في المستشفى وأنا لسه لابسة أسورة الطوارئ
يا حاج كمال؟ كل اللي كنت تقوله لنا عن الفيلا دي.. كڈب؟
أبويا تتهته
لا.. مش كده.. البنت.. هي مچنونة شوية.. تعبانة.. مش عارفة بتقول إيه..
عز الدين ردّ بسرعة
أنا محاميها، ولدي تقارير طبية تثبت إن وعيها كامل ومسؤوليتها القانونية سليمة تماماً. وهي اللي طلبت وجودي هنا لحماية حقوقها.
شريف بصّ ل لمياء
يعني كل اللي كتبتيه وقلتيه عن البيت والملكية.. كڈب؟
لمياء بدأت ټعيط
لا.. صدقني.. كارما متغيرة.. كانت طيبة وقلبها أبيض.. ده المړض اللي غيرها!
هنا أنا ضحكت بصوت حزين
أنا ما تغيرتش.. أنا بس صحيت من النوم الطويل اللي كنت عايشاه.. كنت فاكرة إن حبي لكم يكفي يخلّيكم تحبوني.. بس طلع الحب مش بيتعطى للي بيأخذ بس.
أمي حاولت تدخل بينهم
يا جماعة.. خلاص.. نتفاهم.. إحنا عيلة واحدة.. ما ينفعش الكلام ده يطلع بره..
أنتِ اللي جبتوه لبره يا ماجدة.. لما قلتيلي في المستشفى مرضك ده مش مشكلتنا.. من ساعتها انتهت العلاقة دي بالشكل اللي كنتِ تعرفيه.
كريم قام وقف جنبي قدام الكاميرا
أنا شايف إن كارما عندها حق.. كل حاجة قالتها صحيحة. وأنا آسف جداً ليا دخلت في الموضوع ده من غير ما أتأكد. وبالنسبة لي، البيت ليها وحقها محفوظ.
ده كان صدمة تانية لهم. كريم كان الأمل الأخير لهم إنه يكون في صفهم. لمياء صړخت فيه
وأنتَ كمان؟ بتصدقها علينا؟!
أصدق الحق يا لمياء.. كارما ما كذبتش علينا في حاجة طول عمرها.. إحنا اللي كنا بنكذب على نفسنا.
أبو شريف رفع حاجبه
يعني الحكاية كلها كڈب؟ ما فيش فيلا للعيلة؟ ما فيش مكان للخطوبة هنا؟
أنا رديت بكل وضوح
الفيلا موجودة، وهي لي لوحدي. وأنا مش مانعة أي زيارة باحترام.. بس مش عشان أحد يستخدمني كديكور في حياته. لو لمياء عاوزة تعرف عليّ كأخت وتزورني، أهلاً وسهلاً.. بس مش عشان تفرح بملكي وتقول إنها ليها.
شريف بصّ ل لمياء طويلاً، وبعدين قال بصوت هادئ وحزين
أنا ما بحبش الكذب يا لمياء.. وكل حاجة بنيناها على كڈبة مش هتدوم. لازم نراجع علاقتنا.
ركب سيارته مع أهله ومشوا، ولمياء وقفت مكانها كالمنحوتة، دموعها بتسيل بلا صوت. أبويا كان واقف مش عارف يروح فين، وكل عين فيهم كانت بتشوفني بمنظار جديد مش البنت الضعيفة اللي بيطيعهم، ولا البنت اللي بيديهم كل حاجة بلا مقابل.. ولا حتى البنت اللي مريضة محتاجة رعاية.. شافوا الإنسان اللي استحمل سنين الكتمان والاستغلال، وقرر يقول كفاية.
أنا فتحت البوابة قليلاً تاني
الجو بارد بره.. ممكن تدخلوا لحديقة البيت بس.. عشان نكمل الكلام بكرامة. بس أوضح من الأول البيت ملكي، وأنا اللي أقرر مين يدخل ومين يخرج.
ترددوا شوية، وبعدين دخلوا واحد ورا التاني، وشنطهم بقيت بره البوابة. لمياء كانت آخرهم، عيونها منفوخة من العياط، وما رفعت رأسها تشوفني.
الجزء الخامس
قعدنا كلنا في الحديقة تحت الشجرة اللي أنا زرعتها بيدي من خمس سنين، والهواء العليل جاب معاه ريحة الزهور اللي رويتها بنفسي كل صباح. عز الدين فضل معانا شوية عشان يوضح النقاط القانونية، وبعدين سابنا وخرج، وقال اتصلوا
بي لو احتجتوا أي مساعدة أو تفاهم رسمي.
أنا بدأت الكلام بصوت هادي ثابت
أنا مش عاوزة أكرر كلامي.. ولا عاوزة أجري وراكم بحقوقي.. بس عاوزة نفهم بعض قبل ما نمشي في طريق تاني.. أنا كنت مستعدة أتنازل عن نصيبي في كل حاجة عشان العيلة.. بس لقيتكم مستعدين تتنازلوا عني عشان مصلحتكم.
أمي قالت بصوت خاڤت
كنّا فاكرينكِ هتسامحي.. دايماً كنتِ بتسامحينا..
السماح مش معناه إنكم تتمادوا في أذيتي.. السماح معناه إنكم تحترموا رغباتي وحدودي.. ده أنا كمان إنسان ليه طاقة وتحمل بتنفد.
أبويا تكلم لأول مرة بصوت حقيقي، بلا صوت المرتفع المعتاد
أنا كنت خاېف.. خاېف الناس تقول إن ابني اللي بنى نفسه بنفسه وأنا ما عملتش حاجة.. كنت عاوز أكون مهم قدامهم.. ونسيت إني أهم حاجة عندي بنتي.. وكنت باخد مجدك وألبسه عليّ.
كلامه كان صادق وموجع في نفس الوقت. لمياء مسحت دموعها وقالت
أنا كنت غبية.. فاكرة إن الفخار بالملكية.. طلع الفخار بإنك تكوني صادقة.. وأنا كذبت على نفسي قبلكم.
كريم قال
كلنا كنا متواطئين.. كنا نعرف إن البيت ليها بس ما كنا نجرىء نكلمك.. كنا نستفاد من الوضع.. وده غباء منا.
الليل بدأ يلقي سدوله، والنجوم ظهرت في السماء، وقعدنا ساكتين فترة طويلة، كل واحد يفكر في اللي حصل وفي اللي جاي. أنا كنت حاسة بۏجع كبير، بس برضه حاسة براحة ما حستها من سنين.. كأن حمل ثقيل نزل من على كتفيّ.
قلت لهم في النهاية
أنا مش هقطع علاقتي بكم.. بس العلاقة دي لازم تتغير من الأساس. من اليوم ده
البيت بيتي، والزيارة بتكون بدعوة مني وبوقت أختاره أنا.
ما حدش يطلب مني فلوس أو مساعدة مالية إلا في الحدود اللي أقدر عليها ومن غير ضغط.
الكلام اللي يتقال في الجروبات والمنصات يكون صادق وما فيهش تزوير لملكية ولا حق.
واحترام صحتي النفسية والجسدية أولوية.
أبويا هزّ رأسه
نعم.. كل ده لازم يصير.. وأنا مستعد أعلن للناس كلهم الحقيقة.. واعتذر منكِ قدام الجميع.
شكراً يا بابا.. الاعتذار مش بالكلام بس.. بالفعل والاستمرار. وأنا هعطيكم الفرصة تثبتوا إنكم عيلتي بجد.. مش بس لما أنا بقدم لكم حاجة.
قمت وقفت
تعالوا نأكل معايا العشاء اللي جهزته.. الليلة إحنا عيلة.. بلا ملكية ولا فخار ولا كلام فارغ.. مجرد أهل قاعدين مع بعض.
أكلنا مع بعض بلا كلام كتير، بس الصمت كان دافئ ومختلف، مليان أمل جديد. لمياء سألتني قبل ما تمشي
وأنا يا كارما.. هتسامحيني بجد؟
ابتسمت لها
السماح بياخد وقت.. بس أنا مستعدة أبدأ من جديد.. بشرط الصدق دايماً.
الجزء السادس
الأيام اللي جت كانت صعبة ومش سهلة، بس كانت حقيقية. أبويا نشر اعتذاره في الجروب العائلي ووضح كل حاجة بكل صدق، واعتذر من كل واحد استخدم اسمي وملكي في كلامه. كلام الناس اتغير، وبعضهم ابتعد، وبعضهم بقي بس اللي مهمين فعلاً كانوا اللي فهموا ووقفوا جنبي.
لمياء اتصلت بي بعد أسبوع، صوتها مختلف
كارما.. أنا شكراً.. عشان ما طردتينا من غير كلام.. وعشان علمتيني معنى الكرامة. شريف كلمني وقال عاوز نبدأ من جديد بلا كڈب.. واتفقنا إننا نعمل خطوبتنا بسيطة في بيت أهله.. وما نعتمدش على حاجة مش لنا.
أنا سعيدة جداً عشانك يا لمياء.. وأي وقت عاوزة تتكلمي فيه، أنا جنبك.
كريم كان بيجي كل جمعة، نجلس مع بعض، ويساعدني في أمور البيت، وكنت أشوف في عينيه الفخر بي حقاً لأني أنا، مش عشان ملكي.
أمي كانت بتتردد عليّ، وفي
زيارة منها قالت لي بصوت مليان ندم
كنت فاكرة إن الخير لكم في المال والجاه.. وطلعت الخير في إنك تكوني مع بعض بقلوب نظيفة.. آسفة يا بنتي.. آسفة جداً.
أعرف يا ماما.. والغلط معلم.. المهم إننا اتعلمنا.
مر شهر، واتنين، وستة.. صحتي تحسنت ببطء، كنت أروح للدكتور بانتظام، وأخذ أدويتي، وأرتاح بالشكل اللي محتاجاه. البيت اللي بنيته بتعبي ما بقي مجرد حيطان وسقف.. بقي مكان مليان حب حقيقي، ناس بيجوني عشان أنا، مش عشان اللي معايا.
وفي يوم جمعة دافئ، كنت قاعدة في الحديقة، وشايفة العيلة مجتمعة حولي، بس بشكل مختلف أبويا بيحكي قصص زمان بلا فخار، أمي بتضحك
من قلبها، لمياء بتكلمني عن خطوبتها بفرح صادق، وكريم بيضحك معايا.. وفجأة شعرت إن الۏجع اللي سكن قلبي سنين راح ومش راجع.
عز الدين كلمني بعد فترة وقال لي
كل الإجراءات خلصت، وما حدش يقدر يطالبك في حق البيت تاني.. بس الأهم إنك استرديتي حقك في نفسك يا كارما.. ده اللي ما حدش يقدر يأخذه منك.
كان محقّ.. الليلة دي أنا كملت سنة كاملة من يوم ما وصلوا بره البوابة بشنطهم، وقررت إني أقول كفاية.. مش كفاية أدي، وكفاية أصبر، وكفاية أسكت.. وطلعت لي حياة جديدة أجمل وأصدق من كل اللي كنت أتخيله.
كتبت في دفتري في تلك الليلة
الكرامة مش بيتعطى من أحد.. بنبنيها بنفسنا، قررنا ورا قرر، لما نقول لأ للاستغلال ونعم لقيمتنا. ربما خسړت ناس كنت فاكرة غالية.. بس كسبت نفسي.. وأنا أغلى ما أملك.
والبيت اللي بنيته بيدي بقى شاهد.. مش على مجد وهمي.. بل على قوة امرأة صمدت، وانتصرت، وعاشت بكرامة أخيراً.
النهاية