي للقلق.
مش فاكرة تفاصيل كتير من العملية.
لما فوقت، لقيت ضمادة كبيرة ملفوفة حوالين رجلي، وإحساس بالإرهاق واصل لحد عظامي.
كانت إيناس قاعدة جنب الشباك، وماسكة كوب قهوة واضح إنه بقاله فترة طويلة من غير ما تشرب منه.
أول سؤال خرج من لساني كان
إيناس، رجلي لسه موجودة؟
قامت بسرعة وقرّبت مني.
أيوه يا سارة، رجلك موجودة. الدكتور قال إنهم لازم يفضلوا متابعين حالتها كويس.
غمّضت عيني وأنا بحاول أستوعب كلامها.
أنا لسه ما بقيتش بخير، ولسه قدامي طريق طويل، لكني على الأقل كنت لسه عايشة.
خلال الأيام اللي بعدها، بدأت آخد مضادات حيوية عن طريق الوريد، وعملوا لي غيارات منتظمة على الچرح، مع فحوصات متكررة.
حرارتي بدأت تنزل مع العلاج، لكن جسمي فضل ضعيفًا جدًا.
وفي بعض الليالي، كنت بصحى مڤزوعة، وأتخيّل إني رجعت للشقة، وإن محمود هيدخل عليّا بعد شوية ومعاه شاش جديد.
إحدى الممرضات لاحظت خۏفي، وبدأت تشجّعني إني أطلب مسكنًا أو مساعدة أول ما أحس بالألم، من غير ما أستنى لحد ما يبقى فوق احتمالي.
كانت حاجة بسيطة جدًا، لكني اكتشفت إنها صعبة عليّا بشكل غريب.
لما المحققة نهى رجعت عشان تسمع أقوالي مرة تانية، قلت لها إني محتاجة أفهم إذا كان كل اللي حصل بدأ بسبب غلطة.
قلت لها
أنا مش قادرة أجزم إن محمود كان ناوي يأذيني من البداية. يمكن هو فعلًا كان فاكر إنه بيعمل حاجة كويسة.
سمعتني المحققة من غير ما تقاطعني.
وبعدين قالت
إحنا لازم نعرف هو عمل إيه، وكان عارف إيه، وإيه العواقب اللي كان ممكن يتوقعها. مش مطلوب منك إنك توصلي للإجابة لوحدك.
الكلام ده ريّحني أكتر من أي محاولة للمواساة.
أنا ما كنتش محتاجة أتصوّر جوزي كأنه شخص مختلف تمامًا عن اللي عرفته طول عمري عشان أعترف بحجم الضرر اللي حصل لي.
كان يكفيني إني أبصّ للحقيقة زي ما هي.
بعد كام يوم، رجعت المحققة نهى ومعاها معلومات غيّرت معنى حاجات كتير كنت فاهمها بطريقة مختلفة.
المحققون حصلوا على إذن بتفتيش أماكن مرتبطة بالمادة المستخدمة.
وخلال التفتيش، عثروا على عبوة مزيل دهون صناعي مركز مرتبطة بشغل محمود.
ما كانتش دواء، ولا مطهّر چروح.
وكانت تعليمات الشركة المصنّعة بتحذّر بوضوح من طبيعتها الأكّالة، ومن خطۏرة ملامستها للجلد.
التحاليل اللاحقة كشفت عن مكونات قلوية تتوافق مع البقايا اللي احتفظوا بيها من الشاش.
النتائج دي ما كانتش وحدها كافية لتفسير كل تفصيلة حصلت، لكنها دعمت وجود صلة بين الإصابة والمادة اللي ما كانش المفروض تتحط على كاحلي من الأساس.
بعد ما المحققة خلصت كلامها، سألتها
طيب، محمود
اعترف بحاجة؟
قالت
إحنا لسه بنجمع أقوال الشهود والأدلة. لكن فيه محادثة لازم تعرفي عنها.
شرحت لي إنهم اتواصلوا مع عماد، وهو زميل محمود في شغل توزيع المنظفات، وإنه تعاون مع التحقيقات.
وكان محتفظًا برسائل اتبعتت خلال الأيام اللي كنت فيها مريضة.
في البداية، ما كنتش عايزة أسمعها.
عماد كان جه شقتنا أكتر من مرة، وكان دايمًا بيسلّم عليّا باحترام، ويسألنا إذا كنا محتاجين حاجة من المحل.
ما كانش شخصًا غريبًا عن حياتنا، وما كنتش عايزة فجأة أحوّله في خيالي إلى طرف آخر في الکابوس اللي كنت بعيشه.
لكن في النهاية، طلبت من المحققة إنها تقرأ لي الجزء المهم من المحادثة.
محمود كان قال لعماد إنه استخدم منظّفًا مركزًا على الخربوش اللي في رجلي، من غير ما يخفّفه بالمياه.
وقال له إن الجلد بدأ شكله يسوء جدًا، وإن حرارتي عالية، لكني ببالغ في وصف الألم.
عماد ردّ عليه بوضوح، وقال له إن المادة دي مش مطهّر، وإنه لازم يوقف استخدامها فورًا وياخدني المستشفى.
لكن ردّ محمود كان صادمًا.
قال له إنه مش عايز يورّط نفسه في مشكلة بسبب الموضوع، وإنه هينتظر ويشوف إذا كانت حالتي هتتحسن.
طلبت من المحققة تعيد قراءة آخر جملة.
هستنى وأشوف إذا كانت هتتحسن.
نفس الراجل اللي فضّل طول أسبوع يقول لي بكرة، كان فيه شخص تاني حذّره بوضوح من خطۏرة المادة اللي بيستخدمها.
ومع ذلك، استمر في تغيير الشاش، واستمر في إقناعي إن كل حاجة طبيعية وإن مفيش داعي للمستشفى.
ما صرختش، وما انهرتش.
فضلت أبصّ للملاية اللي فوق رجلي.
لحد اللحظة دي، كان فيه جزء جوايا بيحاول يحافظ على صورة الزوج اللي عرفته.
الراجل اللي كان بيعمل لي القهوة صباح كل يوم أحد، واللي كان بيعرف إمتى صداعي بيزيد، واللي عاش معايا سنين وكان بيتصل يبلّغني لو هيتأخر بره البيت.
لكن الذكريات دي ما كانتش كفاية إنها تمحو اللي حصل خلال الأسبوع ده.
سألت المحققة
ليه ما سابنيش أتعالج من البداية؟
ما ادّعتش إنها عندها إجابة نهائية.
قالت
فيه مؤشرات إنه كان خاېف من العواقب اللي ممكن يواجهها بسبب استخدام المادة دي. لكن تحديد مسؤوليته بشكل دقيق ده جزء من التحقيق.
بعدها سابتني شوية مع إيناس.
قلت لها وأنا بحاول أمنع دموعي
أنا ما كنتش عايزة أصدق إن ده ممكن يكون حقيقي.
مسحت على شعري وقالت
عارفة يا حبيبتي.
قلت لها
أنا صدّقته كل مرة قال لي إنه بيعالجني.
ردّت بهدوء
عارفة يا سارة.
ما قالتليش إني كنت ساذجة، وما طلبتش مني أبطل أحبه في لحظة واحدة.
فضلت جنبي وأنا بحاول أستوعب الفرق بين الراجل اللي حبيته، والقرارات اللي أخدها وأذّتني بالشكل ده.
في الوقت نفسه، محمود بدأ يحكي رواية مختلفة عن اللي حصل.
بعض أفراد عيلته وصلتهم رسائل منه بيقول فيها إني كنت مشوشة بسبب العدوى، وإن العلاج المنزلي فشل، وإن المستشفى فسّرت نيته الطيبة بطريقة سيئة.
وفي يوم، اتصلت واحدة من قرايبه بإيناس، وقالت لها إن الأفضل إننا نحلّ المشكلة جوه العيلة، بعيدًا عن الناس.
إيناس ردّت عليها من غير ما ترفع صوتها
سارة لسه في المستشفى، وعندها إصابة خطېرة. لو عايزين تعرفوا اللي حصل، سيبوا التحقيقات تكشف الحقيقة. أنا مش هتناقش في صحتها على التليفون.
وفي اليوم اللي بعده، نفس القريبة بعتت رسالة تسأل إذا كنا محتاجين أكل أو أي أدوية.
كان تغييرًا بسيطًا، لكنه ريّحني.
أنا ما كنتش عايزة أحوّل مرضي لمعركة بين عيلتين. كل اللي كنت محتاجاه هو إني أتعافى.
أما عماد، فأكّد للمحققين إنه حذّر محمود من خطۏرة المادة.
ما حاولش يظهر نفسه في صورة البطل، لكنه اعترف
إنه فهم متأخرًا إن زميله ما اتبعش نصيحته بنقلي للمستشفى.
وجعني إن شخصًا آخر كان يعرف جزءًا من اللي بيحصل.
لكن في الوقت نفسه، فهمت إن المحادثة اللي احتفظ بيها كانت ممكن تساعد في كشف الحقيقة، بدل ما محمود يقدر يختصر كل حاجة في غلطة محدش
تم نسخ الرابط