رد الجميل بالسم حكـايات مني السيد حصري
المحتويات
مدام نهال عبد العزيز ومدام نيرمين عبد العزيز.. إحنا مجايينش نعمل مشاكل، إحنا جايين نعمل معاينة ودية ونخطركم رسمياً قبل ما الإجراءات تاخد مجرى قانوني يضر
العيلة كلها.
معاينة إيه يا حيلتها إنت وهي؟! شقة مين اللي يتعملها معاينة؟! الشقة دي شقة ولادي وبيتي اللي دافعة فيه ډم قلبي، اتقوا الله وغوروا من وشي بدل ما ألم عليكم سكان العمارة والشارع كله يمسحوا بيكم الأرض!
نيرمين ضحكت بصوت رنان خلى الجيران في الشقق اللي فوق يبدأوا يوربوا البيبان لا يا حبيبتي، حيلك حيلك، وطي صوتك دا أحسن ما نطلبلك النجدة إحنا! الشقة دي محمود كتب تنازل عنها وعن حصته فيها، ومعاها عقد بيع ابتدائي بنصيب حازم ابنك كمان بموجب التوكيل الرسمي اللي مع أبوه! الشقة دي بقت ضمانة دين لتجارة أختي نهال، والنهاردة استحق القسط التاني اللي ابنك متأخر فيه.. يعني الشقة دي قانوناً بقت على وشك الحجز والبيع عشان نسدد ديون المحل اللي ابنك ومحمود فاتحينه! وإحنا جايين نقدر العفش وناخد قياسات الشقة عشان نجهز لإخلاء هادي.. بالذوق يعني، عشان خاطر العشرة والعيش والملح!
حسيت الدنيا بتلف بيا، الأرض اتهزت تحت رجلي، بس مسكت في حافة الباب بكل قوتي عشان مقوعش قدامها وأشمتها فيا. بيع إيه وتنازل إيه يا كدابة يا خطافة الرجالة؟! محمود ملوش حق يبيع من غيري، والشقة دي العقد بتاعها متسجل شراكة بيني وبينه!
المحامي فتح الدوسيه وطلع صورة ورقة، ورفعها قدام عيني يا مدام سعاد، عقد الشقة الأصلي باسم الأستاذ محمود، وإنتِ مش محطوطة كمالكة، إنتِ مجرد شاهدة على العقد الابتدائي القديم! والأستاذ محمود استخدم التوكيل اللي عامله الدكتور حازم لصالحه، وعمل إقرار دين رسمي مسجل وموثق، ورهن بيه كل أصوله وممتلكاته لتأمين خط الائتمان التجاري بتاع البضاعة! يعني بالمختصر المفيد.. قانونياً، أنتوا هنا عايشين على كف عفريت، وممكن في ظرف أسبوعين يجيلكم إنذار بالطرد على يد محضر!
الكلام نزل عليا زي مية ڼار بتكوي لحمي. محمود.. محمود اللي كنت بقول عنه طيب وغلبان ومبيعرفش يلف ويدور، كان بيخطط لكل ده من سنين؟ يوم ما اشترينا الشقة قالي يا سعاد اسمي واسمك واحد، وإنتِ مراتي وحبيبتي والورق ده شكليات، وخلاني أمضي كشاهدة وأنا الهبلة اللي
وثقت فيه وقولت دا أبو عيالي وسندي!
في اللحظة دي، حازم مقدرش يمسك نفسه، زق الباب وخرج وقف قدام نيرمين والمحامي، طوله وهيبته كطالب في كلية الطب خلت الراجل العريض اللي وراهم يرجع خطوة لورا اسمعي يا ست إنتِ.. التوكيل اللي بتتكلمي عنه ده معمول من غير إرادتي وبطرق ملتوية وفيها ڼصب وتدليس، وأنا بكرة الصبح رايح النيابة أقدم بلاغ خېانة أمانة وتزوير في أبويا وفيكي وفي أختك، والبضاعة اللي حاطينها في المحل الجديد دي مش هتشوفوا مليم من أرباحها، وهطربق المعبد على دماغكم كلكم!
نيرمين ابتسمت ببرود يفرس، وقربت خطوة من حازم تقدم بلاغ في مين يا دكتور يا بتاع المستقبل؟! في أبوك؟! هتروح تفضح أبوك في النيابة وتقول إنه نصاب؟! طب فكر فيها كده كويس.. ده أول واحد هيتجاب ويتلبش في الكلبشات هيبقى إنت، لأن كل ورقة بنكية ممضية بتوقيع إيدك الحقيقي وفي البنك قدام موظف البنك بشخصك! أبوك مقعد في الظل، الورق كله باسمك يا روح أمك! هتسيب مشرحتك وكتبك ومستقبلك وتقعد تلف في المحاكم؟ ده إنت يا دوب تتخرج تلاقي نفسك واخد حكم نهائي وخارج من الكلية على سجن طرة!
الډم هرب من وش حازم، الكلام كان بيضرب في مقټل. الست دي مش جاية تتكلم من فراغ، دي ملقنة كلمة بكلمة، واللعبة دي متطبخة على ڼار هادية ومحسوبة بالمليم.
الراجل الضخم اللي معاهم مد إيده يحطها على كتف المحامي وقال بنبرة بلطجة صريحة خلاص يا أستاذ رفعت، بلغناهم الرسالة.. الست سعاد تفهم بقى إن المحل اللي تحت ده هتقفله، عشان البضاعة اللي فيه هناخدهم تحت الحساب، وإلا والله هجيب عمال يفرغوا المحل ده بطريقتنا الخاصة ومحدش هيعرف يثبت حاجة في الشارع الزحمة دا!
هنا، ولقيت العقل بيتوقف، والغريزة هي اللي بتتحرك. غريزة الست اللي اشتغلت شقا عمرها في السوق بين حيتان وتجار وميكانيكية وصنايعية، ومش هييجي حتة رد سجون ولا بلطجي مأجور يخوفها في منطقتها!
مديت إيدي من ورا ضهري وسحبت المقشة الحديد اللي كانت محطوطة جنب الباب، وضړبت بيها على حديد
السلم ضړبة رنت في العمارة كلها زي الطلقة، وصړخت بأعلى صوتي يا أهالي العمارة!! يا حاج رمضان!! يا عم إبراهيم يا بواب!! الحقوني في حرامية وبلطجية طالعين يتهجموا على بيتي وعيالي!!
الصوت كان عالي ومزلزل، في ثانية اتهزت العمارة كلها. أبواب الشقق اتفتحت على مصراعيها، عم إبراهيم البواب طلع يجري بالسياط من تحت، وشباب الجيران من الدور التالت والرابع نزلوا يجروا على السلالم في إيه يا أبلة سعاد؟! مين دول؟! في إيه يا دكتور حازم؟!
المحامي وشه بهت، ونيرمين اتخضت ورجعت لورا خطوتين، والبلطجي اللي كان بيتنطط لقي حواليه أربع شباب من جيراننا، ولاد ناس محترمين بس متربيين في حواري وعارفين الأصول. في بلطجية جايباهم الست دي تتهجم عليا في شقتي وتهدد عيالي يا حاج رمضان!
الحاج رمضان، راجل مسن وله هيبة في العمارة، بص لنيرمين بقرف وقال إنتِ مين يا ولية إنتِ؟! وداخلة عمارتنا المحترمة ببلطجية ليه؟! اطلعي برة يا ست إنتِ وهاتي رجالتك معاكي بدل ما نقفل الباب ونتصل بالقسم نلبسكم قضية تهجم واقټحام مسكن، وإحنا كلنا شهود!
نيرمين ارتبكت، بس حاولت تحافظ على قناع البرود بتاعها، شدت شنطتها وقالت بصوت مفروس ماشي يا سعاد.. هنشوف مين اللي هيضحك في الآخر. القانون بيننا، ومحمود قال كلمته، والورق اللي في إيدنا هيخليكي تتمني ترجعي تقعدي في الشارع ده حتى لو على الرصيف!
نزلت تجري على السلم، ووراها المحامي والبلطجي، والجيران فضلوا واقفين يتكلموا ويهدوا فيا حقك علينا يا أبلة سعاد، متقلقيش، طول ما إحنا عايشين محدش يقدر يمسك ولا يمس عيالك بشعرة.. العمارة دي عيلتك.
شكرتهم بصوت مبحوح ودخلت شقتي وقفلت الباب بالمفتاح، وحطيت الترباس.
أول ما الباب اتقفل، كل القوة اللي كنت متظاهرة بيها اڼهارت في ثانية. رجلي مالت، وقعدت على الأرض ورا الباب، وضمت ركبي لصدري وبكيت.. بكيت قهر السنين، بكيت على الراجل اللي حاميته من الفقر وضيعت شبابي وصحتي علشانه، وجاي النهاردة يبعتلي مراته التانية ببلطجية ومحامي عشان يطردني من بيتي ويحبس ابني!
حازم قعد جنبي، ومصطفى جه من الأوضة وهو بيعيط
. ماما.. متعيطيش، أنا مش هسيبهم يعملوا فيكي كده.. حتى لو ضحيت بمستقبلي، هروح أشتغل فاعل على دراعي ولا إنك تتهاني كده!
مسحت دموعي بإيدي الخشنة من كتر شغل السوق، وبصيت لحازم في عينيه. لا يا حازم.. مستقبلكم مش هيضيع، ولا حد هيطردنا من بيتنا، ولا إنت هتدخل حبس ولا تسيب كليتك!
قومت وقفت، والضعف اتبخر، وجات مكانه شراسة أم بتدافع عن عشها هما فاكرين إن اللعبة قانون وأوراق بس؟ هما نسوا إن السوق له قوانين تانية، واللي يعرف مفاتيح السوق يقدر يربطهم من رقبتهم!
هتعملي إيه يا ماما؟! الورق رسمي ومفيش فيه ثغرة حسب كلام المحامي!
المحامي ده حتة عيل ميعرفش السوق بيمشي إزاي! البضاعة اللي جاية للمحل الجديد.. البضاعة دي لسه منزلتش، صح؟!
حازم فكر لحظة الورقة اللي خطڤها بابا كان مكتوب فيها ميعاد استلام.. كان مكتوب الاستلام غداً الأربعاء الساعة 11 مساءً مخزن الغورية.
بالظبط! البضاعة دي أقمشة ومفروشات مستوردة، وواخدينها بضمان اسمك وإيصالاتك، وبسعر آجل.. يعني لو البضاعة دي منزلتش المحل الجديد وماتوزعتش، محمود ونهال مش هيعرفوا يسددوا مليم، وهما اللي هيقعوا في فخ الديون مع التجار الكبار اللي في السوق!
وإزاي هنمنع البضاعة تنزل؟! بابا هو اللي رايح يستلم بالتوكيل!
أبوك رايح يستلم من الحاج كامل.. والحاج كامل مبيسلمش بضاعة بمليون جنيه على ورق وبس، الحاج كامل بيسلم بالثقة والضمان العيني.. وسعاد هي الضمان العيني في السوق ده من عشرين سنة! قوم يا حازم، اغسل وشك، وروح افتح دولابك وطلعلي كل قرش دهب عندي كنت شايلاه للزمن، وطلع دفاتر المحل القديمة من تحت السرير!
حازم بصلي بذهول الدهب ليه يا ماما؟! ده دهبك اللي باقي من شبكتك وحصيلة شقاكي!
الدهب يروح وييجي، بس كرامة ولادي ومستقبلهم لا! إحنا مش هنبيع الدهب، إحنا هنركنه عند اللي يسوى.. جهز نفسك، الساعة دلوقتي تمانية، وعلى عشرة بالليل هنكون في الغورية في مكتب الحاج كامل قبل ما أبوك يروح له الصبح!
والحاج كامل هيرضى يقف في وش بابا؟! ده راجل تاجر مصلحته فوق
كل حاجة!
الحاج كامل تاجر أه، بس راجل صعيدي من ظهر راجل، مبيحبش الغدر، ومبيحبش الراجل اللي ياكل حق عياله ومراته.. والأهم من ده كله، إنه يعرف إن محمود من غير سعاد ولا يسوى في السوق نكلة! محمود طول عمره كان بيجيلي المحل بعد الظهر ياخد الفلوس ويحطها في البنك، لكن مين اللي كان بيفرز التوب؟ مين اللي كان بيعرف نوع الخيط والنسيج؟ مين اللي كان بيسدد في ميعاده وميرجعش في كلمته؟ أنا! والحاج كامل عارف ده كويس أوي!
الساعة تسعة ونص، كنا راكبين تاكسي في طريقنا للغورية. القاهرة بالليل زحمة، ونور المحلات في شارع المعز والغورية كان بيعكس على وشوش الناس اللي رايحة وجاية. ريحة البخور والتوابل والأقمشة المعتقة ملت مناخيري، ريحة السوق اللي ربتني وشيلت همومه.
نزلنا قدام الوكالة القديمة. طلعت السلالم الحجرية الضيقة اللي باقية من عصر المماليك، لحد ما وصلنا لمكتب الحاج كامل. راجل عنده حوالي سبعين سنة، لابس جلابية صوف بيضا، وقاعد ورا مكتب خشب أرو عريض، وپيدخن الشيشة وبيرص في أوراق الحسابات.
أول ما شافني داخلة، رفع عينه من فوق النظارة الطبية، وملامحه اتغيرت من الهدوء للدهشة أبلة سعاد؟! خير يا بنتي في إيه؟! جاية في وقت متأخر كده ليه ومعاكي الدكتور حازم؟! لا إله إلا الله، مال وشك متغير كده؟!
قعدت على الكرسي الخشب قدامه، وسبت حازم واقف ورايا، وحطيت شنطتي الجلد القديمة على المكتب جاية في شرف وعرض ومستقبل ولادي يا حاج كامل.. وجاية أقولك كلمتين، لو مسمعتهمش مني الليلة، بكرة هتكون شريك في خړاب بيتي ودخول ابني طالب الطب السچن!
الحاج كامل ساب ليّ الشيشة من إيده بسرعة، وبص لحازم وبعدين بصلي، ونبرة صوته بقت جادة جداً فال الله ولا فالك يا سعاد! حبس إيه وخړاب بيوت إيه؟! استهدي بالله وقولي في إيه، محمود جوزك كان لسه عندي من يومين بيرتب لنقلة بضاعة تقيلة للمحل الجديد بتاعكم!
المحل الجديد مش بتاعنا
متابعة القراءة