رواية كاملة
المحتويات
قايلة للهوانم إن ابني مهندس كبير وجايب بوفيه مستورد مخصوص لصالون الثقافة! اتصرف، خد تاكسي، أجر عربية نص نقل، المهم الحاجة تكون في تلاجتي قبل ما الساعة تدق عشرة، وإلا لا إنت ابني ولا أعرفك!
الخط قطع في وشه.
طارق حس إن الدنيا بتلف بيه. قعد على كرتونة من الكراتين وهو ماسك راسه بإيديه الاتنين، الفوطة بدأت تفك من على جنبه، والهوا الساقع دخل في عظامه. بص في كرتونة هدومه، شد بنطلون ترنج قديم كان محطوط على الوش، لبسه بالعافية ورجله بتترعش، ولبس تيشرت نص كم، وقعد يخبط على باب شقته تاني بقبضة إيده، بس المرة دي بخوف ورجاء بسمة.. افتحي عشان خاطر العيال.. نتفاهم جوة.. فضيحتي بقت بجلاجل في العمارة، الحج فتحي واقف يتفرج علينا، افتحي وخدي اللي إنتي عايزاه بس بلاش الشارع!
من ورا الباب المصفح، صوت بسمة طلع هادي، مستقر، ومفهوش ذرة تردد الشارع ده اللي إنت كنت عايز ترمي فيه كرامتي وكرامة ولادك لما قولت ياكلوا رز وعدس عشان أمي متدخلش بإيدها فاضية. مفاتيحك وحاجتك كلها عندك، انزل خد تاكسي وروح لست الحبايب، قولها ابنك جه وإيده فاضية عشان هو أصلاً معندوش حاجة يملى بيها إيده غير على حساب عياله.
والفلوس اللي دفعتها في الأكل ده كله؟! دي محوشة الشهر وسلفيات على مرتبي! هتروح عليا كده؟! الأكل ده دخل تلاجة ولادك يا طارق.. اعتبره نفقة المتعة والمؤخر اللي مش هتشوف منهم مليم، وأهو برضه عيالك أولى بلحم أبوهم من نسوان النادي بتوع مامتك.
صوت رجلين طالعة على السلم خلا طارق يخرس تماماً. كان البواب، عم شعبان، طالع وفي إيده مقشة وجردل، ووراه ابن الحج فتحي الصغير. عم شعبان وقف مبرق يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. إيه ده يا باشمهندس طارق؟! هو حضرتك بتعزل في نص الليل كده ليه؟! والحاجة دي كلها معطلة السلم، السكان مش عارفين يعدوا!
طارق حس إن كرامته بتتداس بجزم كل اللي في العمارة. الراجل اللي كان بينزل يرمي المفاتيح للبواب من البلكونة ويقوله اغسل العربية يا واد، واقف قدامه بهدوم مقطعة ووشه أصفر من القهرة.
مفيش يا عم شعبان.. بنضف الشقة بس.. شيل الشنط دي نزلها تحت على الرصيف لحد ما أطلب أوبر. عم شعبان هز راسه بشك طب والست والعيال مش معاك؟ نزل الحاجة وإنت ساكت يا عم شعبان!
نزل طارق
السلم ورا الشنط خطوة بخطوة، كل درجة كان بينزلها كانت بتحسسه إنه بيهبط لسابع أرض. لما طلع للشارع، الهوا لطش وشه، وقعد على كرتونة من كراتينه على الرصيف مستني العربية، والناس اللي رايحة وجاية من صلاة العشا في الجامع اللي في أول الشارع بتبص عليه باستغراب.
جوة الشقة، الدنيا كانت في ملكوت تاني خالص.
بسمة سندت ضهرها على الباب بعد ما سمعت خطواته وهي بتبعد وصوته وهو بيغور من العمارة. أخدت نفس طويل، نفس كان محبوس جوة صدرها بقاله ست سنين كاملة. حست إن الشقة اللي كانت ديقة وخانقة فجأة بقت واسعة، والسقف اللي كان هابط على نفوخها بقى عالي ونضيف.
راحت على أوضة الأطفال، لقت مازن صحي وقاعد على السرير يفرك في عينيه ماما.. هو مين اللي كان بيخبط جامد كده؟ بابا جه؟ بسمة قعدت جنبه، مسكت وشه بين إيديها وباست جبينه ده الهوا يا حبيبي.. الباب رزع بس من الهوا.. نام إنت وارتاح. هو بكرة في موز يا ماما في اللانش بوكس؟ بسمة ابتسمت بدموع خفيفة مسحتها بسرعة قبل ما يشوفها بكرة في موز، وتفاح أحمر من الكبير، وجبنة رومي بتشد، وفي بانيه ولحمة محمرة.. بكرة هناكل كل اللي نفسك فيه يا قلب أمك.
الولد ابتسم ونام وهو مطمن، ومريم جنبه كانت بتشخر شخير الأطفال الهادي.
بسمة قامت دخلت المطبخ. ولعت النور، وبصت للتلاجة الكبيرة. فتحت القفل الصغير بالمفتاح اللي في جيبها، وفتحت البابين على وسعهم. الرفوف كانت مليانة خير أطباق اللحمة البلدي الفاخرة المغلفة، الجبن المستوردة اللي كان طارق بيجيبها بالاسم لأمه، الشوكولاتات، علب العصير، حتى المكسرات والفاكهة.
مدت إيدها، طلعت تفاحة حمرا كبيرة، غسلتها وأكلت منها قطمة. طعم السكر كان حقيقي، مش مسروق، ولا جاي بجميلة من حد.
قعدت على ترابيزة المطبخ وفتحت اللاب توب بتاعها. الشغل هو اللي نجدها، وهو اللي هيفضل يسندها. كتبت إيميل لمحامي العيلة، الأستاذ سعيد، اللي كان صاحب أبوها برضه مساء الخير يا أستاذ سعيد.. أنا غيرت كالون الشقة، ومعايا عقد الإيجار الأصلي باسمي، وإيصالات السداد. طارق ساب البيت الليلة، وعايزة أرفع قضية طلاق للضرر، وقضية نفقة للصغار بما يتناسب مع دخله الحقيقي في التوكيل، ومعايا ورق يثبت سلفياته ومرتبه الفعلي. مش هتنازل عن مليم لولادي.
قفلت اللاب توب وحست براحة غريبة.. راحة الست اللي خدت حقها بإيدها من غير ما تستنى عدالة متأخرة.
في الناحية التانية من القاهرة، في حي مصر الجديدة الراقي، وتحديداً في شقة الست مديحة.
الساعة كانت داخلة على واحدة بعد نص الليل. الصالون المدهب كان بيلمع، والمفارش الأورجانزا مفروشة على السفرة الكبيرة اللي طولها تلاتة متر، والفضيات مرصوصة على السيرفيس، بس السفرة كانت فاضية تماماً.. مفيهاش غير فازة ورد بلاستيك في النص.
مديحة كانت رايحة جاية في الصالة بشبشبها القطيفة، عمالة تفرك في إيديها وتتصل بالتليفون ما بيردش ليه ده كمان؟! ده زمان الهوانم بيتصلوا يأكدوا الميعاد! الست فوزية مرات المستشار، وناهد هانم عضوة الروتاري.. أقولهم إيه بكرة؟! إن السفرة مفهاش غير شاي وبسكوت؟!
فجأة، جرس الباب رن رنات متقطعة وضعيفة.
مديحة جرت على الباب وفتحته وهي بتزعق كل ده تأخير يا طارق؟! إنت بتلعب بأعصابي.. فين الحا...
وقفت الكلمة في زورها، ورجعت خطوة لورا وهي بتشهق يا نهار مش فايت! إيه المنظر ده؟! مين اللي عمل فيك كده يا بني؟!
طارق كان واقف قدامها، شعره منكوش، الترنج متبهدل وتراب الشارع معفر رجليه، وتحت عينيه سواد مرعب. وراه على بسطة السلم كان فيه تلت كراتين متبهدلين ومربوطين بحبال غسيل، وشنطتين هلاهيل.
طارق.. فين الأكل؟ فين السبتات اللي متزوقة؟ فين اللحمة والجبن المستوردة؟! طارق دخل الشقة وجر رجليه بالعافية، رمى نفسه على أقرب فوتيه مدهب، وصوته طلع مبحوح وميت طردتني يا أمي.. رمتني في الشارع وغيرت الكالون.
مديحة برقت وعينيها وسعت من الصدمة مين دي اللي طردتك؟! بت شاكر الجربوعة تطرد ابني أنا؟! المهندس طارق عبد الله يترمي في الشارع؟! وإنت سكتلها؟! ما كسرتش الباب على دماغها ليه؟! الشقة باسمها يا أمي.. والعقد باسمها، وأبوها دافع خلوها من زمان.. والجيران اتلموا والبواب كان هيجيبلي البوليس.
مديحة لطمت على خدها ببطء الشقة باسمها إزاي؟! وإنت كنت بتدفع الإيجار ليه كل شهر يا مغفل؟! طارق بص في الأرض ومردش. مديحة رجعت بصت له بغل وصرخت والأكل؟! الحاجة فين يا طارق؟! قولي إنك سايب الشنط في التاكسي تحت! قولي إن الأكل جاي في السكة!
طارق رفع وشه، والدموع نزلت من عينيه غصب عنه، دموع القهر والندم اللي جه بعد فوات الأوان الأكل في بطن عيالي
متابعة القراءة