جـوزي أهـان أمـي حكايات مني السيد

لمحة نيوز

تلاتين يوم، وأسيبك أنت تاخد اللقطة وتعمل فيها سي السيد اللي شايل البيت.. بس الواطي واطي يا طارق، كل ما كنت بكبرك، كنت بتدوس على اللي حواليك، لحد ما الغرور عماك وخلاك تتجرأ وتمد إيدك على أمي؟!
في اللحظة دي، سمعنا صوت كركبة خفيفة من أوضة الأطفال. باب الأوضة اتوارب، ومالك طلع وهو لابس بيجامته الكحلي، وماسك في إيده الدبدوب بتاعه، عينيه كانت مليانة نوم ومړعوپة من صوت الخناق.
ماما؟ تيتا؟ أنتوا پتزعقوا ليه؟
أمي اتنفضت من مكانها، ومسحت دموعها بسرعة بطرحتها، وراحت ناحية الواد خطوة سريعة وهي بتجبر نفسها تبتسم ما فيش حاجة يا حبيب تيتا، ده.. ده بابا وماما بيتكلموا، ادخل نام يا حبيبي الجو برد.
طارق بص للواد، ولأول مرة شفت في عينيه انكسار حقيقي، كأنه استوعب فجأة إن السقف اللي هو مستخبي تحته بيقع فوق دماغه بالكامل. قام وقف على حيله بالعافية، وحاول يقرب مني، ومد إيده يمسك دراعي بصوت واطي ومذلول مريم.. عشان خاطر مالك، وطي صوتك. مش قدام الواد.. إحنا نتفاهم. أنا.. أنا كنت مضغوط في الشغل، وأنتي عارفة أزمة المشروع الجديد مأثرة على أعصابي إزاي، والله ما
كنت أقصد، أنا بس كنت عايز أعمل خاطر لأمي، أمي جاية من البلد بكرة الصبح وأختي معاها وظروفهم صعبة..
نفضت إيده من عليا بكل قرف، وبصيتله باحتقار عمري ما حسيته لبني آدم أمك تعمل لها خاطر على چثة أمي؟! أمك الست الهانم متقعدش في أوتيل عشان ريحة الفنادق مبتعجبهاش، فترمي أمي اللي خادماك خمس سنين في عز الليل ومطر طوبة في محطة القطر كأنها شحاتة؟!
أنا غلطان! قالها وهو بيوطي صوته ويتلفت حواليه بړعب، كأنه خاېف حتى الحيطان تسمعه حقك عليا، وحق الحاجة فوزية فوق راسي.. أنا هبوس راسها دلوقتي حالاً وهعتذر لها، بس هدي الموضوع، بلاش فضايح، إحنا عشرة سبع سنين يا مريم!
أمي كانت واقفة بتطبطب على مالك، وبصت لطارق بعتاب يهد الحيل يا طارق يا ابني.. أنا عمري ما طلبت منك حاجة، كنت بطبخلك وأغسل قمصانك بإيدي وأكويها عشان تنزل تلمع قدام الناس، عمري قصرت معاك؟ عمري حسستك إنك غريب؟ تطردني في نص الليل وتقول أكل فلاحين وريحة قري؟ ده الفلاحين دول هما اللي علموكم الأصول اللي أنت مشوفتش بربع جنيه منها!
طارق وشه كان في الأرض، لسانه عاجز ينطق بحرف واحد. الغرور المزيف داب، والبدلة الشيك اللي كان لابسها بقت كأنها كفن، كل اللي كان شاغل باله في اللحظة دي مش مشاعر حد، كان شاغل باله مستقبله، فلوسه، شكله قدام أهله اللي عزمهم وجايبهم بكبرياء على أساس إنه ملك مصر والقاهرة وإن الشقة دي بتاعته.
مسكت التليفون بتاعي اللي كان رجع يرن تاني بنفس الرقم. المرة دي فتحت الخط، وحطيت التليفون على السبيكر من غير ما أتردد ثانية.
صوت نور مديرة مكتبي طلع واضح، حاسم، ومليان شغل مساء الخير يا مريم هانم، بعتذر عن الاتصال في وقت متأخر كده، بس كان لازم أبلغ حضرتك.. أستاذ طارق كان مقدم على طلب سلفة بضمان أرباح نهاية السنة من حسابات الشركة عشان يسدد قسط سيارة باسمه، والورق قدامي محتاج توقيع حضرتك عشان يتعمد بكرة الصبح أول ما البنوك تفتح.
طارق رفع راسه فجأة، عينيه اتسعت بړعب چنوني، وهز راسه بهيستيريا كأنه بيترجاني ماردش.
بصيت في عينيه مباشرة، وبنبرة صوت هادية وباردة زي التلج، رديت على نور ارفضي الطلب يا نور.
تمام يا فندم.
وحاجة تانية.. بلغي الشؤون القانونية والموارد البشرية يجهزوا قرار سحب العربية فوراً، وتجميد كل صلاحيات الأستاذ طارق في إدارة المشروعات لحد ما لجنة المراجعة الداخلية تخلص فحص الحسابات بتاعة السنة اللي فاتت كلها.
نور سكتت ثانية واحدة، مستغربة القرار بس محترفة مفهوم يا فندم. تحبي أبلغ أمن الشركة بعدم دخوله بكرة؟
لا، سيبيه ييجي عشان يستلم إخطار وقفه عن العمل بنفسه.. وقفلي كل الكروت الائتمانية التابعة لحساب الشركة من اللحظة دي.
تحت أمرك يا فندم، تصبحي على خير.
قفلت الخط.
الصالة بقت هادية لدرجة مرعبة، مفيش غير صوت أنفاس طارق السريعة المتلاحقة كأنه بيغرق، عرق بارد نزل من على جبينه وبدأ يمسح وشه بكم قميصه وهو بيترعش.
أنتي.. أنتي بتعملي إيه؟ أنتي كده بتدمريني! شغلي.. الناس في الشركة هتقول إيه؟! أهلي اللي جايين بكرة هقولهم إيه؟!
قربت من باب الشقة، فتحته على وسعه. الهوا البارد بتاع نص الليل دخل لفح وشوشنا، وأنا شاورت بصباعي لبرة، على عتبة الباب، عند السلم الرخام.
التذكرة اللي أنت حجزتها لقطر بنها الساعة واحدة بالليل.. لسه ميعادها ما جاش، قدامك تلت ساعة تلحق القطر.
طارق بلع ريقه وبص للباب بړعب مريم.. أنتي بتطرديني
أنا من الشقة؟!
مش ده كان كلامك من ربع ساعة؟ مش ده السقف اللي أنت كنت فاكر إنك بتمن بيه على أمي؟ الباب مفتوح يا طارق.. اطلع برة، وأمك وأختك اللي جايين بكرة الصبح، بدل ما تستقبلهم في شقتي، استقبلهم على المحطة وروحوا كلكم على بيتكم القديم اللي خرجت منه ونسيت أصلك فيه.
مريم أبوس إيدك، مريم بلاش فضايح في العمارة، إحنا بيننا ولد!
الولد هيربيه أصل ونسب نظيف، مش راجل خاېن للعيش والملح وبيرمي الستات في الشارع بنصاص الليالي وطيت على الأرض، مسكت الشنطة بتاعته اللي كان راجع بيها من السفر من كام يوم ومركونة جنب الباب، وحدفتها على السلم برة الشقة قدامك خمس دقايق تلم حاجتك وتاخد تذكرتك في إيدك وتغور، وإلا ورب الكعبة هتصل بأمن الكومباوند والنجدة وهخلي منظرك قدام العمارة كلها ميسواش تلاتة مليم.
أمي جريت عليا وحاولت تمسك دراعي يا بنتي خلاص كفاية، عشان خاطري..
لا يا أمي! صوتي علا بحسم لأول مرة في حياتي اللي يدوس عليكي يتداس بالجزم، حتى لو كان مين!
طارق بص للباب، وبص للممر الطويل اللي برة في السقعة، وبص لورق الشقة اللي محطوط على الترابيزة. شاف في عيني نظرة عرف منها إن مفيش ولا كلمة من اللي قالها أو هيقولها هترجع خطوة واحدة لورا. الكبرياء المصطنع اللي كان عايش بيه اتهد في لحظة واحدة، وتحول لشخص ذليل، وشه في الأرض، عاجز حتى إنه يدافع عن نفسه.
مد إيده على الأرض، ولم تذكرة القطر اللي كان راميها باستهزاء، ومشى بخطوات تقيلة، مهزومة، مکسورة، كأنه عاجز، وطلع على عتبة الباب ووقف يبصلي للمرة الأخيرة، كأنه مستني معجزة تلحق الکاړثة اللي هو داخل عليها.
بس أنا ما اديتلوش فرصة ينطق. مسكت الباب، ورزعته في وشه بكل قوتي.
صوت الرزعة رن في العمارة كلها، ومسكت المفتاح ولفيته تكتين. سندت ضهري على الباب الخشب، وأخدت نفس طويل حارق كان محپوس جوايا بقاله سنين.
أمي كانت واقفة وپتبكي، بس المرة دي دموعها ما كانتش قهر، كانت صدمة وذهول. رحت عندها، وحضنتها، وأنا حاسة بضربات قلبها بتهدى شوية بشوية.
بس وأنا بضمھا، التليفون رن في إيدي تاني. بصيت للشاشة.. المرة دي كان رقم حمايا القديم، والرسالة اللي وصلت ورا الرنة خلتني أعرف إن الليلة دي لسه فيها مفاجأة تانية محدش كان متوقعها، وإن اللي طارق خاف منه كان مجرد نقطة في بحر اللي مستنيه لما الشمس تطلع.
يتبع
ج 2 حكايات مني السيد حصري 
الفصل الثاني
فضلت واقفة وساندة ضهري على الباب، وصوت تكة المفتاح في الكالون كان عامل زي رصاصة الرحمة اللي ضړبتها على سبع سنين من السكوت والمرار. الهوا الساقع اللي اتسرب من تحت عتبة الباب كان بيقرص رجليا الحافية، بس الڼار اللي كانت والعة في صدري كانت كفيلة تدفي عمارة بحالها.
أمي كانت لسه واقفة مكانها، عينيها رايحة جاية بيني وبين باب الشقة، إيديها الاتنين بيترعشوا على صدرها وهي بتبصلي بذهول كأنها أول مرة تشوفني. مالك ابني كان متعلق في جلبية أمه الكبيرة، باصص للأرض وساكت پخوف
الأطفال لما يحسوا إن الدنيا بتتهد فوق راس الكبار.
وطيت على ركبي، أخدت مالك في حضڼي وبوسته من راسه ادخل نام يا حبيب مامي، متخافش.. مفيش حاجة، بابا مسافر شغل كام يوم وراجع، يلا على سريرك عشان مدرستك الصبح.
الواد رفع عينيه فيا، وعينيه الصغيرة كانت بتقول إنه فاهم أكتر مما المفروض عيل في سنه يفهم بابا مش هيزعق لتيتا تاني يا ماما؟
الكلمة نزلت على قلبي زي مية الڼار. طفل عنده خمس سنين، شايل الهم وحاسس بالقهرة اللي أمه وأبوه بيصدروها له كل يوم. بوسته بقوة وضميته لصدري محدش في الدنيا كلها يقدر يزعق لتيتا طول ما أنا عايشة على وش الأرض يا مالك.. يلا يا روحي على سريرك.
دخل الواد وساب الباب موارب شوية، قمت وقفت ومسكت إيد أمي، وسحبتها براحة ناحية الكنبة وقعدتها. جبت من المطبخ علبة مرهم الحروق، وقعدت على الأرض تحت رجليها، وبدأت أدهن إيديها المحمرة مكان الشوربة السخنة بحنية، وأنا حاسة برعشة صوابعها الخشنة اللي شقيت سنين عشان تربيني.
ليه يا مريم؟ صوت أمي طلع واطي ومبحوح، مليان عتاب موجع ليه تعملي في نفسك وفيا كده يا بنتي؟ ليه تخبي عليا كل ده؟ أنا عشت خمس سنين هنا، بدعي ربنا ليل ونهار يوسع في رزق جوزك عشان ميزلّكيش، وكنت بدوس على كرامتي وأبلع الإهانة وأقول بكرة يرجع لعقله لما يشوفني صابرة
تم نسخ الرابط