رواية كاملة
المحتويات
سنين.
رجعت لورا لزقت ضهري في حافة السرير، ونفَسي اتقطع.
دهب كسر، سبائك، وفلوس خضرا متكومة في كرتونة جهازي؟ الحاجات دي متسواش ملاليم، دي تتعدى مئات الآلاف، وممكن تعدي الملايين! إزاي الحاجات دي دخلت هنا؟ ومين حطها؟
مديت إيدي بالراحة في قعر الكرتونة وكملت تفتيش، يمكن ألاقي أي حاجة تفسر الكابوس ده. لقيت دفتر شيكات قديم باسم واحد عمري ما سمعت عنه، وورقة مبايعة لأرض في الصعيد، وأهم من ده كله.. صورة قديمة أبيض وأسود فيها عمي الله يرحمهحماياوهو واقف جنب راجل وشه مش غريب عليا، بس ملامحه متجهمة وعنده علامة جرح واضحة فوق حاجبه.
وفجأة، شفت دفتر جيب صغير جلده متقشر ومربوط بخيط أسود.
فتحته بإيد مرتعشة. كان بخط إيد حماتي، خطها الرديء اللي بحفظه من ورقة الطلبات اللي كانت بتسيبها على الباب. أسماء، وأرقام، وتواريخ باليوم والشهر، وجنب كل اسم كلمة واحدة سداد، مستحق، محضر.
قعدت في مكاني مش قادرة أقوم ولا أفكر، والدنيا لفت بيا. الكراتين دي ما كانتش مسروقة عشان بنتها تتجوز بيهم، الكراتين دي كانت الخزنة المستخبية! حماتي كانت واخدة كراتين جهازي ستار، عشان دي الحاجة الوحيدة في البيت كله اللي محدش ممكن يشك فيها لو البيت اتفتش، ومحدش هيدور ورا جهاز عروسة مركون تحت السرير لحد ما تحتاجه.
ولما نقلتهم لتحت في المطبخ وغطتهم بالملاية، مكنتش بتسرقني.. كانت بتنقل المصيبة دي لمكان أسهل عليها في الحركة، بس اتفاجأت بيا نازلة أنضف قبل ما تلحق تصرفهم!
طب وطارق؟ جوزي عارف بالموضوع ده؟
طارق، الموظف الغلبان اللي بيخرج من تمانية الصبح لحد تسعة بالليل عشان يسد جمعية وأقساط عفش الشقة، طارق اللي لسه مسلفه منه أول إمبارح عشرة آلاف جنيه من دهبي عشان نصلح العربية، كان شريك في المصيبة دي ولا زيي أطرش في الزفة؟
فكرة إن طارق يكون عارف خلت جسمي كله يقشعر من الخذلان. بس قبل ما أكمل فكرتي، سمعت صوت حركة تحت في المدخل. صوت خطوات تقيلة وسريعة بتطلع السلم، مش خبطة حماتي المترددة. دي خطوات حد مستعجل وعارف هو رايح فين.
جمدت مكاني. بصيت حواليا في الأوضة، الحاجة كانت متبعترة على السجادة الدهب، الورق، الفلوس، والمقص في إيدي. بسرعة جنونية، لميت كل حاجة ورجعتها جوة القماش النبيتي، رميتها في الكرتونة، وحطيت البشاكير فوقيها، وقبل ما أقفل درف الكرتونة، سحبت الموبايل وصورت كل ورقة، وصورت السبيكة بختمها ودفتر الشيكات والصورة القديمة في لقطات سريعة واضحة، ورفعت الصور كلها على إيميل سري ماليش غيره عشان لو الموبايل حصله حاجة.
رجعت الكرتونة مكانها بعنف وزقيتها برجلي تحت السرير، وقومت عدلت هدومي وطرحتي، ومسحت عرق بارد كان مغرق جبهتي.
وفجأة، جرس الشقة رن.
مش رنة عادية. ده كان ضرب متواصل، تكتين ورا بعض، وبعدين رزع خفيف على الخشب.
روحت ناحية الباب على طراطيف صوابعي، وبصيت من العين السحرية.
كان راجل طويل، لابس قميص كحلي كاجوال، باين عليه في أواخر الأربعينات، وشه صارم جداً، ومعاه شنطة جلد صغيرة تحت باطه. واقف وباصص في الأرض ومستني، وورا الراجل ده بمسافة درجات سلم، كانت حماتي واقفة، باصة لفوق ووشها أصفر زي الليمونة ومكتومة في عياط مكتوم.
الراجل مد إيده ورن تاني، وبعدها قال بصوت واطي بس واصل من ورا الباب افتحي يا أستاذة نورهان، إحنا مش جايين نعمل دوشة، عايزين كلمتين بالعقل وخلاص.
عرف اسمي منين؟
مسكت أكرة الباب جامد، واتكلمت من غير ما أفتح، بصوت حاولت على قد ما أقدر أخليه ناشف ومش خايف
مين حضرتك؟ وطارق مش هنا، لو في حاجة تعالوا لما جوزي يرجع.
الراجل اتنهد تنهيدة طويلة، وبص على العين السحرية كأنه شايفني أنا عارف إن طارق مش هنا، وعارف إنه في شغله في مصر الجديدة، والموضوع ملوش دعوة بطارق أصلاً، الموضوع يخص الست والدتك ويخص الأمانة اللي نزلتيها من شقة الحجة تحت من ساعتين.
الأمانة اللي تخص والدتي؟!
الدم غلي في عروقي. هو بيتكلم عن أمي أنا؟ فتحت الباب وسبت السلسلة متعلقة، وبصيت له من فتحة الباب الضيقة أمانة إيه وأمي مين؟ إنت مين أصلاً وجاي بيتي بصفتك إيه؟ وحماتي جيباك هنا ليه؟
حماتي طلعت درجة بسرعة، ومدت إيدها تحاول تمسك كتف الراجل عشان تهديه، وقالتلي بصوت مخنوق ومترجي عمري ما سمعته منها افتحي يا نورهان يا بنتي.. افتحي ده الأستاذ معتز، المحامي بتاع المرحوم عمك، والراجل ده جاي يحل، افتحي متخربيش بيتك بإيدك!
معتز ابتسم نص ابتسامة هادية بس فيها غدر واضح، وطلع من جيبه بطاقة كارنيه نقابة المحامين وميلها قدام الفتحة عشان أشوفها يا مدام نورهان، إحنا ناس ولاد حلال وبنتكلم بالقانون وبالأصول. الكراتين اللي نزلتيها دي مش جهاظك، دي فيها ورق وتصفيات تركة تخص ورثة عمك الله يرحمه في البلد، وحماتك كانت شايلاها هنا عشان كان في نزاع عليها في المحاكم، وتفتيشك في الحاجات دي هيورطك في قضية إخفاء أموال ومستندات رسمية.
كلامه كان مترتب وجاهز، كأنه حافظه من سنين، بس هو ميعرفش إني شفت اللي جوة، ميعرفش إني شفت الدهب المكسور والفلوس وتواريخ الدفتر اللي مكتوب فيها أسماء ناس ميتين وناس عايشين.
قلت له ببرود كراتين جهازي عليها اسم معرض التوحيد في شبرا، وعليها اسم أمي ورقم تليفونها بالماركر، والكالون بتاع أوضة نومي اتغير، ومفيش ورقة واحدة طالعة من شقتي غير لما طارق يجي ويكون معايا، ويا مرحب بالحكومة والمحاكم، خلوا المباحث تيجي تفتح الكراتين قدام الناس كلها ونشوف الإخفاء ده بتاع مين وباسم مين!
وش معتز اتقلب في ثانية. البرود والهدوء اللي كان عليه اتبخر، وظهرت الشراسة الحقيقية ورا وشه المنمق. قرب وشه من فتحة الباب وهمس بلاش نكبر الموضوع يا نورهان.. طارق شاب في أول حياته ومش حمل قضايا، ووالدتك ست مريضة سكر وضغط ومش حمل فضايح في منطقتها. الحاجة دي هتخرج من هنا بالهدوء، وحماتك هتديكي حق جهاظك وزيادة عليه مية ألف جنيه تفرشي بيهم شقة جديدة في أي حتة تانية غير هنا، لكن لو راسك نشفت.. أنتي اللي هتكوني كبش الفدا، والكراتين دي هتبقى حبل المشنقة اللي حوالين رقبة جوزك.
حماتي مسكت في ذراعه وقالتله اهدى يا معتز، البت متفهمش، متدخلش طارق في الليلة، طارق ملوش ذنب!
هنا بقى الخيط اتفك تماماً في دماغي.
حماتي مش قوية زي ما كانت بتمثل، حماتي كانت مجرد أداة، ومربوطة من إيدها اللي بتوجعها. ومعتز ده مش مجرد محامي تركة، ده الراجل اللي بيدير اللعبة دي كلها، وطارق.. طارق فعلاً ملوش ذنب، أو على الأقل مش هو المحرك الأساسي، بس هما مستعدين يضحوا بيه لو الحبل ضاق عليهم.
قفلت الباب في وشه ورزعت الترباس، ومردتش على صوت خبطه.
افتحي يا نورهان بدل ما نتصرف تصرف تاني مش هيعجبك! صوت معتز كان عالي المرة دي، فيه توتر مكتوم، بيخبط برجله على الباب.
جريت على الأوضة، طلعت تليفوني بسرعة، وكتبت رسالة لأمي بكلمات مشفرة إحنا متفقين عليها عشان متتخضش ماما، خالي يجيلي حالا ومعاه عمي حسين ضروري، فيه ناس عند الشقة بيتبلوا علينا في موضوع
متابعة القراءة