جـوزي أهـان أمـي حكايات مني السيد
المحتويات
ومستحملة.. تطلع دي كلها فلوسك؟ تطلعي أنتي اللي شايلاه ورازقاه وهو سايق فيها الهبل والعمى؟!
رفعت راسي وبصيت في عينيها اللي غرقانة دموع كنت عامية يا أمي.. كنت غبية وفاكرة إني كده بحافظ على بيتي. الراجل لما يحس إن مراته أعلى منه بيتقلب كلب مسعور، وأنا كنت عايزة ابني يتربى بين أب وأم طبيعيين. قولت أخليه يحس برجولته، أسيب له البريستيج، أخليه يعيش وهم إنه البطل المغوار اللي بيصرف ويجيب، وقولت معلش، بكرة يعقل ويفهم.. بس اللي فيه طبع عمره ما بيغيره يا أمي، الواطي لما تديله أكتر من حجمه، بيفتكر إنك ضعيفة، ولما يلاقي نفسه فوق، أول حد بيدوس عليه هو الإيد اللي رفعته!
أمي مسحت دمعة نزلت على خدها المجعد بس طردته يا بنتي.. طردتيه في أنصاص الليالي في عز البرد، وده راجل برضه، مش هيسكت، والشړ لما يدخل بين الراجل ومراته مبيسبش وراه غير الخړاب.
خليه ېخرب يا أمي، البيت اللي يتبنى على ذل أمي ميبقاش بيت، يبقى زريبة! وورحمة أبويا في تربته، ما هيدخل البيت ده تاني برجله إلا وهو مكسور العين والضهر، والزمن بيني وبينه.
في اللحظة دي، التليفون في إيدي نور من تاني، ورجعت الرنة تقطع سكون الصالة. بصيت للشاشة. الاسم كان ظاهر قدامي بوضوح عمي عبد الحميد حمايا. عبد الحميد، الراجل الكبير، أبو طارق.. الراجل الفلاح الطيب اللي عايش في البلد على قد
حاله، اللي كان دايماً مكسوف من عمايل ابنه ومن عوجان رقبته، واللي طارق نفسه كان بيستعر منه ومبيحبش يزوره كتير عشان شكله مش كلاس.
فتحت الخط، وأخدت نفس عميق عشان صوتي يطلع هادي ألو.. السلام عليكم يا عمي.
الصوت اللي جالي من الناحية التانية كان بيتهدج، صوت راجل عجوز بيتنفس بصعوبة وبيكح كحة ناشفة وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. إزيك يا بنتي، إزيك يا مريم يا بنتي عاملة إيه؟ ومالك الصغير عامل إيه؟
الحمد لله يا عمي، في نعمة وستر من عند ربنا.. خير يا عمي؟ حضرتك فيك حاجة؟ صوتك تعبان ليه في الوقت ده؟
الراجل سكت ثانية، وسمعت صوت تنهيدة تقيلة قطعت نياط قلبي أنا مش تعبان من المړض يا بنتي، أنا تعبان من الخزي.. أنا بتصل بيكي من وراهم، مستني لما ناموا في البيت وطلعت في الحوش عشان أكلمك.. أنا مش عارف أودي وشي منك فين يا مريم، ولا من الست والدتك الأصيلة.
عقدت حواجبي، وبصيت لأمي اللي كانت باصة للتليفون باهتمام ليه بتقول كده يا عمي؟ حصل إيه؟
طارق.. طارق ومرزوقة أمه ومنى أخته، محبكين خطة من وراكي بقالهم شهر، وأنا لسه عارف التفاصيل العفشة دي من كام ساعة لما سمعتهم بيتحاسبوا وبيتفقوا هيروحوا القاهرة بكرة إزاي.
قلبي دق بسرعة، بس مش پخوف، بتركيز بارد زي الصوان خطة إيه يا عمي؟ احكيلي.
طارق يا بنتي، فهم أمه وأخته إنه خلاص بقى الآمر الناهي في الشركة، وإن الشقة اللي أنتوا قاعدين فيها دي مكتوبة باسمه وخلاص ملكه لوحده، وإنه هيطرد أمك بكرة عشان أخته منى اتطلقت الأسبوع اللي فات.. منى طلقها جوزها وطردها هي وعيالها الاتنين، وأمه حلفت ما تقعدها في البلد تخدم في بيت العيلة، وقالت له أختك أولى
بشقة التجمع وعز القاهرة، نوديها تعيش هناك والست الفلاحة أم مريم تغور في داهية بلدها.. ومش بس كده يا بنتي!
صوت عمي عبد الحميد اتخنق بالدموع، وكمل بحړقة أمه كانت واخدة منه توكيل عام رسمي بقالها سنتين.. طارق كان باعت لها فلوس من تحت لتحت، كل الفلوس اللي كان بياخدها قروض ومكافآت من وراكي، كان بيحطها في حسابات باسم أمه وأخته في بنك القرية، وكاتب شقة تانية في بنها باسم أخته عشان يهربها من أي حقوق ليكي لو فكر يطلقك! هما مجهزين كل حاجة عشان ييجوا يفرشوا في شقتك بكرة الصبح، ويحطوكي قدام الأمر الواقع إما ترضي إن أمه وأخته وعيالها يعيشوا معاكي خدامين ليهم، وإما يرميكي في الشارع أنتي وابنك زي الكلاب!
ضحكت.. ضحكة طلعت من قعر صدري، ضحكة رنت في الصالة لدرجة إن أمي اتخضت وبصتلي پخوف. يرموني في الشارع أنا وابني يا عمي؟
ده اللي في نيتهم يا بنتي، وأنا قولت لازم أبلغك عشان تاخدي حذرك، طارق ابني وطالع لأمه في الجشع واللؤم، بس أنتي بنت أصول وما شوفتش منك إلا الخير والستر، وربنا شاهد إني بريء من اللي بيعملوه ده ليوم الدين.. أوعي تسكتي على حقك يا مريم، وخدي بالك من الولد ومن نفسك.
متقلقش يا عمي.. تسلم رجولتك وأصلك النضيف، وربنا يجعله في ميزان حسناتك، نام أنت وارتاح وملكش دعوة بأي حاجة هتحصل بعد كده، حقك عليا أنا.
قفلت التليفون مع الراجل، وقعدت دقيقة كاملة باصة في اللاشيء. الصورة كلها اترتبت في دماغي زي قطع البازل. طارق مكنش بس جاحد، ولا كان بس نمرود.. طارق كان حرامي وندل ومخطط، كان سارق
من ورايا، ومرتب عيشته على حساب تعبي وشقايا، ومقعد أمه وأخته ينهشوا في لحمي وهو رامي أمي في الشارع بحجة إنها فلاحة وريحتها بلد.
قمت وقفت، ملامحي كلها اتحولت لجمود تام. مفيش دموع، مفيش حزن.. الحزن ده للضعفا، وأنا الليلة دي اتولدت من جديد.
أمي بصتلي بړعب في إيه يا مريم؟ حماكي قالك إيه شقلب حالك كده؟
مفيش يا أمي.. بيقولي إن الباشا عامل حسابه يستقبل الهوانم بكرة في شقتي، ومأمن نفسه بشقة في بنها وحسابات في البنوك من فلوس شركتي.. فاكر إنه بيلاعب عيلة صغيرة.
طلعت تليفوني، وبصيت في الساعة.. كانت واحدة وربع بالليل. فتحت قائمة الأسماء، وضغطت على اسم مستشار مجدي رشوان المحامي العام الأسبق والمستشار القانوني للمجموعة.
رن التليفون مرتين بس، والراجل رد بصوت يقظ تماماً رغم الوقت المتأخر مساء الخير يا مريم هانم، خير يا فندم في حاجة طارئة؟
مساء النور يا سيادة المستشار.. بعتذر على الإزعاج في الوقت ده، بس الشغل اللي جاي مش هيستنى للصبح.
رقبتي ليكي يا فندم، اؤمريني.
التوكيل العام اللي الأستاذ طارق كان عامله لأمه وأخته، وكشوف الحسابات اللي تخص شركته الهندسية وكل سحب تم من أرباح الشركة باسمه خلال السنتين اللي فاتوا.. عايزة ملف كامل بيهم على مكتبي الساعة تمانية الصبح.
المستشار مجدي سكت ثانية، وصوته بقى حاد وجاد الشبهات الجنائية اللي كنا بنتكلم فيها بخصوص اختلاس أموال الشركة وتحويلها لحسابات شخصية؟ حضرتك قولتِ نصبر عليها عشان متخربيش بيتك!
البيت اتخرب خلاص يا سيادة المستشار، واللعب بقى على المكشوف.. مش بس اختلاس، جهزلي بكرة الصبح بلاغ للنائب العام بالاستيلاء على أموال شركة مساهمة، ودعوة منع من السفر، وقرار فوري من النيابة بالتحفظ على كل الحسابات البنكية اللي اتحولت ليها الفلوس دي، حتى لو كانت باسم أمه أو أخته، ومعاهم قرار تمكين فوري للشقة دي باسمي أنا وبس ومنعه من الاقتراب منها.
تمام يا فندم، الورق كله هيكون جاهز ومرفوع في النيابة مع أول دقيقة في العمل الرسمي، وخلال ساعات هيكون في أمر ضبط وإحضار لو ثبت التحويل المباشر.
نفذ يا فندم، ومستنياك
في الشركة الصبح بدري.
قفلت التليفون، ورميته على الترابيزة.
في نفس اللحظة دي، سمعت صوت رزع وكركبة برة على السلم، وصوت طارق كان طالع بيكلم حد في الموبايل بعصبية وصوت عالي، كان صوته بيقرب من الباب.. شكله مالحقش القطر، أو استوعب إنه في الشارع في عز المطر والبرد ومش لاقي حتة يروحها.
وفجأة.. جرس الباب رن. رن ورا رن، ورا رزع هستيري على الخشب!
مريم! افتحي يا مريم بدل ما أكسر الباب ده على دماغك ودماغ أمك! افتحي الشقة بتاعتي بدل ما ألم عليكي الكومباوند كله واڤضحك! مريم افتحي واخلصي، أنتي فاكرة الحركتين بتوع الورق ده هياكلوا معايا؟! ده أنا أدفنك مكانك وأدفن أمك معاكي!
أمي اتنفضت من مكانها وجريت ورايا وهي ماسكة في دراعي پخوف استهدي بالله يا بنتي، متفتحيش.. اتصلي بالبوليس، ده ھيقتلنا! ده شكله سکړان ومش في وعيه!
بصيت للباب بهدوء مريب. مشيت بخطوات بطيئة، ووقفت قدام الباب من غير ما أفتحه، صوته كان بيرزع وكأنه بيخبط برجله في الخشب.
طارق.. قولت الكلمة بنبرة صوت واطية، بس قاطعة زي حد السيف من ورا الخشب الخبطة الجاية على الباب ده مش هتنزل على خشب.. هتنزل على ضهرك.
افتحي يا مريم! افتحي بقولك، هدومي ومحفظتي ومفاتيحي جوة! أنتي اټجننتي؟ بتطرديني أنا؟! ده أنتي ملكيش لازمة من غيري،
أنتي وأمك الفلاحة دي كنتوا شحاتين وأنا اللي عملت منكم بنادمين! افتحي الشقة بتاعتي!
الشقة دي مش بتاعتك، والتليفون اللي في إيدي
ده بيسجل كل صوت طالع منك وكل شتيمة وكل ټهديد پالقتل.. وكاميرات الممر اللي في الدور كلها موصلة بشركة الأمن تحت، وأنا اديت أمر للأمن يبلغوا نجدة التجمع.. قدامك دقيقتين بالظبط عشان تهرب برة بوابات الكومباوند قبل ما تلاقي البوكس واقف بياخدك بكلبشات قدام الجيران، وساعتها مش هتستنى للصبح عشان تتفضح، فضيحتك هتبقى لايف على جروب العمارة والشارع كله.
صوت الخبط وقف فجأة. السكات اللي بعده كان مرعب.
سمعت صوت أنفاسه العالية واللاهثة ورا الباب، وصوت تزييق جزمته وهو بيتحرك بتوتر مريم.. متعمليش كده.. إحنا أهل، عيب الكلام ده.. افتحي نتفاهم بس، أنا همشي الصبح، خليني
متابعة القراءة