رواية كاملة

لمحة نيوز

اللي عملتي كل ده بإيدك!
وكان ده تقريبًا أطول كلام مدح سمعته منه في حياتي.
بعد يومين، جت عمّة زينب وكشفت على الفرس والمهر، وبعدها بصّت على كتفي.
مافيش كسر، بس هيفضل يوجعك كام أسبوع.
سألتها
طب لو حصلت الولادة دي تاني؟
ضحكت بصوت عالي وقالت
أهو إنتِ بقيتي عارفة تعملي إيه. بس ما تفتكريش نفسك بيطرية عشان ليلة واحدة يا ست أمل!
ضحكت معاها من قلبي.
ديسمبر ويناير غيّروا شكل المزرعة تمامًا.
المعزة بقت تدرّ لبن يكفيني عشان أعمل جبنة قريش. اشتريت 12 فرخة بلدي، وواحدة منهم، كانت أغمقهم لونًا، بقت تستناني كل صباح جنب باب القن، فسميتها وحيدة.
أنا وعم بشير نضفنا جزء من مجرى الميّه، لحد ما قدرنا نرجّع ميّه النبع تاني ناحية المرعى.
وفي الجنينة، بدأ الفجل والكزبرة والبصل والكوسة والطماطم الخضرا يظهروا واحدة واحدة.
عمّة فوزية، صاحبة البقالة في القرية، داقت الجبنة اللي عملتها وقالت لي
الجبنة دي تتباع يا أم أمل، مش معقولة تفضلي تعمليها لنفسك بس!
بصّيت لها باستغراب.
بجد؟
بجد. هاتي لي علبتين يوم الجمعة.
أخدت لها علبتين، وبعدها بقيت أبيع تلاتة، وبعد فترة وصلت لخمسة.
كنت بحط الفلوس في علبة قهوة قديمة، وأصرف منها على احتياجات المزرعة جزم مطاط، وبذور، ولمبة أحسن، ومسامير، وطاسة جديدة قاعها مش معووج.
المبالغ ما كانتش كبيرة، لكن كل جنيه كنت بكسبه كان ليه طعم مختلف، لأني كسبته بإيدي، من غير ما أطلب إذن من حد، ومن غير ما أشرح لحد هصرفه في إيه.
حتى شجرة الخوخ اللي كانت شبه ماټت في الجنينة، بدأت تظهر عليها علامات الحياة.
عم بشير علّمني أقصّ الفروع اليابسة بطريقة صحيحة.
قال لي وهو بيشاور على فرع قصّه
طول ما فيه خضار جواه، يبقى لسه فيه أمل. اديها فرصة.
فضلت أبصّ للفرع المقطوع. كان فيه خط رفيع رطب، دليل إن لسه فيه حياة.
كتبت الجملة في الكشكول بتاعي.
في فبراير، نضفت سرج قديم كنت لقيته في المخزن. كان مصنوع من الجلد المنقوش، وعليه الحروف الأولى من اسم صاحب المزرعة السابق.
عم بشير غيّر الأحزمة البالية وساعدني أظبطه.
قال لي
السرج ده كان بتاع رمادية. والفرس لسه فاكرة أيامه.
أنا ما كنتش ركبت حصان من أيام ما كنت بنت صغيرة.
ومع ذلك، في صباح من الصباحات، قررت أركب رمادية.
كان ضباب بيجري قريب مننا، والمعزة بتبص علينا من جوه الحظيرة.
ربتّ على رقبتها وقلت لها
من غير شقاوة يا بنتي. إنتِ لو اتصرفتي بعقل، أنا كمان هتصرف بعقل.
حطيت رجلي الشمال في الركاب وطلعت فوق السرج.
رمادية نفخت بهدوء، واستنت لحظة، وبعدها بدأت تمشي.
لفّينا لفة واحدة حوالين المرعى.
بس كده.
ولما نزلت، كنت حاسة إن ركبتيّ بيرتعشوا.
في الليلة دي، كتبت في الكشكول
النهارده ركبت رمادية خمس دقايق، وما وقعتش.
في مارس، هدى جت تزورني لوحدها ومن غير ما تبلغني قبلها.
نزلت من تاكسي، ومعاها شنطة صغيرة، وأول ما دخلت البيت، جريت عليّا وحضنتني.
يا ماما، سامحيني.
حسّيت بدموعها على رقبتي.
ما حبيتش أحوّل اللحظة دي لحساب قديم، ولا أفتّح دفتر العتاب.
ربتّ على ضهرها وقلت
مش عايزاكي توعديني بحاجة يا بنتي. تعالي بس لما تقدري.
قعدت معايا طول عطلة نهاية الأسبوع.
مشينا لحد النبع، وورّيتها الجنينة والكشكول وضباب ومجرى الميّه والسرج القديم.
ساعدتني ألمّ البيض، وفي آخر اليوم كانت رجليها وصنادلها غرقانين في التراب.
في المرة اللي بعدها، رجعت ومعاها جوزها. وبعدها زارتني تاني لوحدها.
وفي واحدة من الزيارات دي، وصلت بدري، ومن غير ما أطلب
منها أي حاجة، بدأت تساعدني في تنظيف مجرى الميّه.
مع نص النهار، كانت إيديها متغطية بالطين، وطلعت لها فقاعة مؤلمة في كفها من كتر الشغل.
ما قالتش إنها جاية تثبت لي حاجة، ولا حاولت تبرر اللي حصل زمان.
فضلت تشتغل جنبي، وتطلّع الحجارة من المجرى.
بالنسبة لي، الفعل ده كان أغلى من ألف اعتذار.
أما يوسف، فما رجعش.
وكريم كمان ما رجعش.
وطبعًا، ده وجعني. الأم ما بتبطلش تحب ولادها لمجرد إنها اتعلمت تحط حدود.
لكنّي بطّلت أقيس حبهم ليا على قدّ استعدادي إني أتحمّل الإهانة.
الوصية فضلت زي ما كتبتها.
ما كانتش عقاپ لحد، لكنها كانت قاعدة بسيطة اللي عايز يكون جزء من حياتي، لازم يكون موجود فعلًا، مش وقت ما يحتاج مني خدمة وبس.
في مايو، عمّة فوزية قدرت توفّر لي ترابيزة في سوق احتفالات القرية بعيد الحصاد.
جهّزت جبنة قريش، وبرطمانات مربى الخوخ بالعسل الأسود، وخبز الذرة، وأكياس صغيرة من الدقيق المحمّص اللي بيتعمل منه مشروب شعبي.
كنت متوقعة إني هرجع البيت بنص البضاعة على الأقل.
لكن في أول يوم، بعت كل حاجة!
واحدة رجعت تشتري علبة جبنة تانية، وقالت إنها بتفكّرها بطعم الجبنة اللي كانت بتاكلها زمان. وراجل طلب مني تلات برطمانات مربى لأخواته.
عمّة فوزية خبطتني بكوعها وقالت
إيه يا ست أمل، إنتِ كده بقيتي تاجرة!
ردّيت عليها وأنا بضحك
ما تكبّريش الموضوع بقى!
لكنّي رجعت المزرعة وأنا مبتسمة من قلبي.
كان معايا كيس فيه فلوس عدّيتها بنفسي، وإيديّ ريحتها عسل أسود وخوخ.
قعدت في الممر قدام البيت، وبصّيت للبوابة اللي كنت لقيتها مخلّعة من شهور.
دلوقتي بقى ليها مفصلات جديدة، وبقت بتفتح وتقفل من غير ما تميل.
ساعتها فهمت ليه الباب ده كان بيأثر فيّا بالشكل ده.
أنا كمان عشت سنين طويلة معلّقة بمفصلة واحدة، وبكمل بالعافية، لمجرد إن كل اللي حواليا كانوا متأكدين إني هفضل موجودة أخدمهم مهما حصل.
في صباح، بعد ما عدى حوالي سبع شهور على وصولي للمزرعة، سرجت رمادية عشان أروح القرية أشتري دقيق ذرة
تم نسخ الرابط