رواية كاملة

لمحة نيوز

وقت الولادة، لأن ده وارد يحصل.
وفي الوقت اللي كنت بجهّز فيه المخزن عشان يبقى مناسب للولادة، ظهر ولادي التلاتة مع بعض يوم السبت.
بعد ما شربنا القهوة، بدأ يوسف يتكلم عن السبب الحقيقي اللي جابهم.
يا أمي، إمضي لي توكيل أقدر أخلّص بيه الضرايب والأوراق. وإنتِ ممكن تروحي تعيشي مع هدى.
بصّيت له وسألته
وهدخل أوضتي القديمة عندك إمتى؟
ما ردّش.
كريم هو كمان ما كانش عنده مكان مناسب ليا، وأوضة هدى ما كانتش فاضية غير في الأيام اللي حماتها ما بتجيش فيها.
ساعتها، طلّعت عقد الملكية وحطيته على الترابيزة.
معاش أبوكم كان حقي، وأنا اللي وفّرت منه، وأنا اللي اشتريت المزرعة دي بفلوسي. مش همضي على أي توكيل.
في الأسبوع نفسه، عملت وصية.
كتبت فيها إن المزرعة مش هتكون من نصيب حد لمجرد إنه ابني أو بنتي، لكن اللي يستحقها هو اللي يثبت وجوده ويهتم بيها فعلًا.
عدّت الأسابيع، وبدأت رمادية تتعود عليّا. في الأول كانت بتاكل من الجردل اللي بحطّه قدامها، وبعدها قبلت إني أقرّب منها بالحبل، وبعدين سمحت لي ألمس بطنها.
ولأول مرة، حسّيت بحركة المهر تحت إيدي.
صباح يوم 22 نوفمبر، صحيت على ضباب كثيف لدرجة إن الحظيرة نفسها كانت بالكاد باينة.
رمادية كانت بتعرق وبتتنفس بصعوبة.
جريت أدوّر على عمّة زينب، لكن اكتشفت إنها اضطرت تروح تساعد بنتها المړيضة. أما عم بشير، فكان في المنيا.
رجعت المزرعة لوحدي.
وبعد ساعات، بدأت الولادة فعلًا.
غسلت إيدي لحد الكوع، وقرّبت عشان أشوف وضع المهر.
لكن اللي شفته خلّى الډم يتجمّد في عروقي.
المفروض إن المهر ينزل برجليه الأماميتين ورأسه.
لكن اللي كان ظاهر قدامي هو ديله، ورجل خلفية واحدة بس أما الرجل التانية فكانت محشورة جواه.
الجزء الثالث
صوت عمّة
زينب رجع يرنّ في ودني
اتعلمي كأنك هتبقي لوحدك وقت الولادة.
وأهو أنا فعلًا كنت لوحدي.
رمادية نزلت بجسمها على القش، وبعدها قامت تاني ولفّت جوه المكان اللي كنت مجهزاه للولادة من أسابيع.
برّه، الضباب كان لسه محاوط جدران البيت الطوب. وجوّه، لمبة معلّقة في مسمار كانت هي النور الوحيد اللي عندي.
قربت منها وربتّ على رقبتها.
أنا معاكي يا حبيبتي، مش همشي وأسيبك.
استنيت لحد ما نوبة الطلق تهدى. غسلت إيدي تاني، وطلّعت كمّي لحد كتفي، وبدأت أدخل إيدي بحذر، بنفس الطريقة اللي اتدرّبت عليها مع الشوال.
الرجل الأولى كانت قربت تخرج، لكن الرجل التانية كانت متنية لورا.
لثانية واحدة، فكرت أسحب إيدي.
مش عشان كنت مقززة من الموقف، لكن عشان كنت خاېفة أغلط.
وفجأة، افتكرت كل السنين اللي اتعاملوا معايا فيها وكأن دوري الوحيد إني أخدم غيري، لكن ما ينفعش أقرر حاجة لنفسي.
افتكرت أوضتي اللي جنب مكان الغسيل، وافتكرت يوسف وهو بيتكلم ناحية الحوض من غير ما يبص لي.
وافتكرت الظرف البني اللي كنت مخبّياه في المصحف.
أخدت نفس عميق، وركّزت.
دورت بأصابعي على حافر المهر، ومسكته بحرص. رمادية دخلت في نوبة طلق جديدة، وحسّيت بجسمها كله بيشد على دراعي.
استحملي يا روحي، أنا كمان هستحمل.
ولما جسمها ارتخى شوية، بدأت أعدّل وضع الرجل المتنية بالراحة، لحد ما خليتها في نفس اتجاه الرجل التانية.
وأخيرًا، خرجت الرجلين.
كنت بعرق رغم البرد.
المهر بدأ يخرج لحد صدره، لكنه وقف تاني ومبقاش بيتحرك.
رمادية زقّت مرة، وبعدها مرة تانية، وبعدين مرة تالتة.
لكن من غير نتيجة.
وقفت وراها، ومسكت رجلي المهر من فوق مفصل العرقوب، واستنيت نوبة الطلق اللي بعدها.
ما شدّتش پعنف، وما حاولتش أخلّص الموضوع بالقوة. كنت بس بوجّه جسمه بهدوء مع كل دفعة.
وفجأة، وقع على القش جسم طويل، غامق، ومبلول، وعلى رجليه الأربع علامات بيضا.
لكنه ما اتحركش.
نزلت على ركبتي بسرعة، وشلت الغشاء اللي كان مغطي مناخيره، ونضفت فتحات أنفه بقطعة قماش.
يلا يا حبيبي، خد نفسك.
مافيش أي استجابة.
فركت صدره، ونضفت مناخيره تاني، وبدأت أحرك جسمه بحزم لكن بحذر.
ما تعملش فيّا كده اتنفس!
وفجأة، كحّ.
كان صوت ضعيف جدًا، ومبلول، لكنه كان صوت حياة.
وبعدها كحّ مرة تانية، وفتح عين كبيرة بشكل خلاني أحس إن روحي رجعت لجسمي.
قعدت على القش، وبدأت أضحك وأعيط في نفس الوقت.
رمادية رفعت راسها، وقرّبت تشم صغيرها، وبعدها بدأت تلحس ضهره.
استنيت لحد ما الحبل السري بطل ينبض، وعملت اللي اتعلمته، واتأكدت إن الولادة خلصت وإن مافيش مشكلة واضحة.
وبعدها دفنت مخلفات الولادة في المكان المناسب ورا شجرة البلوط، زي ما كان مكتوب في كشكول صاحب المزرعة القديم.
الساعة كانت أربعة وعشرين دقيقة بعد الرابعة فجرًا، لما المهر حاول يقف على رجليه.
وقع.
حاول تاني.
ووقع مرة تانية.
في المحاولة التالتة، قدر يقف، ورجليه متباعدين، وجسمه بيرتعش كأنه ترابيزة رجلها مش متساوية.
بدأ يدور على أمه، ولما وصل لها، مسك في ضرعها وبدأ يرضع.
في اللحظة دي، جسمي كله استسلم للتعب.
مشيت لحد البيت، وشربت كوباية ميّه كاملة، وقعدت قدام الترابيزة.
وبكيت.
بكيت على عبد الرحمن، وعلى ال سنة اللي عشتهم في بيت يوسف، وعلى أحفادي اللي كبروا، وعلى الطبق اللي كنت بنشّفه وقت ما ابني طلب مني أسيب أوضتي.
بكيت على إحساسي بالذنب، وعلى السنين اللي كنت فاكرة فيها إن حياتي خلاص ما بقتش ملكي.
لكن بكيت كمان لأني، لأول مرة من وقت طويل، أثبت لنفسي إني أقدر أعتني بمخلوق محتاج لي، من غير ما أختفي أنا نفسي وسط احتياجاته.
سمّيت المهر ضباب.
ولما عم بشير رجع بعد الضهر وشاف دراعي متورّم،
ورمادية هادية، وضباب لازق في أمه، خلع طاقيته وبصّ لي بإعجاب.
يا سلام يا ست أمل إنتِ
تم نسخ الرابط