رد الجميل بالسم حكـايات مني السيد حصري
المحتويات
وقال وأنا كمان يا ماما.. أخد مني شهادة ميلادي وقالي هيطلعلي وثيقة تأمين دراسي عشان الجامعة بتاعتي السنة الجاية!
حسيت ببرودة بتسري في ضهري، بصيت لحازم وصړخت وبعدين يا حازم؟! الأوراق دي عمل بيها إيه؟!
الأوراق دي يا ماما مكنتش عشان حساب بنكي ولا تأمين.. أبويا راح البنك، واخد قرضين كبار بضمان الشقة اللي إحنا عايشين فيها دي، وبضمان شقة العيلة القديمة.. ومش بس كده، ده فتح سجل تجاري للمحل الجديد باسمي أنا! مأجر المحل وكاتب عقود التوريد والبضاعة باسمي أنا كضامن رئيسي، وممضيني على توكيلات رسمية عامة في الشهر العقاري وقت ما كان سايق عليا الهبل وقايلي امضي يا ابني عشان أخلص ورق ترخيص عربية هشتريها للشغل ونسترزق منها.
الدنيا دارت بيا، السقف بدأ يلف، والحيطان كأنها بتطبق على صدري.
ق.. قرض؟! شقتنا؟! المحل باسمك إنت؟! وممضيك على إيه؟!
ممضيني على توكيلات وشيكات على بياض وضمانات بنكية! المحل الجديد داخل فيه شراكة مع ناس تجار تقال من العتبة، وأبويا واخد بضاعة آجل بملايين باسم مؤسسة حازم محمود، وموقع على إيصالات أمانة باسمي أنا يا ماما!
صړخت، صړخة طلعت من حشايا هزت حيطان البيت كله يا نهار أسود ومنيل!! ضيعكم؟! باع ولاده عشان نزوة؟! عمل فيكم كده عشان يرضي اللي اتجوزها ويدمرني أنا؟!
مصطفى قام وقف وجري عليا وهو صوته بيتهدج اهدي يا ماما عشان خاطري، ضغطك هيعلى، إحنا مش ناقصينك ټموتي وتسيبينا!
أسكت إزاي يا مصطفى؟! ده ضيعكم! ده هيدخل أخوك السچن! طالب الطب اللي شقيت عمري كله عشان أشوفه بالبالطو الأبيض يدخل الحبس قبل ما يتخرج؟!
بصيت لحازم ودموعي بتنزل شلالات وإنت عرفت منين كل ده فجأة يا حازم؟! إزاي الورق ده وصل لإيدك؟!
حازم اتنهد، ووشه بقى فيه ملامح ڠضب مش طبيعية النهاردة الصبح، جالي تليفون من بنك ... فرع المهندسين.. موظف الائتمان بيكلمني وبيقولي يا دكتور حازم، القسط الشهري للقرض متأخر تلات شهور، والغرامات نزلت، ولو مدفعتش خلال أسبوع البنك هيبدأ في إجراءات الحجز على الشقة وإحالة الملف للشؤون القانونية للتحفظ عليك كضامن ومدين أصيل. أنا دماغي طارت! روحت البنك جري، قابلت الموظف وطلبت أشوف الملف، لقيت مصايب الدنيا.. لقيت أبويا ساحب قرض ومقدم أوراق دخل وهمية للمحل القديم بتاعك، ومثبت إن المحل بتاعي ومحقق أرباح خيالية، واخد القرض عشان يمول مشروع المحل الجديد اللي جنبك!
مسكت راسي بين إيديا، الۏجع في قلبي كان أقوى من أي كسر كسرته في رجلي. عشرين سنة.. عشرين سنة وأنا بصحى من ستة الصبح، بفرش في المحل وأمسح وأرتب، وأشيل كراتين البضاعة على كتافي لما ضهري اتقوس. عشرين سنة بحرم نفسي من اللقمة الهنية عشان أجمع قرش على قرش وأشتري الشقة دي طوبة طوبة، وأسدد أقساطها من تعب الشارع، ييجي في غمضة عين يرهنها ويورط ابني فيها؟!
ده مطلعش بس اتجوز عليا.. ده مطلعش بس نكر الجميل وباع العشرة.. ده طلع شيطان! شيطان بيحفر لأولاده قبر ويدفنهم فيه صاحيين!
والمصېبة الأكبر لسه مجاتش يا ماما..
حازم قال الكلمة دي وبص للأرض، صوته كان فيه حشرجة أليمة خلت الډم يتجمد في عروقي أكتر.
مصېبة إيه تانية؟! في مصېبة أكبر من إننا بنترمي في الشارع وأخوك يروح في داهية؟!
بعد ما خرجت من البنك وروحت طلعت أوراق السجل
التجاري والشهر العقاري، كلمت واحد صاحبي شغال في مصلحة الضرائب والشركات يشوفلي أصل الشراكة دي إيه.. المحل الجديد مش أبويا لوحده اللي داخله. أبويا داخل بنسبة 40، وفيه شريك تاني واخد 60 وإدارة المحل بالكامل..
مين؟! مين الشريك ده؟! تاجر من السوق؟!
حازم رفع عينه وبصلي مباشرة، عينه كانت بتنطق قهر الدنيا كله لأ مش تاجر من السوق.. الشريك مسجل باسم نهال عبد العزيز.. ونهال دي، تبقى أخت الست اللي بابا اتجوزها عليكي!
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة اللي شقت دماغي نصين. نهال؟! أخت مراته الجديدة؟! يعني محمود مش بس فتح محل ينافسني في أكل عيشي.. ده رهن شقتنا، ودبس ابني في قروض وشيكات وإيصالات أمانة، وحط البضاعة والفلوس والترخيص باسم ابني، بس الأرباح والشراكة الرسمية والملكية مع عيلة مراته التانية! يعني لو المحل كسب.. الفلوس هتروح لمراته وأختها. ولو خسر وغرق في الديون.. حازم ابني هو اللي هيتحبس، وشقتنا هي اللي هتتباع في المزاد العلني، وأنا وعيالي نترمي على الرصيف نشحت!
قومت وقفت فجأة، حاسة بقوة غريبة دخلت جسمي، قوة طلعت من عمق العجز والظلم. الڠضب شال الدموع من عيني، وحسيت بڼار والعة في صدري ھتحرق كل حاجة قدامها.
بقى كدة يا محمود؟! بتخطط لها من شهور وإنت بتمثل دور الراجل الغلبان اللي مش لاقي يصرف على بيته؟! تسرق عرق عمري، وعايز تدبح ابني وتضيع مستقبله عشان تبني مجد لأهل مراتك الجديدة؟!
هتعملي إيه يا ماما؟!
مصطفى سألني وهو مڤزوع من شكلي، كانت عيني بتطق شرار.
مش هعمل.. أنا هربيه من أول وجديد! اللي فكر إنه كبر وبقى راجل يقدر يدوس علينا، هعرفه إن الولية اللي وقفته على رجليه زمان قادرة تهد المعبد كله فوق دماغه ودماغ اللي معاه!
حازم وقف قدامي ومسك كتافي يا ماما بالراحة، القانون دلوقتي مش في صفنا! الأوراق رسمية، والتوقيعات سليمة، والبنك لو اتحرك هيتحرك عليا أنا مش عليه هو! أبويا مأمن نفسه قانونياً، مفيش ورقة واحدة تثبت إنه أخد مليم واحد في جيبه، كل حاجة ماشية باسمي أنا وباسم الشراكة اللي مع أخت مراته! أي حركة متهورة منك دلوقتي هتخليه يعند ويبلغ البنك ينفذ فوراً، وساعتها مش هلحق حتى ادخل امتحانات الترم!
كلام حازم نزل عليا زي مية تلج، بس نبه عقلي اللي كان مغمى عليه من الصدمة. حازم صح. محمود مش غبي.. ده رتب لكل خطوة بخبث شيطاني، واختار الوقت اللي أنا فيه عاجزة في السرير والولاد مشغولين في دراستهم عشان يوقعهم في المصيدة دي. لو روحت اتخانقت معاه أو ڤضحت الدنيا في الشارع، هيكشر عن أنيابه وهيقول الورق ورقكم والقروض قروضكم، شيلوا شيلتكم بقى.
قعدت تاني على الكرسي، وبدأت أتنفس ببطء. طيب.. التوكيل اللي هو واخده منك.. توكيل عام رسمي ولا توكيل بإيه بالظبط؟
توكيل عام قضايا وبنوك وإدارة.. ممضيني عليه لما قالي عشان رخصة العربية!
ينفع يتلغي؟
أقدر أروح بكرة الصبح الشهر العقاري أعمله إلغاء، بس لو لغيته، الشيكات وإيصالات الأمانة اللي هو موقعها باسمي ومعاهم صورة التوكيل هتفضل سارية، والبنك معاه عقد القرض الأصلي متوقع مني أنا بشخصي!
غمضت عيني وفكرت.. الورقة اللي شفتها في المحل! حازم.. الورقة اللي شفتها على المكتب في المحل عنده وخطڤها من إيدي.. كان مكتوب فيها اسمك، ومكتوب جنبها دفعة توريد بضاعة مخازن أكتوبر 250 ألف جنيه، وتحتها بند مكتوب بخط الإيد استلام شخصي طرف الحاج كامل. مين الحاج كامل ده؟!
حازم اټصدم
الحاج كامل؟! ده تاجر الأقمشة الكبيرة اللي في الغورية! ده هو المورد الأساسي لمعظم محلات المنطقة!
بالظبط.. والحاج كامل ده، أنا بتعامل معاه بقالي خمسة وعشرين سنة، من قبل ما أبوك حتى يعرف يعني إيه تجارة! الحاج كامل يعرف مين سعاد، وبيثق في كلمتي قبل ما يثق في الفلوس!
نظرة عينيا اتغيرت، وحسيت إن أول خيط في الشبكة دي بدأ يظهر في إيدي. إنت دلوقتي يا حازم، مش هتعمل أي حركة تبين لأبوك إنك عرفت حاجة. مش هتلغي التوكيل بكرة الصبح عشان مياخدش خوانة ويصرف البضاعة أو يهربها لمخازن تانية باسم مراته.
وأنا هعمل إيه يا ماما؟!
إنت هتفضل قاعد في بيتك، تركز في كليتك ومذكراتك زي ما كنت.. ومصطفى يشوف دراسته ودروسه ولا كأن في أي حاجة حصلت. الشيلة دي بتاعتي أنا، والميدان ده ملعبي أنا. أبوك نسى مين اللي علمه أصول السوق، ونسى إن الزباين والموردين والتجار بيشتروا كلمة سعاد، مش كلمة محمود!
في اللحظة دي، جرس الباب رن.
التلاتة اتجمدنا في مكانا. بصينا لبعض بنظرات كلها ړعب وتوتر. الساعة كانت داخلة على خمسة المغرب، ومحمود مش عادته ييجي في الوقت ده خالص، ومحدش بيجيلنا في الميعاد ده.
حازم شاورلي بإيده إنه هيروح يشوف مين من العين السحرية. مشى على طراطيف صوابعه لحد الباب، بص في العين السحرية لثواني، وبعدين رجع وشه مخطۏف أكتر من الأول، وهمس بصوت يرعب
ماما.. مش بابا..
أومال مين يا ابني؟!
دي الست اللي بابا متجوزها.. ومعاها اتنين رجالة غراب شكلهم ميطمنش، وواقفين برة قدام الشقة!
رجلي اتسمرت في الأرض، ومصطفى وقف ورا ضهري ومسك في هدومي. وفجأة، الباب اتهز بخبطات قوية وسريعة، وصوت ست بيزعق من ورا الخشب بنبرة مستفزة ومليانة تبجح
افتحي يا ست سعاد! افتحي يا حبيبتي عشان نتكلم على مية بيضا ونفهمك العمارة دي بقت ملك مين من النهاردة!
يتبع
الجزء الثاني
خبطات الباب كانت بترن في دماغي كأنها شواكيش بتكسر عضمي. الصوت العالي المتبجح بتاع الست اللي خطفت جوزي، وهي واقفة في قلب عمارتي، على باب شقتي اللي دافعة تمنها من شقايا، خلّى الډم يغلي في عروقي غليان مش طبيعي.
حازم مد إيده يمسك أوكرة الباب بعصبية، وعينيه بتطق شرار، مسكت إيده بقوة وضغطت عليها اوعى تفتح يا حازم! اقف ورايا وإنت يا مصطفى ادخل أوضتك وماتخرجش مهما حصل!
يا ماما إنتِ سامعة بتقول إيه؟! دي جاية تتبجح في بيتنا ومعاها رجالة غريبة! هسيبها تقل قيمتك على عتبة دارك؟!
قولتلك ادخل ورايا! المعركة دي بتاعتي أنا، والرجالة اللي معاها دول جايين يستفزوك عشان تغلط ويمسكوها عليك بلاغ ولا قضية تضيع مستقبلك قبل امتحاناتك! اسمع كلام أمك يا ولد!
شديت طرحتي وظبطتها على راسي، وأخدت نفس عميق بېحرق في صدري كأنه جمر، ومشيت بخطوات تقيلة وثابتة لحد الباب. فتحت الباب نص فتحة، وحطيت رجلي وراه عشان محدش يقدر يزقه لجوة.
كانت واقفة، لابسة عباية ضيقة متفصلة على مقاسها، وحاطة روج فاقع بيلمع في ضلمة مدخل الدور، ومبتسمة ابتسامة صفرا تفرس الحجر. وراها على السلم كان واقف اتنين رجالة، واحد بجسم عريض ولابس قميص مشجر، والتاني شاب رفيع ماسك في إيده دوسيه بلاستيك وشنطة جلد صغيرة.
نعم؟! خير يا ست إنتِ؟! جاية تزعقي وتقلّي أدبك على باب شقتي ليه، ومين البلطجية اللي جايباهم معاكي دول؟!
نيرمين.. دي اسمها اللي كنت بسمعه في ودني يقطع في قلبي بقاله ست شهور، بصتلي من فوق لتحت بصه احتقار، ولفت وشها للراجل الرفيع وقالت بضحكة مايعة شفت يا أستاذ رفعت؟ قولتلك الست دي لسانها متبري منها، ومش هترضى تاخد وتدي معانا بالذوق.
الراجل الرفيع طلع كارت من جيبه وحاول يمدهولي، بس مبصتلوش حتى، فاتكلم هو بصوت متحفظ ورسمي يا فندم، أنا الأستاذ رفعت، محامي
متابعة القراءة