رواية كاملة
بعد 12 سنة قضيتها في خدمة بيت ابني، وتربية أحفادي، وحتى غسل وكي هدومه، قال لي ابني في ليلة من الليالي من غير ما يبص في وشي يا أمي، جه الوقت إنك ترجعي تعتمدي على نفسك وتعيشي حياتك باستقلالية.
دخلت أوضتي الصغيرة، وطلعت من بين صفحات المصحف ظرف كنت مخبّية فيه معاش جوزي من سنين طويلة، ولأول مرة في حياتي قررت أعدّ الفلوس اللي جمعتها.
بعد كام يوم، اشتريت مزرعة قديمة في ريف مصر. ولما ولادي عرفوا، بدأوا يشكّكوا في قراري، ويسألوا إذا كنت فعلًا هقدر أعيش لوحدي في المكان ده.
الجزء الأول
يا أمي، جه الوقت إنك ترجعي تعتمدي على نفسك وتعيشي حياتك باستقلالية.
دي كانت الكلمات اللي قالها لي ابني يوسف، وأنا بنشّف الطبق اللي خلّص عشَاه فيه.
ما بصّش في وشي. كان حاطط إيديه في جيوبه، وبيتكلم ناحية الحوض، كأنه مش قادر يواجهني بعينيه وهو بيطلب مني أسيب البيت اللي عشت فيه 12 سنة.
كنت عايشة معاه ومع مراته رانيا. في البداية، جيت عندهم على أساس إني هقعد كام شهر بس، بعد ما بعت بيتي الصغير عشان أسدّ الديون اللي سابها جوزي عبد الرحمن بعد ۏفاته.
لكن الشهور اتحولت لسنين، والسنين بقت 12 سنة من عمري. خلال الفترة دي، ربيت حفيدين، وحضّرت الفطار كل يوم، وغسلت هدومهم وملابس المدرسة، وطبخت، وجبت الأدوية، وكيّت القمصان، وسهرت على أحفادي وقت مرضهم. أما أنا، فكان نصيبي أوضة صغيرة جنب مكان الغسيل في آخر البيت.
رانيا محتاجة الأوضة دي عشان تشتغل من البيت كمّل يوسف كلامه وأنا وإخواتي كريم وهدى ممكن نساعدك بمبلغ كل شهر تستأجري بيه شقة صغيرة قريبة مننا.
فضلت أنشّف الطبق في إيدي.
حاضر يا ابني.
في الليلة دي، أول ما دخلت أوضتي وقفلت الباب، طلّعت المصحف من الدرج اللي جنب السرير. قلّبت صفحاته بحرص، لحد ما وصلت للظرف البني اللي كنت مخبّياه جواه.
الظرف ده كان فيه معظم معاش جوزي عبد الرحمن، اللي فضلت أوفّر منه على مدار 14 سنة.
عمري ما عدّيت المبلغ كله قبل كده. أخدت أكتر من ساعة وأنا برتّب الورق النقدي من فئات الخمسمية والميتين جنيه فوق السرير.
ولما خلّصت، حسّيت بحاجة ما حسّيتش بيها من يوم ما دفنت جوزي إن لسه فيه فرصة قدامي.
تاني يوم، اشتريت جورنال من غير ما أقول لحد. وعلى مدار أربع أسابيع، فضلت أدوّر على أرض أو بيت ريفي أقدر أشتريه بالمبلغ اللي معايا.
شفت أرض ما فيهاش ميّه، وبيت أوراق ملكيته مش سليمة، ومكان بعيد عن أقرب قرية لدرجة إن الوصول لأي دكتور أو محل بقالة كان هيبقى صعب جدًا على ست عندها 62 سنة.
لحد ما ظهر قدامي إعلان صغير
مزرعة قديمة للبيع، مساحتها أربع أفدنة، قريبة من قرية ريفية في محافظة الفيوم، فيها بيت طوب قديم، وبير ميّه، وحظيرة مواشي، ومخزن، وشجرة بلوط ضخمة. ورثة صاحب المزرعة المتوفى عايزين يبيعوها بسرعة.
روحت أشوفها يوم السبت.
كانت بوابة المزرعة مخلّعة من ناحية، وفي الحظيرة معزة عجوز، وفي الأرض الواسعة ورا البيت فرس رمادي واقف واطي راسه، وبطنه كبيرة بشكل لفت نظري.
الفرس دي حامل قال لي المحامي المسؤول عن البيع وهي داخلة في البيع، والمعزة كمان.
بصّيت للبيت القديم، وشجرة البلوط، والفرس اللي لونها رمادي زي الرماد.
المزرعة ما كانتش جميلة بالشكل اللي يعجب الناس اللي عايشة في المدن. كان فيه قرميد مكسور، وعشب طويل، وأدوات صدّيت من الإهمال.
لكن لأول مرة من سنين، شفت مكان
محدش بيحاول يوفّر لي فيه ركن صغير على قدّي؛ المكان كله بقى ملكي أنا.
وقّعت عقد الشراء في نفس اليوم.
يوم التلات، وصلت ومعايا شنطتين سفر مربوطتين بحبل، وعقد الملكية محطوط على صدري، والمفتاح ملفوف في منديل قماش.
زقيت البوابة المايلة بكتفي، ومشيت لحد البيت. وقبل ما أدخل، رفعت الفرس راسها وبصّت لي.
ما كنتش أعرف وقتها إن المخلوق ده هيكون السبب في اختبار حقيقي يخليني أثبت إذا كنت فعلًا قادرة أعيش لوحدي.
الجزء الثاني
من أول صباح، فهمت إن شراء المزرعة كان أسهل جزء في الحكاية.
السقف كان بيسرب ميّه، والمدخنة نصها مسدود، ومقبض الفأس كان مفكوك، والفرس كانت هزيلة زيادة عن اللزوم بالنسبة لفرس حامل.
في يوم، وصل جار ليا اسمه عم بشير، راكب بغلة، وجاب لي حبل متين مصنوع من ألياف نباتية، كان مدهنه بالشحم عشان يبقى طري وسهل الاستخدام.
الفرس اسمها رمادية، والمعزة أنا بسميها الحاجة، عشان دايمًا تلاقيها ماشية ورا الفرس كأنها بتحرسها.
وأنا بنضّف البيت والمخزن، لقيت كشكول قديم كان بتاع صاحب المزرعة السابق. كان فيه مواعيد الزراعة، وطريقة حلب المعزة، ورسم تقريبي لمكان عين الميّه، وملاحظات عن ولادات الفرس رمادية.
اعتمدت على الكشكول ده في كل حاجة تقريبًا.
اتعلمت أحلب المعزة، وأخلط الشوفان بالعسل الأسود عشان أقدّمه للفرس، وأدور على عين ميّه مستخبية على بُعد حوالي ميتين متر لفوق، ورا صخرة مستديرة كبيرة.
ولما شفت الميّه النضيفة بتجري ناحية أرض المزرعة، حسّيت إن المكان بدأ يصحى معايا.
بعدها، جت عمّة زينب، قابلة عندها حوالي سبعين سنة، وكانت كمان عندها خبرة كبيرة في التعامل مع الحيوانات. كشفت على الفرس، وعلّمتني أتدرّب على طريقة مساعدة الفرس وقت الولادة باستخدام شوال مليان تراب، تحسّبًا لو المهر نزل بوضع غلط.
قالت لي وهي بتشرح
اتعلمي كأنك هتبقي لوحدك