رواية كاملة

لمحة نيوز

على صدرها، وابتسمت ابتسامة باردة مفيهاش أي حرارة.
قعدت على الكنبة وفتحت اللاب توب بتاعها، دخلت على حسابها البنكي اللي عملاه من وراه. بصت على الرقم اتنين وسبعين ألف جنيه. ده شقا تلات شهور من السهر وكتابة الإعلانات والترجمة والتسويق لشركات برة مصر، غير مدخرات صغيرة كانت شايلاها على جنب. الرقم ده كافي جداً إنه يعيّشها هي وعيالها شهور طويلة مرتاحين من غير ما تحتاج مليم أحمر من بني آدم.
الساعة كانت داخلة على حداشر بالليل لما طارق دخل من البلكونة، وشه منور ورجع له مزاجه العالي، وبص لها وهي بتبص في شاشة اللاب إنتي لسه سهرانة تنقري على البتاع ده؟ ده وجع دماغ على الفاضي، بتضيعي وقتك في ملاليم وتسيبي بيتك متبهدل.
بسمة رفعت عينيها بهدوء تام، ونبرة صوتها كانت باردة زي التلج بضيع وقتي عشان ما أطلبش منك تمن بامبرز مريم، ولا تمن جزمة مازن.
طارق نفخ بضيق ودخل على المطبخ ورجعنا للاسطوانة السودة تاني! هو إنتي مابتتعبيش من النكد؟ بدل ما تقومي تحطيلي لقمة أكلها بعد يوم شغل طافح فيه الدم، قاعدة تحسبيها بالورقة والقلم؟ هو البيت ده مفيش فيه حاجة تتاكل خالص؟!
التلاجة قدامك يا طارق، فيها بيض وفول وجزر.. العيال اتعشوا من ده وناموا، شوف إنت عايز إيه وكل.
فتح باب التلاجة ورزعه تاني بغل بيض وجزر؟! إنتي شيفاني أرنب؟! بقى أنا طارق عبد الله اللي بشتغل في أكبر توكيل عربيات، أرجع بيتي أتعشى جزر؟!
بسمة قفلت اللاب توب براحة، وقامت وقفت قدامه مش إنت لسه قايل للعيال يمشوا حالهم برز وعدس؟ قولت لنفسي أكيد اللي يرضاه لعياله يرضاه لنفسه، ولا الأصول بتتغير لما بتدخل بطنك؟
طارق وشه احمر وعروق رقبته نفرت، وقرب منها خطوة وهو بيزعق الزمي حدودك يا بسمة! أنا هنا الراجل، وأنا اللي بقرر الفلوس تروح فين ومين ياكل إيه! وأمي دي خط أحمر، تراب رجليها برقبتك وبرقبة أي حد! يوم السبت ده عزوة وشرف ليا قدام الناس، ومش هسمح لوحدة زيك تدفن راسي في الطين قدام أهلي عشان شوية طلبات تافهة للعيال! والجمعة بالليل حاجتها كلها هتيجي هنا وأنا اللي هوصلها بنفسي بعربيتي، ومش عايز أسمع صوتك لحد ما الأسبوع ده يعدي، فاهمة ولا لأ؟!
بسمة بصت في عينيه مباشرة، من غير ما ترمش، ومن غير ما تتهز شعرة واحدة فيها فاهمة جداً يا طارق.. وعارفة كويس أوي إيه اللي هيحصل يوم الجمعة.
طارق بصلها بشك للحظة، استغرب هدوءها المفاجئ. كان متعود لما بيزعق إنها تبكي، أو تدخل تضرب كف على كف في الأوضة، لكن المرة دي نظرتها كانت غريبة.. نظرة حد شبعان استغناء. بس غروره عماه، وافتكر إنها خافت وجابت ورا. أيوة كده، اتعدلي واعرفي مقامك.. أنا داخل أنام، وتصحي بدري تكويلي القميص الكحلي عشان عندي اجتماع مهم بكرة في الشركة.
دخل الأوضة ورزع الباب وراه.
بسمة وقفت في الصالة لثواني. ممدتش إيدها على قميصه ولا قربت منه. دخلت نامت جنب ولادها على السرير الصغير، حضنتهم بكل قوتها، وقضت الليلة دي بتفكر في تفاصيل الخطة بدقة جراح بيجهز لعملية بتر.
يوم الأربعاء
أول ما طارق نزل الشغل الساعة تمانية الصبح، بسمة اتحركت.
لبست عبايتها ونزلت بالعيال. أول مشوار كان لمحل جزم في أول الشارع، جابت لمازن كوتشي جديد ومريح، واشترت لمريم طقمين خروج وشوزات جديدة وبامبرز من أنضف نوع. عينيها لمعت لما شافت فرحة مازن وهو ماشي في الشارع
بيبص على رجليه ومش مصدق، بيقولها يا ماما الكوتشي ده سريع أوي، بيجري لوحده!. رجعت اشترت خضار وفاكهة وفراخ، وملت شنطة صغيرة وطلعت شقتها.
عملت أكل حلو للعيال، وسابت التلاجة الكبيرة فاضية زي ما هي، وحطت الأكل الجديد في رف مخفي في التلاجة الصغيرة اللي في البلكونة اللي طارق مبيفتحهاش أصلاً.
الساعة اتنين الضهر، اتصلت برقم ألو.. أستاذ مجدي؟ أنا بسمة، بنت الحاج شاكر، ساكنة في شقة الدور الرابع في عمارة المهندسين. أهلاً يا بنتي، إزيك وإزاي الوالدة الله يرحمه والولاد؟ الحمد لله يا عم مجدي.. أنا كنت بكلمك بخصوص عقد الشقة، فاكر لما قولتلك من ست شهور إني عايزة أجدده لسنتين قدام؟ طبعاً يا بنتي، إنتي بنت الغالي والشقة شقتك، هو الباشمهندس جوزك هيعدي يدفع التجديد؟ لا يا عم مجدي، أنا اللي هدفع كل حاجة، بس عندي طلب صغير.. العقد يفضل باسمي زي ما هو، وعايزة نسخة جديدة مختومة من حضرتك بكرة ضروري، عشان بقدم على ورق للعيال. من عيني يا بنتي، بكرة العصر تكون عندك ومعاها إيصالات السداد كلها.
قفلت المكالمة، وبعدها علطول كلمت الأسطى حربي، نجار المنطقة اللي كان بيعمل شغل لأبوها زمان أيوة يا أسطى حربي.. عايزاك تجيلي يوم الجمعة بالليل، بعد صلاة العشا بشوية.. ومعاك كالون جديد للباب المصفح، نوع تركي نضيف، وعايزاك تغير الكالون في عشر دقايق. من العين دي للعين دي يا ست بسمة، تؤمري.
يوم الخميس
طارق رجع البيت متأخر، كان مهدود من الشغل بس عينه بتلمع بالانتصار. دخل وفي إيده كيس كبير رماه على السفرة بإهمال خدي يا ستي، جبتلك نص كيلو جبنة رومي ورغيفين فينو من الفرن عشان ماتقوليش إني مقصر.. بكرة الجمعة، اليوم الموعود. بسمة بصت للكيس، الجبنة كانت من النوع الرخيص، مفرولة وشكلها بايت، بس ما علقتش. هزت راسها وقالت تسلم. طارق استغرب تاني من هدوءها إيه، مالك كافية خيرك شرك كده بقالك يومين؟ ربنا يهديكي دايماً.. بكرة إن شاء الله هعدي على هايبر ماركت كبير بعد الصلاة، هجيب كل طلبات الحجة مديحة، وهجيب الحاجة هنا الأول عشان نوزعها ونرصها في السبتات والعلب الشيك، وأمي هتبعت السواق بتاع خالتك ياخدهم بالليل. تمام، تجيبهم بالسلامة.
يوم الجمعة.. ساعة الصفر
اليوم ده مشي برتم بطيء يحبس الأنفاس. طارق نزل صلى الجمعة، ورجع لابس كاجوال وشيك على سنجة عشرة، وأخد الفيزا بتاعته ومفتاح عربيته ونزل أنا نازل ألف على المحلات عشان أجيب أنضف حاجة.. مش عايز غلطة.. هرجع على المغرب كده بالحاجة.
أول ما الباب اتقفل، بسمة خدت نفس عميق وطلعت كرتونتين كبار كانت شايلاهم تحت السرير.
بدأت بهدوء شديد تفرز البيت هدوم طارق، جزمة، برفاناته، ساعاته الهاي كوبي، أوراقه الخاصة، وحتى الفوطة بتاعته وماكينة الحلاقة.. كل حاجة تخصه في الشقة دي اتلمت واتحطت في الكراتين والشنط الكبيرة بتاعته. سابت له قميص وبنطلون واحد بس على السرير.
الساعة كانت ستة المغرب لما طارق رن الجرس وهو محمل. بسمة فتحت الباب، دخل وهو بينهج، وراه اتنين من عمال السوبر ماركت شايلين كراتين وشنط هدايا فاخرة عليها لوجو محلات معروفة بالاسم.
نزلوا هنا يا رجالة، على السفرة بالراحة.. الحاجة دي حساسة وغالية جداً. العمال رصوا الحاجة وخدوا البقشيش ونزلوا.
طارق قعد على الكرسي يمسح عرقه وهو بيبص للحاجة بفخر مالهوش حدود شوفتي بقى؟ ده الشغل العالي! كيلو اللحمة الإستيك ده بكام؟ والجبنة البارميزان دي جايبها بالشيء الفلاني، غير المكسرات والحلويات الشرقية من العبد.. أمي هترفع راسها بيا بكرة قدام نسوان الحي الراقي
تم نسخ الرابط