رواية كاملة
المحتويات
الجهاز، بسرعة.
وبعدها، طلبت رقم طارق.
التليفون رن.. رنة.. اتنين.. تلاتة.
كنت بدعي ربنا يرد قبل ما اللي برة دول يكسروا الباب، أو حماتي تفتح بالمفتاح الاحتياطي اللي كانت عاملاه للباب الخارجي زمان قبل ما أغير الكوالين.
طارق رد، وصوته كان باين فيه دوشة الشغل ومطحون بين الورق والعملا ألو، إيه يا نورهان؟ في حاجة ولا إيه؟ أنا في اجتماع مع المدير ومش فاضي.
طارق، اسمعني كويس وبلاش مقاطعة، صوتي كان بيترعش بس حازم لدرجة خلته يسكت فوراً. حماتك واقفة على باب شقتنا، ومعاها واحد اسمه معتز بيقول إنه محامي أبوك، بيهددوني عشان الكراتين اللي كانت تحت السرير وكنت حاطة فيها جهازي.
طارق سكت خالص لدرجة إني افتكرت الخط قطع.
ألو؟ طارق إنت سامعني؟
جاني صوته بس نبرته كانت متغيرة تماماً، نبرة واحد فجأة الدنيا وقعت فوق دماغه نورهان.. هو معتز عندك في البيت؟ فوق عند الشقة؟
أيوه برة على الباب وبيخبط وعايز الكراتين وبيقولي إنه هيلبسها فيك وفي أمي، فهمني يا طارق، في إيه جوة الكراتين دي غير الدهب والفلوس اللي شفتها؟! إنت عارف بالمصيبة دي؟!
طارق اتنهد تنهيدة كأن روحه بتطلع منها، وقال بصوت مهزوز ومرعوب إنتي فتحتيها يا نورهان؟ شوفتي اللي جوة؟ يا نهار أسود.. يا نهار أسود! اسمعيني، إياكي تفتحي الباب، متفتحيش لأي مخلوق لحد ما أنا أوصل، ومعتز ده متمكنيهوش من ولا فتلة، الكراتين دي لو خرجت من الشقة.. أنا وأمي هنروح ورا الشمس بجد!
يعني إنت كنت عارف؟ سألته بمرارة ووجع حسيت بيه في عضم صدري.
والله العظيم ما كنت أعرف إنها عندك في الشقة! أنا كنت فاكر أبويا صفا الموضوع ده ومات وخد سره معاه، لكن
أمي هببت إيه وودتهم عندك إزاي أنا معرفش! أنا جاي في الطريق حالاً، ربع ساعة وأكون عندك، أوعي تفتحي يا نورهان، معتز مش محامي.. معتز ده كان شريك أبويا في مصايب الجمارك والدهب المهرب!
الخط قفل في وشي.
الجمارك والدهب المهرب. حمايا اللي كان الكل بيحلف بأدبه وتقواه، كان شغال في التهريب؟ والفلوس والدهب دي بقايا بضاعة قديمة معتز جاي يطالب بنصيبه فيها، وحماتي شايلاها وبترميها في جهازي عشان لما تتقفش تقول دي مرات ابني وأهلها هما اللي جايبينها؟!
بصيت على الكرتونة اللي تحت السرير، وحسيت إن الشقة كلها بتضيق عليا، الحيطان بتميل. الخيانة ما جتش من الشارع، الخيانة كانت متبيّتة تحت السرير اللي بنام عليه بقالي سنة كاملة.
الخبط على الباب هدي شوية، بس سمعت وشوشة برة.. صوت حماتي وهي بتعيط وتقول لمعتز الحق يا معتز، البت رنت على طارق، زمانه جاي.. ولو جه هيفضح الدنيا، الواد على نياته وهيضيعنا!
معتز رد بصوت قاطع وبارد طارق مش هيعمل حاجة عشان أمه، هو بس لو حاول يتذاكى هنديله قرصة ودن صغيرة تفوقه.. رني إنتي على سيد البواب وقوليله يقطع النور عن الشقة دي من تحت، وخلينا نخلص الليلة دي قبل ما عيلة البت دي تهل.
سمعت الكلمة، وجسمي كله اتشد.
النور؟
فجأة، تكة المفتاح العمومي سمعتها من بعيد، والمروحة اللي كانت شغالة في السقف وقفت، والتكييف سكت، والدنيا كلها ضلمت في الصالة، ما فضلش غير ضوء الشمس الباهت اللي داخل من شباك المطبخ الصغير.
حسيت ببرودة في أطرافي، هما مش بس عايزين الحاجة، هما بدأوا يحاصروني جوة بيتي، وفاكرين إني ست ضعيفة هتستسلم أول ما النور يقطع وتسمع تهديدين.
روحت على المطبخ بخفة، مديت إيدي على حامل السكاكين، وسحبت أكبر سكينة عندي وحطيتها في كم الإسدال. ورجعت على الأوضة، قفلتها ورايا بالمفتاح الجديد من جوة، وقعدت جنب الكرتونة على الأرض في الضلمة.
طلعت الموبايل، وبصيت على شاشته المنورة في العتمة.. كان في رسالة من أمي وصلت أخوكي حسام وخالك وراهم اتنين رجالة طالعين على العمارة بعربيتين، خمس دقايق ويكونوا عندك.
وفي نفس اللحظة، سمعت صوت حد بيدخل حديدة رفيعة في كالون باب الشقة اللي برة وبيحاول ينطره.. معتز مش مستني طارق يوصل، معتز قرر يقتحم الشقة وياخد حاجته بإيده.
رفعت راسي، وبصيت للباب المقفول عليا في العتمة، وأنا حاسة بنار بتغلي جوايا.. لو فاكرين إني هكون الضحية اللي يلبسوها مصايبهم ويسكتوها بشوية ملاليم، يبقوا لسه ميعرفوش مين هي نورهان، ولا يعرفوا أنا ممكن أعمل إيه عشان أحمي نفسي وأهلي من الوساخة دي.
صوت الحديدة وهي بتنخر في كالون باب الشقة البراني كان زي دبوس بيغرز في ودني. تكة.. وراها عتلة خفيفة.. وصوت حماتي برة بتوشوش برعب وتقول لمعتز براحة يا معتز، الجيران في التالت سامعين، الهامش ده هيلم علينا الناس! ومعتز يرد عليها بنرفزة وهو بينفخ اخرسي إنتي! لو الواد طارق وصل قبل ما نسحب الليلة دي، مش هنعرف نلمها.. بتك دي حرباية ومصورة كل حاجة، لازم الشنطة تخرج والورق يتحرق الليلة!
أنا جوة أوضة النوم المقفولة، الضلمة حواليا خانقة بعد ما قطعوا النور من تحت، بس الحواس كلها كانت صاحية على الآخر. إيدي اليمين كانت ماسكة السكينة من تحت كم الإسدال، وصوابعي الشمال دايسة على زرار التسجيل في الموبايل.
أيوة.. مكنتش قاعدة بعيط ولا بندب حظي. شغلت مسجل الصوت ورميت الموبايل قريب من عتبة باب الأوضة من جوة عشان يلقط كل حرف، ورجعت قعدت على الأرض جنب كرتونة المصايب.
فجأة، طرقعة جامدة خلت قلبي ينط.. الكالون البراني نطر!
سمعت صوت الباب بيتفتح ويزيق، وخطوات معتز التقيلة وهو بيدخل الصالة، تزييق الجزمة الجلد على السيراميك، ووراه شبشب حماتي بيجرجر في الأرض بخوف وتردد.
هي فين؟ في الأوضة دي؟ صوت معتز كان طالع من الصالة، بارد وفيه غل. أيوة، أوضة النوم.. بس البت مغيرّة القفل بتاعها، مش هتعرف تفتحه بالسهل.
معتز مقطعش وقت، قرب من باب أوضة النوم ورزع عليه رزعة بإيده الشمال خلت الخشب يرن في دماغي افتحي يا نورهان بدل ما أكسر الباب فوق دماغك! متفكريش الحركة القرعة دي هتدخل عليا.. هاتي اللي جوة الكرتونة بالذوق، واطلعي منها، وإلا والله ما طالعة من الشقة دي على رجليكي!
قومت وقفت على حيلي بهدوء تام، قربت من الباب لدرجة إني بقيت سامعة نفسه العالي من ورا الخشب، واتكلمت بصوت واطي بس فيه ثبات كأنه صخر اكسر يا معتز.. اكسر يا شريك المهربين. اكسر عشان بصماتك تيجي على خشب شقتي، والنيابة لما ترفع البصمات وتلاقي التسجيل اللي بصوتك وإنت بتهددني بالقتل وبتتكلم عن الدهب المهرب والجمارك.. ساعتها متلومش إلا غباءك.
السكوت اللي حل في الصالة كان عامل زي التلج.
معتز وقف مكانه. حماتي برة شهقت شهقة مكتومة تسجيل إيه؟! البت بتسجل لك يا معتز؟! قولتلك من الأول بلاش الشغل ده، البت دي مش سهلة!
معتز اتعصب وصوته وطي لفحيح تعبان بتسجلي؟ فاكرة البوليس هينجدك؟ ده أنتي أول واحدة هتتسحبي في القضية دي، الكراتين باسم عيلتك وفي شقتك، والدهب ده لما يتمسك هيروح في بطنكم كلكو!
لسه هرد عليه، وسمعت صوت عربيات بتقف تحت في الشارع بفرملة حامية وصوت كوتشات بتصرخ على الأسفلت. وراها مباشرة، صوت رزع أبواب عربيات، وصوت رجالي بيهز عمارة السكن كلها من المدخل
متابعة القراءة