رواية كاملة
وأنا شايلة ابني الرضيع عنده 5 شهور على صدري، سمعت جوزي بيقول لأصحابه
عندها 55 سنة، ولسه ما عملتش حاجة واحدة في حياتها.
ما دخلتش الحوش، ولا عملت خناقة، ولا حتى بينت إني سمعت حاجة.
طلعت أوضتي على طول، وفتحت دوسيه أزرق قديم كان مدفون بقاله سنين في آخر الدولاب.
ولما لقيت الورقة اللي جواها وقرأت اسمي
فهمت إن جوزي ارتكب غلطة عمره.
كان في إيدي طبق السلطة، وابني الصغير لازق في صدري، وكنت لسه خارجة من المطبخ ناحية الحوش، لما سمعت صوت جوزي، حسام، وهو بيتكلم مع صحابه.
وقفت مكاني ورا الباب اللي بين المطبخ والحوش.
برا كان حسام قاعد مع أربعة من صحابه حوالين الشواية، واللحمة بتتشوي، والبيريل متلج، والجو كله ضحك وهزار.
والأغرب؟
إن كل اللي على السفرة أنا اللي كنت جايباه الصبح.
سمعته بيقول
أنا بقولكوا بجد أنا بفكر أسيبها.
واحد من صحابه ضحك ضحكة مترددة وقال
بعد السنين دي كلها يا حسام؟
رد عليه
عشان السنين دي كلها بالذات. أنا ضيعت وقت كفاية.
حسيت نفسي اتخنقت.
ابني كان نايم على صدري، وأنا واقفة مش قادرة حتى أتحرك.
لكن حسام كمل.
دي ما عملتش أي حاجة في حياتها. ولا حاجة. عندها 55 سنة ومفيش إنجاز واحد تقدر تقول إنه بتاعها هي.
سكت لحظة، وبعدها قال بنبرة مليانة احتقار
حتى الإنجليزي بتاعها بقى على قدّه. عمرها ما اشتغلت، ما عملتش فلوس، ما بنتش مستقبل لنفسها.
حسيت قلبي وقع في رجلي.
وبعدين قال الجملة اللي كسرتني أكتر من أي حاجة
وبصوا عليها 11 حمل. الست خلصت خلاص. دايمًا تعبانة، دايمًا شعرها منكوش وهدومها عليها ريحة أكل وعيال.
ضحك واحد من صحابه، لكن حسام ما وقفش.
وأنا؟ أنا لسه بروح الجيم، بسافر، بتعامل مع ناس، وبخرج ليه أعيش باقي عمري مع واحدة بالشكل ده؟
فضلت واقفة ورا الباب ثواني.
ولا دخلت.
ولا عيطت.
ولا حتى واجهته.
مش عارفة إزاي رجعت المطبخ.
كل اللي فاكرانه إني حطيت طبق السلطة على الرخامة بهدوء شديد، كأني ما سمعتش حاجة.
أنا عندي 55 سنة.
اتجوزت حسام وأنا عندي 23 سنة.
قبل الجواز كنت خريجة إدارة أعمال وتجارة دولية من جامعة القاهرة، وكنت من المتفوقين في دفعتي.
كنت بتكلم إنجليزي كويس جدًا.
وكان قدامي شغل محترم في شركة استيراد وتصدير.
كنت فاكرة إن الدنيا كلها لسه قدامي.
لكن حسام كان نفسه في بيت مليان عيال.
وبعد الجواز بأقل من سنة، جالنا أول طفل.
وبعده التاني.
وبعده التالت.
وبعد الرابع
ولما جه الخامس، بطلت أقول
لما العيال تكبر هرجع أشتغل.
لأن كل ما طفل يكبر، طفل تاني كان بييجي.
لحد ما بقوا 11 ابن وبنت.
وأصغرهم؟
كان لسه عنده 5 شهور.
أنا كنت بتعلم أنام ساعتين على بعض بالعافية.
وهو كان بيبني شركة توزيع معدات وأجهزة.
أنا كنت بصحى قبل الفجر أجهز أكل وشنط مدارس وأطمن على 7 عيال في نفس الوقت.
وهو كان بيطلع رحلات شغل للقاهرة والإسكندرية ودبي والسعودية.
أنا كنت بقضي الليالي جنب عيال سخنانة أو بتعيط من وجعها.
وهو كان بينزل الجيم.
ولما يرجع من سفره يقول
أنا مهدود يا نادية.
فأقوم أسخن له الأكل، وأحطله العشا قدامه، وأقعد أسمع تفاصيل يومه.
عمري ما فكرت إنه مدين لي بحاجة.
ولا مرة قلت له
أنا ضيعت عمري عشانك.
لأني كنت فاكرة إن دي حياتنا إحنا الاتنين.
وإن اللي بعمله ده اسمه أسرة.
لكن اللي سمعته منه وأنا واقفة ورا الباب خلاني أفهم الحقيقة.
بالنسبة له
تعب السنين اللي فاتت ما كانش تضحية.
كان راحة هو متعود عليها.
بالليل، بعد ما الكل نام، دخلت أوضتنا.
فتحت درج صغير أدور فيه على مناديل، وفجأة عيني وقعت على مفتاح قديم.
مسكته بين صوابعي.
وفي اللحظة دي افتكرت.
المفتاح ده كان بتاع صندوق قديم كنت حاطة فيه أوراق مهمة من زمان.
طلعت الصندوق من آخر الدولاب.
كان عليه تراب كأنه ما اتفتحش من عشرين سنة.
قعدت على الأرض، وبدأت أطلع الورق واحد ورا التاني.
شهادة التخرج.
شهادات قديمة.
صور من أيام الجامعة.
ورق خاص بأبويا الله يرحمه.
وبعدين لقيت دوسيه أزرق.
فتحته.
أول ورقة كانت عقد شقة.
وبعدها ورقة بتاريخ من حوالي 29 سنة.
قعدت أقرأ.
وفجأة افتكرت كل حاجة.
من حوالي 29 سنة، لما حسام كان لسه بيبدأ أول مشروع ليه، راح كذا بنك عشان ياخد تمويل.
كلهم رفضوا.
كان محتاج رأس مال كبير، ومحدش كان واثق فيه وقتها.
في الفترة دي كان أبويا لسه متوفي.
وساب لي مبلغ من التركة، وكمان قطعة أرض في أطراف الجيزة.
بعت الأرض، وحطيت الفلوس كلها تقريبًا في مشروع حسام.
وقتها هو نفسه أصر إن كل حاجة تتعمل رسمي.
وقال لي
عشان حقك يبقى محفوظ يا نادية.
أنا صدقته.
ووقعت قدام الشهر العقاري.
وبعدها الحياة جرت بين حمل وولادة ورضاعة ومدارس ودروس وأكل ومرض وعيال.
ونسيت الموضوع تمامًا.
لكن الدوسيه الأزرق ما نسيش.
بدأت أقلب في الورق بسرعة.
لحد ما لقيت عقد تأسيس الشركة الأصلي.
بصيت على الأسماء.
وبعدين بصيت على نسبة الملكية.
رمشت كذا مرة.
35.
خمسة وتلاتين في المية.
باسمي أنا.
فضلت أبص للورقة من غير ما أتكلم.
ما حسيتش بالفرحة.
ولا حتى حسيت إني انتقمت.
الإحساس كان أغرب من كده بكتير.
كان إحساس واحدة كانت عايشة سنين وهي فاكرة إنها مالهاش قيمة
وفجأة اكتشفت إن الحقيقة كانت مستخبية في درج قديم.
طول 29 سنة، حسام كان بيحكي لكل اللي حواليه إنه بدأ شركته من الصفر.
إنه تعب لوحده.
إنه خاطر بكل حاجة.
إنه هو اللي بنى نفسه بنفسه.
لكن الورقة اللي قدامي كانت بتحكي جزء تاني من القصة.
جزء عمره ما كان بيقوله لحد.
سمعت خطواته في الطرقة.
قفلت الدوسيه بسرعة وحطيته جنبي.
الباب اتفتح.
حسام بص لي باستغراب.
إنتِ بتعملي إيه هنا؟
بصيت له بهدوء.
قال
الناس مستنيين الأكل بره.
وبعدين ابتسم ابتسامة فيها نفس النبرة اللي اتعودت عليها سنين.
يلا، ما تعقديهاش.
زمان، الكلمة دي كانت بتخليني أقوم فورًا.
لكن المرة دي
بصيت له بس.
وقلت
حاضر.
قفلت الدوسيه الأزرق.
ولأول مرة من 32 سنة جواز
كلامه ما حسسنيش إني صغيرة.
كلامه خلاني أفوق.
تاني يوم الصبح، حسام نزل الجيم كعادته.
استنيت لحد ما خرج.
وبعدين طلعت الدوسيه الأزرق من مكانه.
كان جواه كارت قديم عليه رقم مكتب المحامي اللي كان موثق عقود الشركة وقتها.
اتصلت.
الراجل نفسه كان مات من سنين.
لكن المكتب لسه شغال.
ردت عليا ست.
قلت لها
أنا نادية عبدالسلام. كنت عاملة عندكم توكيلات وعقود من حوالي 30 سنة، وعايزة أستفسر عن ملف قديم.
قالت
لحظة واحدة يا فندم.
سمعت صوت الكيبورد.
ثواني عدت.
وبعدين سكتت.
أيوه يا مدام نادية الملف موجود.
سألتها
طيب ممكن أعرف تفاصيله؟
سكتت تاني.
المرة دي كان سكوتها أطول.
وبعدين قالت بصوت مختلف
مدام نادية أنا شايفة إن الأفضل حضرتك تيجي المكتب بنفسك.
قلبي دق بسرعة.
ليه؟ في حاجة؟
قالت
فيه مستندات تانية باسم حضرتك.
سألتها
مستندات إيه؟
أخدت نفس طويل وقالت
على حد علمي جوز حضرتك حاول يعدل حاجة في ملكية الشركة من حوالي 6 سنين.
سألتها وأنا حاسة إن صوتي اتغير
ويعني إيه حاول؟
ردت
كان محتاج توقيع حضرتك.
سكتُّ.
وبعدين سألتها
وأنا وقعت؟
جاء ردها سريعًا
لأ يا مدام.
وبعدين أضافت جملة خلت الدم ينسحب من وشي
وده بالضبط اللي خلّى الموضوع أخطر بكتير.
قفلت المكالمة.
وبصيت للدوسيه الأزرق قدامي.
لأول مرة بدأت أسأل نفسي
هو حسام كان بيحاول يخبي عني إيه من ست سنين؟
والأهم
ليه كان محتاج توقيعي تحديدًا؟
لأن اللي اكتشفته بعد كده
كان كفيل يقلب حياتنا كلها رأسًا على عقب.
رجعت حطيت الموبايل على الترابيزة، لكن إيدي كانت بتترعش.
فضلت باصة للدوسيه الأزرق قدامي.
35.
خمسة وتلاتين في المية من الشركة باسمي.
والأخطر