رواية كاملة
كانت الساعة داخلة على اتناشر الضهر. وصلت الأرض الريفية، الريحة كانت ريحة ندى متبخر وطين شمس. شافت الجنينة والأشجار اللي سهرت عليهم. حست بوجع خفيف، بس اتحول فورا لإصرار.
راحت ل عم محروس، الغفير العجوز الطيب اللي كان بيحرس الأراضي اللي جنبها وبيعطف على أرض ستها من زمان. نادت عليه يا عم محروس! طلع الراجل وهو بيمسح إيده في جلابيته أهلاً يا ست نهى! خطوة عزيزة، في حاجة في الزرع ولا إيه؟ لا يا عم محروس، تسلم إيدك. بس من النهاردة، البوابة دي تتقفل بالجنزير والقفل ده، طلعت قفل حديد جديد شرياه من الطريق، وممنوع أي بني آدم يخطو جوه الأرض دي غيري. لو طارق جوزي جه، أو أمه، أو أي حد من طرفهم، متفتحش البوابة، ولو حاولوا يدخلوا بالعافية، كلم النقطة فورا وكلمني. فاهم يا عم محروس؟ عم محروس بص في عينيها وفهم إن في حريقة والعة أمرك يا بنتي، رقبتي سدادة، ومفيش دبانة هتدخل غير بإذنك.
نهى قفلت البوابة الكبيرة بإيدها، وسمعت صوت طقة القفل الحديد وهو بيقفل على التعب اللي بنيته. خلاص، اللي بره بره.
على مدار اليومين اللي بعدهم، طارق بدأ يستوعب إن الموضوع وسع منه.
كان متخيل إنها راحت بيت خالتها أو أختها وهتتصل بعد 24 ساعة، بس التليفون مرنش. ولما حاول يتصل بيها يوم الأحد بالليل، لقى الرقم مقفول. كلم شركة الإعلانات بتاعتها، السكرتيرة قالتله ببرود أستاذة نهى واخدة إجازة عارضة ومش موجودة.
الحاجة عفاف كانت قاعدة عنده في الشقة، فارشة في الصالة مع منى بنتها، وعمالين يقلبوا في البيت ويدوروا على أي حاجة بقولك إيه يا طارق، البت دي شكلها لئيمة وراحت تعمل لك مصيبة! سيبك منها، هي اللي خسرانة، بكرة ترجع تبوس الجزم. قوم إنت بس بكره انزل على الأرض وهات لنا باقي شوالات البطاطس اللي هناك عشان نلحق نبيع نصها ونفرز الباقي قبل ما تبوظ، دي خيرها يملى بيوت! منى أخته ردت أيوه يا واد يا طارق، وماتنساش تجيب قفصين طماطم كمان عشان الصلصة قربت تخلص عندي في البيت.
طارق حس بغصة في حلقه. هو مكنش عايز الموضوع يوصل للخراب، بس طمع أمه وضغطها خلوه ينساق وراهم زي الأعمى. قالهم حاضر، بكرة بعد الشغل هسافر الشرقية وأحمل العربية كلها وأرجع.
يوم التنين العصر، طارق وصل مدق التراب بتاع الأرض في الشرقية بعربيته، وكان مأجر عربية نص نقل وراه عشان يشيل المحصول كله على الجاهز زي ما كان متعود.
وقف قدام البوابة، لقى القفل الحديد الكبير والسلسلة التخينة. نزل من العربية ورزع الباب عم محروووس! يا عم محروس افتح! طلع عم محروس من عشته، وقف ورا السور السلك وهو ساند على عصايته أيوة يا أستاذ طارق، خير؟ افتح يا راجل إنت الزفت ده، معايا عربية نقل عشان نشيل المحصول! عم محروس رد بهدوء يستفز الحجر معلش يا بيه، معايا أوامر مشددة من الست نهى صاحبة الملك، ممنوع حد يعتب هنا، لا أنت ولا غيرك. أنت اتجننت يا راجل أنت؟! ست نهى مين، أنا جوزها وليا حق في كل شبر هنا! افتح بدل ما أكسر الباب فوق دماغك! اكسر يا بيه، والنقطة مابينها ومابين هنا خمس دقايق، والشاويش إسماعيل مستني رنة مني، وأنت عارف الحكومة مبتهزرش في التعدي على الأملاك المسجلة.
طارق ضرب الدركسيون بإيده من الغيظ لما لقى سواق النقل بيبصله بنفاد صبر ها يا باشا؟ هنحمل ولا إيه؟ العداد شغال! استنى أنت هنا! طارق طلع تليفونه وجرب يتصل بنهى، بس كان محظور من كل حتة واتساب، تليفون، فيسبوك. مكنش قدامه غير إنه يرجع يجر أذيال الخيبة ويدفع لسواق النقل أجرته ع الفاضي.
يوم التلات، طارق رجع شقته في القاهرة مهدود ومفضوح. فتح الباب لقى المفاجأة الكبرى مستنياه.
نهى كانت واقفة في الصالة.
بس مكنتش لوحدها. كان معاها أستاذ مجدي المحامي، ومعاهم راجلين شغالين في نقل العفش، ومعاهم أمين شرطة شايل محضر إثبات حالة رسمي!
أمه
كانت واقفة في زاوية الصالة وشها مزرق وعمالة تصرخ حرامية! جايبة رجالة تنهب شقة ابني! ومنّى بنتها كانت ماسكة التليفون وبتصور وهي بترتعش.
طارق دخل يجري في إيه هنا؟! أنتوا بتعملوا إيه في بيتي؟! أستاذ مجدي خطى لقدام بكل هيبة قانونية وطلع كارنيه المحاماة والمحضر الرسمي أهلاً يا أستاذ طارق. إحنا هنا بنفذ قرار إثبات حالة وبنمكن الست نهى من أخذ متعلقاتها الشخصية وأجهزتها اللي مثبتة في قائمة المنقولات بالفواتير باسمها. والشرطة هنا عشان تمنع أي شغب أو تعدي من الوالدة الكريمة أو الأخت.
طارق بص لنهى ودموعه كانت قريبة من القهر نهى... أنتي بتعملي فيا كده؟ جايبالي الشرطة والمحامين في بيتي؟ ده أنا جوزك!
نهى بصتله ببرود شديد، كانت بتشاور للعمال ينقلوا حاجتها اللاب توب، شاشتها الخاصة بالشغل، الكاميرا الاحترافية، كتبها، هدومها، وأجهزتها الكهربائية اللي اشترتها من حر مالها قبل الجواز جوزي اللي كان عايزني أجي أزحف وأبوس الأيادي عشان شوية بطاطس؟ جوزي اللي كان باعت عربية نقل يسرق أرضي امبارح؟ لا يا طارق، أنت نسيت إنك راجل من اللحظة اللي سمحت فيها لأمك تهينني في وشي وأنت واقف تضحك وتبرر لها.
الحاجة عفاف زعقت سيبها تغور يا طارق! تاخد عفشها في ستين داهية، بكره أفرشلك أحسن منه وأجوزك ست ستها!
نهى وقفت وبصت للحاجة عفاف بابتسامة نصر خلت الست العجوزة تسكت فجأة فرشيله يا حاجة، بس ابقي ادفعي له بقى نص الإيجار اللي هدفع بيه بكره إشعار إخلاء باسمي من عند صاحب العمارة عشان مش هجدد العقد، وادفعي له قسط العربية بتاعه اللي كنت بشيله عنه كل شهر، وادفعي له القروض اللي كان بيسد بيها نمرة الوجاهة الاجتماعية بتاعته قدام أهلك! وريني بقى هيعيش إزاي من غير بنت الأكابر اللي مش وش نعمة!
طارق وشه شحب تماماً. الحقيقة المرة نزلت عليه زي الصاعقة. هو كان مسنود عليها في كل تفصيلة في حياته وهو مش دريان؛ من أول طبق الأكل اللي بيتحط قدامه بأورجانيك الأرض، لحد الالتزامات المالية اللي كانت بتشيلها من غير ما تحسسه بنقص.
العمال خلصوا تحميل الشنط والحاجة الأساسية الخاصة بنهى في خلال ساعة تحت عيون أمين الشرطة اللي كان كاتب كل مسمار في الدفتر.
نهى وقفت عند عتبة الباب، بصت للشقة اللي بنتها بإيديها لآخر مرة. مكنش فيها أي ذرة ندم، كان فيها راحة ضمير مفيش زيها. بصت لطارق اللي كان واقف ساند على الحيطة زي التايه ورقة طلاقي توصلني على مكتب أستاذ مجدي خلال أسبوع يا طارق. وإلا قايمة المنقولات هتتحرك في المحكمة، وأنت عارف كويس عقوبة تبديد العفش شكلها إيه. بطاطسي وطماطمي وخيري مش هتشوفوا منهم حبة رمل تاني، اشبع بقى ببر أمك اللي على قفايا.
نزلت نهى، وصوت كعب جزمتها على السلم كان زي دقات ساعة بتعلن نهاية