جـوزي أهـان أمـي حكايات مني السيد
أبات في الصالة بس الدنيا بتشتي برة وأنا مش معايا فلوس في المحفظة حتى أركب تاكسي!
نام في الشارع يا طارق.. جرب تدوق السقعة اللي كنت رامي أمي فيها.. جرب تدوق الذل اللي عيشتهولنا سنين وأنت بتمن علينا باللقمة.. نام على الرصيف، وادعي ربنا الليل ميطلعش عليه نهار، عشان لما النهار يطلع، الشمس ھتحرق كل كدبة عيشت فيها.
سمعت صوت خطوات سريعة وجري على السلم، وصوت حديد الأسانسير بيتهز.. نزل يهرب قبل ما الأمن يطلع يمسكه.
اتنهدت، وبصيت للساعة.. كانت اتنين إلا ربع.
روحت ناحية المطبخ، ولعت على كنكة قهوة، وطلعت مجين كبار. أمي كانت قاعدة على الكنبة، عنيها متبتة فيا، مش مصدقة إن البنت الهادية، المطيعة، اللي كانت بتوطي راسها في الأرض وتاخد على خاطرها من أقل كلمة، هي نفسها الست الصخر اللي واقفة قدامها دي.
مريم يا بنتي.. أنتي بقيتي قاسېة كده إمتى؟
حطيت قدامها مج الشاي السخن اللي عملتهولها، وقعدت جنبها ومسكت إيديها الدنيا اللي قسّتني يا أمي.. القسۏة دي مش عليكي، القسۏة دي درع عشان أحميكي أنتي وابني. أنا سكت سنين وقولت بكبره، طلع كل ما بكبره بيكبر عليا ويدوسني.. الراجل اللي يهين أمه، ميتأمنش على بيت يا أمي، واللي يرخص لحم مراته قدام الغريب، ملوش دية عندي.
شربنا الشاي في سكات، والليل كان بيمر تقيل وبطيء.
وعلى الساعة سبعة الصبح، قبل ما النور يشقشق في السما، رن جرس الباب رنة واحدة خفيفة. بصيت من العين السحرية، كان راجل شيك لابس بدلة كحلي، ومعه اتنين من أفراد أمن الكومباوند. فتحت الباب.
صباح الخير يا مريم هانم.. أنا عصام رئيس قطاع الأمن الداخلي للكومباوند، المستشار مجدي كلمنا وبلغنا بالتعليمات، وكمان مديرة مكتبك أستاذة نور وصلت ومعاها القوة التنفيذية عند البوابة الرئيسية مستنيين إشارة حضرتك.
صباح الخير يا عصام.. خليهم يدخلوا، والست الكبيرة اللي اسمها مرزوقة وبنتها اللي معاها عيال اتنين لما يوصلوا عند البوابة، متدخلوهمش إلا بإذن مني، فاهم؟
أوامرك يا فندم، كل المنافذ متأمنة.
قفلت الباب، ودخلت أوضتي. فتحت الدولاب، وطلعت البدلة الرسمية بتاعتي.. بدلة سودا كلاسيك، بقالي خمس سنين مالبستهاش، كنت دايماً بلبس هدوم الموظفات البسيطة، الجيبات الواسعة والبلوزات العادية عشان مبانش أحسن منه قدام صحابه أو قدام أهله.
لبست البدلة، ورفعت شعري لفوق بتسريحة حادة، وحطيت روج أحمر غامق، ورشيت البرفان اللي ريحته كانت بتهز قاعات الاجتماعات زمان. بصيت لنفسي في المراية.. شوفت مريم تانية، مريم اللي دفنتها بإيدي عشان راجل ميستاهلش.
خرجت الصالة، أمي أول ما شافتني شهقت وحطت إيدها على بقها اسم الله عليكي يا بنتي.. ما شاء الله، ده أنتي.. أنتي شبه البشوات بتوع
التلفزيون!
ابتسمت لها وبوست راسها البشوات دول اتعلموا منك يا ست الكل.. اجهزي يا أمي، والبس طرحتك، عشان بكرة اللي طارق كان مستنيه وصل.. وضيوفه اللي كان عازمهم في شقتك، وصلوا تحت عند البوابة.
نزلت الستارة بتاعة البلكونة، وشوفت من فوق، عربية تاكسي قديمة بيضا، نازل منها ست تخينة لابسة عباية سودا وطرحة مقصبة، ومعاها ست تانية أصغر منها شايلة عيل وماسكة عيل في إيدها، وحواليهم شوالين كبار وشنط بلاستيك مرمية على الأرض جنب بوابة الكومباوند، ورجالة الأمن مانعينهم من الدخول والست بتزعق وتشاور بإيديها في وش الأمن بغباوة وسع يا بني منك ليه! أنا أم طارق باشا صاحب العمارة دي كلها! وسع بدل ما أخليه يقطع عيشك وعيش اللي خلفوك!
ابتسمت وغمغمت بصوت واطي أهلاً بيكي يا حماتي.. في عقر داري.
نزلت على السلم وأنا ماسكة الدوسيه الأزرق في إيدي، وفاتحة التليفون على بث مباشر مع مكتب النيابة، ومستعدة أبدأ الحساب اللي هيدفعوا تمنه لآخر مليم، ومن غير نقطة رحمة واحدة.
ج 3 و الاخير حكايات مني السيد حصري
الفصل الثالث والأخير
نزلت على السلم الرخام وصوت كعبي العالي كان بيعمل صدى يخلع القلب في سكون العمارة. كل خطوة كنت بنزلها كانت بتمحي من ذاكرتي سنين من الطيبة المفرطة والسكوت اللي ودى أصحابه في داهية. وصلت لمدخل العمارة، لقيت نور مديرة مكتبي واقفة ومعاها المستشار مجدي رشوان، وشخصين تانين بلبس مدني ملامحهم حادة، ماسكين في إيديهم شنط جلد سودا بتاعة تنفيذ الأحكام والشؤون القانونية.
نور أول ما شافتني قربت بخطوة سريعة ومدت إيدها بملف جلدي مقفول صباح الخير يا مريم هانم. كل القرارات جهزت واتختمت في النيابة الساعة تمانية إلا ربع بفضل اتصالات المستشار مجدي. معانا أمر ضبط وإحضار لطارق پتهمة الاستيلاء على أموال عامة واختلاس من شركة مساهمة، ومعانا قرار فوري بالتحفظ على الحسابات في بنك التنمية وبنك مصر فرع بنها، بالإضافة لقرار التمكين الحصري للشقة باسم سيادتك ومنعه من الاقتراب مسافة ٥٠٠ متر.
المستشار مجدي عدل نضارته الطبية وابتسم بهدوء غير كده يا فندم، العربية الجيب اللي كان راكبها اتحطت على السيستم إنها مسروقة ومملوكة للشركة ومحظور تحركها، وأول كمين هيوقفه هيتحجز فوراً.
بصيت للملف، فتحته ببرود تام، وشوفت الأختام الحمرا اللي كانت كفيلة ټدفن أي أمل لطارق وأهله في إنهم يطلعوا من اللعبة دي بقرش واحد. تمام يا سيادة المستشار. يلا بينا على البوابة نشوف الهوانم اللي جايين يستلموا العز.
مشينا في الممر الرئيسي للكومباوند. الجو كان ساقع وريحة الشتا مع الهوا البارد بتلفح الوشوش، بس أنا كنت حاسة بدمي بيغلي زي البركان. أول ما قربنا من البوابة الخارجية، كان الصوت جايب لآخر الشارع. صوت خناق وردح بلدي عالي كسر هدوء المكان كله.
مرزوقة، حماتي، كانت واقفة في نص مدخل البوابة، رابطة الطرحة على راسها بطريقة تثير الشفقة والاشمئزاز في نفس الوقت، حاطة إيدها في وسطها، وعمالة ترزع بالشبشب في الأرض وتزعق في وش فرد الأمن المسكين اللي واقف يحمي البوابة وسع يا بني آدم أنت! أنت مش عارف بتكلم مين؟! أنا أم الباشمهندس طارق! صاحب العمارة دي كلها وصاحب الشغل اللي أنت شغال فيه يا جربوع! بنتي منى وعيالها داخلين يقعدوا في شقة أخوها، وأنا اللي هقعد وأمر وأنهي هنا، وسع الشوالين دول من قدام السقعة لا أخليه يطردك في الشارع دلوقتي!
ومنى بنتها واقفة وراها، عيلة صغيرة في إيدها وعيل تاني بيعيط من البرد وبيمخط في هدومه، وحواليهم شنط خيش متخيطة بفتل بلاستيك وشكاير بطاطس وبصل، كأنهم نازلين سوق الخميس مش داخلين كومباوند في قلب
التجمع. منى شافتني أول ما قربت، عينها برقت، ولفت وش أمها بسرعة أهي.. أهي الهانم ست مريم جاية أهي يا أما! شوفي البيه ابنك ممرمطنا إزاي ومقعدنا في
السقعة، اطلعي فيها يا أما وعرفيها مقامها!
مرزوقة لفتلي بوشها، الملامح كانت مليانة غل وجشع عمري ما شفت زيه، بصت للبدلة اللي أنا لابسها، وبصت للناس اللي ماشيين ورايا، وعينيها احولت من الغيظ أهلاً يا مريم هانم! لسه صاحية دلوقتي تفتحي لضيوفك وحماتك اللي مرميين على الباب من الفجر؟! إيه اللبس العريان ده اللي أنتي لابساه على الصبح؟ فين طارق؟ خليه ينزل للبهوات بتوع البوابة دول يربيهم عشان منعوا أم الباشا تدخل بيتها! وفين أمك الفلاحة دي تطلع تشيل الشكاير دي وتطبخلنا لقمة تدفينا؟ ده إحنا بطوننا بتلوي من الجوع!
وقفت قدامها بالظبط. المسافة بيني وبينها مكنتش تكمل متر. بصيت في عينيها بنظرة باردة، نظرة خلت مرزوقة تبلع باقي كلامها وترجع نص خطوة لورا من غير ما تحس.
طارق مش هنا يا حماتي.
مرزوقة كشرت ورفعت حاجبها راح فين في عز الصبح ده؟ في الشركة؟ ولا راح يوصل أمك لمحطة القطر زي ما اتفقنا؟
لا.. طارق بايت في الشارع من إمبارح، زي ما أنتوا بايتين كده بالظبط.
منى شهقت بصوت عالي بايت في الشارع إزاي؟! أنتي اټجننتي يا مريم؟ طارق اخويا سيد الرجالة يبات في الشارع؟!
فتحت الملف اللي في إيدي ببطء شديد، وطلعت منه ورقة، ومديت إيدي بيها قدام عينين مرزوقة اقري يا مرزوقة. أنتي مش بتعرفي تفكي الخط وبتمضي بالختم والبصمة على التحويلات اللي بتجيلك من ورايا؟ شوفي الورقة دي فيها إيه.
مرزوقة عنيها زاغت على الورقة، حاولت تبان قوية إيه الورق ده يا بت أنتي؟! أنتي هتعملي عليا نمرة بكلمتين إنجليزي؟ الشقة دي شقة ابني، وفلوسه هو، وأنا وبنتي هنقعد فيها وڠصب عنك وعن أمك الفلاحة!
الشقة دي شقتي أنا.. بفلوسي، وبورق رسمي ومسجل، مفيش فيها لطارق ولا ليكي سنتيمتر واحد. والفلوس اللي كان ابنك الحرامي بيهربها لحسابك في بنك القرية في بنها عشان تأمني نفسك أنتي وبنتك المطلقة وتيجوا تفرشوا في عزي وترموا أمي في الشارع.. كل الحسابات دي اتجمدت بحكم نيابة من نص ساعة.
وش مرزوقة اتقلب لونه أزرق، كأن حد رما عليها مية بتغلي ا.. اتجمدت يعني إيه؟ فلوس إيه اللي اتجمدت؟! ده شقا ابني وتعبه!
شقا ابنك؟! صوتي علي فجأة، هز البوابة وخلى الجيران اللي طالعين بعربياتهم يقفوا يتفرجوا ابنك كان شغال عندي! في شركتي! اللي ورثتها عن عمي الله يرحمه! ابنك كان عايش في وهم أنا اللي صنعتهوله، لولا فلوسي كان زمانه ممسوك بقضايا شيكات من خمس سنين ومحبوس في سجن طرة! أكلته وشربته ولبسته براندات وعيشته في عز مكنش يحلم يشمه في منامه، وتيجي في الآخر أنتي وهو تهينوا
أمي اللي ربت ابني وخادماه بلقمتها؟! أمي اللي ضفرها برقبك وبرقبة بنتك اللي طردها جوزها عشان مش شايفة غير
القرش والخړاب؟!
في اللحظة دي، سمعنا صوت فرملة عربية نص نقل قديمة متهالكة وقفت على جنب الشارع برة البوابة. الباب اتفتح، ونزل منه راجل مبهدل.. هدومه متوسخة طين، وشه أصفر وشاحب كأنه مېت، وعيونه حمرا زي الجمر من قلة النوم والبرد.
كان طارق.
طارق اللي كان لابس كوتشي مقطوع من الجنب، قميصه طالع برة البنطلون، مفيش في إيده غير شنطته البلاستيك اللي لم فيها تذكرة القطر المحروقة وورق بطاقته. كان باين عليه إنه قضى الليلة بيلف في الشوارع بعد ما كل كروته اتوقفت، ومعهوش حتى تمن أوبر أو تاكسي يروحه في أي داهية، لحد ما لقى سواق نقل شحته في سكته لحد الكومباوند.
مرزوقة أول ما شافته صړخت وجريت عليه طارق! يا نهار اسود ومنيل.. إيه اللي فيك ده يا ضنايا؟! إيه المنظر ده؟! مين عمل فيك كده؟ الست دي بتقول كلام فارغ، بتقول الشركة بتاعتها والفلوس اتجمدت! قولي إنها بتكدب يا ابني! قولي إنك لسه الباشا اللي معيشنا في النعيم!
طارق بصلها بعيون مېتة، عيون مفيهاش ذرة ډم، وبصلي أنا والناس اللي واقفين ورايا. شاف المستشار مجدي، وشاف رجال التنفيذ، وشاف القوة الأمنية اللي بدأت تتحرك ناحيته بخطوات منتظمة.
طارق بلع ريقه وصوته طلع مهزوم لدرجة تكسر النفس أنتي.. أنتي نفذتي يا مريم؟
رديت عليه ببرود أشد من جليد طوبة أنا مبقولش كلمة ومبرجعش فيها يا طارق. أنت اخترت تبيع العشرة، وتبيع أمي اللي فضلت في ضهرك سنين، عشان خاطر قرشين مسروقين وكبرياء كداب. وأنا الليلة دي رجعت كل حاجة لمكانها الطبيعي.. رجعتك لنفس النقطة اللي لقيتك فيها، شحات ممعكش تمن لقمة تفطر بيها.
المستشار مجدي شاور لرجال الشرطة نفذ يا حضرة الضابط. ده الأستاذ طارق إبراهيم، الصادر بحقه أمر الضبط والإحضار من نيابة الأموال العامة.
الضابط قرب من طارق، مسك إيده اليمين ولفها ورا ضهره، وصوت تكة الكلبش الحديد وهو بيقفل على إيده رن في المكان كله. مرزوقة صړخت صړخة شقت السما، وضړبت على صدرها ولطمت على خدودها بهيستيريا يا فضيحتي يا لهوي! ابني بيتكلبش زي الحرامية؟! الحقونا يا ناس! يا ولاد الكلب سيبوا ابني! ده مهندس قد الدنيا! سيبوه!
منى بنتها قعدت على الأرض وسط الشكاير والعيال بتصرخ، والناس اتلمت تتفرج على الڤضيحة اللي طارق كان خاېف منها ومړعوپ إنها تحصل.
طارق مكنش بيبص لأمه، ولا كان بيبص للناس اللي بتبص عليه بقرف وشماتة.. كان باصص في عيني أنا بس. دموعه نزلت، دموع راجل داس على النعمة برجليه واكتشف إنه هو اللي اتداس في الآخر. مريم.. عشان خاطر مالك ابني.. متسجننيش.. أبوس رجلك يا مريم متسيبيهمش ياخدوني! أنا غلطت، والله العظيم غلطت.. هبوس رجل مامتك دلوقتي قدام الناس دي كلها، بس بلاش السچن! مستقبلي هيضيع!
قربت منه خطوة واحدة،
وبصيت في الكلبش اللي في إيده مستقبلك ضاع من أول لحظة مديت فيها إيدك ورميت طبق الأكل في وش أمي. من أول لحظة قولت فيها ريحة الفلاحين متقعدش عندي. الشوارع اللي طردت أمي ليها في نص الليل، هي اللي هتلمك وتلم أهلك.. واللي سرقته من أموال الشركة، هترجعه لآخر مليم وأنت في الحبس الاحتياطي، وإذا كانت أمك وأختك مفكرين الشقة في بنها مأمنة مستقبلهم، فالشقة دي كمان محجوز عليها لصالح الشركة لسداد العجز اللي عملته في الحسابات.
مرزوقة وقعت على ركبها في الطين عند مدخل البوابة، التراب عفر وشها وعبايتها، وبصتلي وهي بتشحتف يا مريم يا بنتي اعفي عنه! عشان خاطر الواد الصغير ميبقاش ابوه سجين! إحنا هناخد بعضنا ونمشي ومش هتشوفي وشنا تاني أبداً! أنا موافقة أرجع الفلوس اللي في البنك بس فكيه، خليهم يسيبوه!
بصيت لمرزوقة باحتقار، ومسكت تليفوني الفلوس هترجع بحكم محكمة مش بجميلتك، ومفيش حد هيعفي عن حد.. اللي ربى يربط يا مرزوقة، وابنك ده أنتي اللي ربتيه على الطمع والجشع، ودلوقتي بتدوقي نتاج تربيتك.
شاور الضابط للعسكري، وسحبوا طارق من دراعه وهو بيجر رجليه في الأرض وبيعيط بنحيب مذل، وركبوه في البوكس اللي كان مستني على أول الشارع.
مرزوقة فضلت تصرخ وتلطم ومنى بتشد فيها وهي بټعيط والعيال بيصوتوا، ورجال الأمن مسكوا الشكاير والشنط الخيش بتاعتهم، ورزوعها على الرصيف برة حدود الكومباوند بالكامل.
عصام رئيس الأمن قرب مني أي أوامر تانية يا مريم هانم؟
نضفوا المدخل يا عصام.. والناس دي ميعتبوش البوابة دي تاني ليوم الدين، لو لمحوهم في الشارع بلغوا النجدة فورا.
أوامرك يا فندم.
لفيت ضهري بهدوء، ومسكت الملف في إيدي، ومشيت راجعة ناحية العمارة. الهوا كان لسه بارد، بس كان نضيف.. كأن الجو نفسه اتطهر من وساخة كانت كاتمة على أنفاسي سنين.
طلعت في الأسانسير، ودخلت شقتي. أول ما فتحت الباب، لقيت ريحة البخور مالية المكان. أمي كانت مصلية الضحى، وقاعدة على سجادة الصلاة لابسة إسدالها الأبيض المنور، وماسكة السبحة في إيدها بتسبح، ومالك كان قاعد جنبها في الأرض بيلون في كراسة الرسم بتاعته ومبتسم.
أول ما دخلت، أمي رفعت راسها وبصتلي. عينيها مكنش فيها خوف ولا قلق.. كان فيها راحة وسکينة عمري ما شفتها فيها من يوم ما دخلت البيت ده.
خلصتي يا بنتي؟ سألتني بصوت هادي كأنها عارفة كل حاجة حصلت.
قلعت جاكت البدلة، وحطيته على الكرسي، ورحت قعدت على الأرض جنبها، ونيمت راسي على حجرها زي ما كنت بعمل وأنا عيلة صغيرة عندها عشر سنين.
خلصت يا أمي.. كله خلص خلاص.
أمي حطت إيدها اللي كانت لسه مدهونة بالمرهم على شعري، وبدأت
تمسح عليه بحنية ربنا مبيسبش حق حد يا مريم.. والظالم نهايته بتبقى أسرع مما يتخيل، بس المهم
أنتي.. قلبك ارتاح؟
أخدت نفس طويل، وشميت ريحة أمي، ريحة الرضا والأصل الطيب اللي طارق استعر منها، وغمضت عيني ارتاح يا أمي.. ارتاح لأول مرة من سنين. البيت ده خلاص اتطهر، ومفيش راجل هيدخله تاني إلا وراسه في الأرض قدامك.. من هنا ورايح، أنتي سيدة البيت ده، ومالك هيتربى يشوف ست قوية مكسرهاش غدر ولا ذلها ضعف.
مالك ساب كراسة الرسم، وقرب مني، وحط إيده الصغيرة على خدي مامي، أنتي مبسوطة دلوقتي؟
بصيت لمالك، بوسته في عيونه وضميته لحضني جنب أمي مبسوطة يا قلب مامي.. مبسوطة أوي، عشان إحنا التلاتة سوا، ومحدش يقدر يفرقنا ولا يكسرنا أبداً بعد النهاردة.
ومن اليوم ده، اتقفلت صفحة طارق للأبد. المحكمة حكمت عليه بتلات سنين سجن پتهمة الاختلاس وخېانة الأمانة، ورد كل المبالغ اللي حولها لأهله مع غرامات تكسر الضهر. مرزوقة وبنتها رجعوا البلد مكسورين، مفيش في إيديهم قرش أحمر، وسمعتهم بقت على كل لسان في القرية، وبقوا يمشوا موطيين روسهم في الأرض من الخزي والعاړ.
أما أنا.. فرجعت لمكاني الطبيعي. رجعت مريم الألفي، الست اللي بتبني وتكبر بجهدها وعقلها، مريم اللي مسمحتش لطيبة قلبها إنها تكون نقطة ضعف تتداس، وعرفت إن الكرامة لما تضيع، مفيش أي حب أو جواز في الدنيا يستاهل نعيش علشانه.. وإن الأم خط أحمر، اللي يقرب منه، يتحرق بناره ليوم القيامة.