رواية كاملة

لمحة نيوز

وربعت إيديها على صدرها بنظرة لوم وتحدي، من عينيات شوفي مرات أخويا اللي مش وش نعمة.
أنا باخد على الجاهز يا نهى؟... الحاجة عفاف نطقت الجملة دي بنبرة واطية مسمومة، وهي بتبص لنهى من فوق لتحت، بقى شوية الخضار دول هما اللي هيطلعوا عينك عشانهم وتنسي الأصول؟ أنتي بتعايريني بشوية بطاطس وطماطم من زرع ربنا؟
يا ماما مش كده... طارق اتدخل وصوته مهزوز، وشه كان مخطوف وعمال يبص لنهى برجاء، كأنه بيستعطفها تبلع الإهانة وماتفضحهوش، نهى متقصدش يا ماما، هي بس جاية من بره هلكانة والشغل ضاغط عليها...
نهى قربت خطوة ووقفت قدامهم في الصالة، رمت شنطة إيدها ومفاتيح العربية على ترابيزة السفرة بصوت رزع، وعينيها رايحة جاية بين الشكاير اللي متستفة جنب الباب والتلاجة المفتوحة على البحري.
لأ يا طارق، أقصد، وأقصد كل حرف! نهى بصت لحماتها مباشرة من غير ما تطرف عينيها، المسألة مش مسألة خضار يا حاجة عفاف، المسألة مسألة تعب شهور محدش فيكم حس بيه. هو مين اللي كان بيصحى الفجر في عز الحر؟ مين اللي كان بيشيل الفاس وينضف الطين بإيديه؟ مين اللي ضهره كان هيتقطم في الشمس كل جمعة عشان الزرع ده يقوم؟ أنتي مجيتيش ولا خطيتي برجلك خطوة، ولا حتى اتصلتي بيا في التليفون تقوليلي كلمة طيبة يا بنتي عامية في إيه في أراضيكي! ودلوقتي، جاية على البارد المستريح، تشيلي شقى تلات شهور من غير حتى ما تستأذني؟ ده بيتي ودي حاجتي، ولا أنتوا داخلين على وكالة بلدي؟
منى لوت بوزها وردت بنبرة مستفزة يا ساتر يا رب، سترك ورضاك! هو طارق ابن البطة السودة يا نهى؟ مش ده بيته برضه ولا أنتي ناسية؟ البيت ده خيره كله لطارق وأهله، وبعدين هو اللي اتصل بأمي وقالها تعالي عبي اللي أنتي عايزاه، أنتي هتفضحينا على شوية كراتين؟ إيه اللؤم ده!
الدم كان بيفور في نفوخ نهى، حست إنها لو سكتت ثانية كمان هتتخنق. لفت لمنى وقالتلها بصوت قاطع وحاسم طارق جوزي على عيني وراسي، بس البيت ده قايم بيا وبيه، والأرض دي أرض ستي وأنا اللي زرعتها بعرقي وفلوسي. طارق ممدش إيده في حفرة، ولا حط جنيه في شتلة، ولا حتى كلف نفسه يقوم معايا يوم جمعة واحد يونسني! طارق ملوش إنه يوزع من تعبي ولا يفرّق من خيري كأنه فتوة المنطقة وبيمنّ عليا!
طارق وشه احمر من الكسوف، بس بدل ما يحس بغلطه، حس إن كرامته اتهانت قدام أمه وأخته. نفخ صدره ورفع صوته محاولاً يثبت إنه راجل البيت نهى! احترمي نفسك، أنتي زودتيها أوي! أمي ميتعلاش الصوت عليها في بيتي، والشنط دي هتخرج وهتنزل في عربية منى، وإلا هيكون ليا معاكي تصرف تاني خالص!
نهى بصتله، ومكنتش مصدقة إن ده نفس الراجل اللي كان بياكل من إيديها الجمعة اللي فاتت وبيقولها تسلم إيدك يا قمر. بصتله بنظرة خلاها يبص في الأرض غصب عنه. نظرة مفيهاش خوف، فيها قرف وخذلان.
وريني هتخرجها إزاي يا طارق، وريني.
نهى مشيت بمنتهى الثبات لحد باب الشقة، وقفت قدامه وسدت الممر، وربعت إيديها أي شنطة هتتحرك خطوة بره، هطلب البوليس وأعمل محضر سرقة. هقول إنكم داخلين تنهبوا حاجتي، وأنت عارف كويس إن الورق ورق الأرض باسمي، والفواتير بتاعة كل حاجة باسمي. متفتكروش إني عشان طيبة ومبحبش المشاكل يبقى تاكلوا حقي عيني عينك!
الحاجة عفاف شهقت وحطت إيدها على صدرها بوليس؟! هتدخلي البوليس بين الراجل وأمه يا فاجرة؟ بقى أنتي يا حتة عيلة تتبجحي فيا وتقولي هحبسكم عشان شوية بطاطس؟ شوفت يا طارق؟ شوفت بنت الأكابر اللي اخترتها وعملت
لها شنة ورنة؟ أهي بتهددنا بالكلابشات في قلب بيتك!
أمي، وطي صوتك عشان الجيران... طارق كان هيموت من الرعب إن الفضيحة تطلع على السلم، الجيران في العمارة كلهم عارفين بعض، وهو دايماً بيحب يظهر بمظهر السيّد المتجوز في هدوء.
جيران إيه وزفت إيه! الحاجة عفاف رمت الكيس اللي في إيدها على الرخامة بعنف، الطماطم اللي كانت جواه اهرست شوية من الخبطة، أنا ماليش قعدة في البيت الملعون ده ثانية واحدة! قومي يا منى، سيبي لها قوطتها وبطاطسها تاكلهم بالسم الهاري، إحنا مش شحاتين عشان نقف نتشحت من واحدة قاطعة من شجرة زي دي!
منى بصت لنهى بحقد وهي بتسيب الشنط مكانها حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا بعيدة، قطعتي أرحامنا وطردتي أمنا... بكرة تشوفي ربنا هيعمل فيكي إيه على القرشنة دي.
نهى مردتش عليهم بكلمة تانية. كانت وافقة زي الصنم، قلبها بيدق بسرعة بس مفيش دمعة واحدة نزلت من عينيها. الخذلان مبيجيبش دموع، بيجيب نشفان ريق وبرود يكسر الحجر.
الحاجة عفاف مشيت وهي بتتحسب وبتدعي بكل الأدعية اللي حافظاها، ومنى وراها بتنفخ، وطارق نزل يجري وراهم على السلم يحاول يبوس إيد أمه ويراضيها ويقولها حقك عليا يا أمي، متزعليش، هاجيلك لحد عندك وأصالحك.
صوت الباب وهو بيترزع وراهم كان هو النقطة اللي أنهت الزوبعة وبدأت العاصفة الحقيقية في الشقة.
نهى فضلت واقفة مكانها لدقيقة كاملة.
الهدوء رجع، بس كان هدوء تقيل يخنق. الصالة كانت مقلوبة؛ شناط خيش مرمية، كراتين مقطوعة، وأكياس ملوخية طالعة من التلاجة بدأت تلين وتنزل ميتها على السيراميك. نهى مشيت ببطء نحو المطبخ، شافت كيس الطماطم المفروم، والبرطمانات اللي متلخبطة.
قعدت على كرسي السفرة، حطت راسها بين إيديها، وافتكرت طارق أول الصيف وهو بيضحك ويقولها يلا شدي حيلك وأنا في ضهرك. افتكرت كل جمعة كانت بترجع فيها مهدودة، إيديها وجعاها من الشوك وحروق الشمس ملهلبة كتافها، وهو نايم تحت التكييف للمغرب، ولما تصحيه يقولها أنا أصلي مجهد يا نهى مقدرتش أصحى.
كانت بتعدي، وتقول مش مهم، هو برضه شقيان في شغله، وأنا بحب أعمل كده بمزاجي. بس اكتشفت إن العطاء لما بيزيد عن حده مع ناس معندهاش أصل، بيتحول لحق مكتسب، ولما تيجي تفرمل، بتطلع أنتي الشريرة الوحشة اللي قطعتي الخير.
بعد نص ساعة، صوت المفتاح لف في الباب.
نهى مرفعتش راسها.
طارق دخل، قفل الباب وراه براحة تامة، كأنه بيتسلل. وقف في الصالة، وبصلها، وعينيه كانت مليانة غضب مكتوم، غضب راجل اتهان في وسط أهله ومش عارف يلاقي لنفسه مخرج غير إنه يقلب الترابيزة عليها.
مرتاحة كده؟... طارق قالها بنبرة صوت باردة وواطية بس محملة بالشر، برافو عليكي يا نهى. سقطتي من نظري، ونزلتي في عيني لسابع أرض. أمي نازلة من هنا بتعيط وضغطها عالي بسببك، ومستحيل هتدخل البيت ده تاني طول ما أنتي فيه.
نهى رفعت راسها بهدوء غريب، وبصت في عينيه وأنت يا طارق؟ موقفك إيه من اللي حصل؟
موقفي إنك ست أنانية ومبتعرفيش الأصول! طارق قرب منها وشاور بصباعه في وشها، أنا ميهمنيش الزرع ولا الأرض ولا كل الهبل اللي أنتي فرحانة بيه ده! أنتي كسرتي كلمتي قدام أمي وأختي، وقللتي مني

تم نسخ الرابط