رواية كاملة

لمحة نيوز


عاملتكِ كويس.. لو ما رفعتش يدي عليكِ.. كنت أنا الأسعد في الدنيا.. بس اللي اتكسر مش بيتصلح يا ندى.. صح؟
ندى هزت رأسها ببطء
صح.. اللي اتكسر مش بيتصلح.. بس ممكن نبدأ من جديد.. لو تعلمت الدرس صح.
تعلمته.. تعلمته كويس جداً.. بس بعد فوات الأوان..
قالها ثم انصرف، ومشى مبتعداً عنها، يختفي وسط الحشد، وترك ندى واقفة في مكانها تفكر في مصير البشر، وكيف أن أفعالنا الصغيرة قد تغير حياتنا وحياة من حولنا للأبد.
الجزء الخامس
مرت السنوات، وندى أصبحت اسماً لامعاً لا يُنسى في سماء الاقتصاد المصري. أسست مؤسسة خيرية تحمل اسمها، تهتم بتعليم الفتيات وتمكين المرأة، وكانت تساعد كل من يحتاج مساعدة بشرط أن يكون مستحقاً لها، وكانت تقول دائماً القوة الحقيقية مش في إنك تقدر تدمر غيرك.. القوة الحقيقية إنك تقدر تبني نفسك وتساعد غيرك يتبنى نفسه أيضاً.
لم يمر يوم دون أن تتذكر تلك الليلة، ليس بحزن بل كدرس تعلمته، درس جعلتها أقوى وأكثر حكمة. لم تكن تكره شريف ولا أمه، لأن الكره يعني أنك لا تزال تهتم لأمرهم، وهي لم تعد تهتم لأمرهم على الإطلاق. كانوا مجرد جزء من ماضيها، مرحلة انتهت، ودروس تعلمتها، ومضت في طريقها دون أن تلتفت للوراء.
أما شريف فكان يعيش حياة بسيطة جداً، هادئة، بعيداً عن الضوضاء والأضواء. اعتنى بأمه حتى مرضت مرضاً شديداً، وقبل أن تموت طلبت منه أن يوصل رسالة لندى، رسالة واحدة فقط سامحيني يا بنيتي، كنتِ نعمة أضعتها بيدي. وبعد وفاة أمه، عاش شريف وحيداً، يعمل ويعيش ببساطة، ولم يشتكِ لأحد، ولم يطلب مساعدة من أحد، وكان يقول دائماً أنا أستاهل كل ما حدث لي، لو كنت عاملت ندى باحترام كنتِ في مكانة تانية خالص.
في أحد الأيام، كانت ندى تتفقد مشاريعها الخيرية في إحدى المناطق الشعبية، وإذا بها ترى شريف يعمل عاملاً في بناء مدرسة تشرف عليها مؤسستها. كان يرتدي ملابس العمل، ويعمل بجد ونشاط، وعندما رآها توقف عن عمله، ونظر لها بابتسامة هادئة حزينة في نفس الوقت، ثم أنحني لها احتراماً وتقديراً، وكأنه يقول لها أنا احترمكِ الآن أكثر من أي وقت مضى.
ندى ردت عليه التحية بابتسامة هادئة أيضاً، ومضت في طريقها، وعلمت في تلك اللحظة إنها انتصرت حقاً.. ليس لأنها دمرتهم، بل لأنها نجحت في أن تصبح أفضل منهم، وأن تظل إنسانة رغم كل ما تعرضت له من إساءة.
الجزء السادس والأخير
والآن بعد كل هذه السنوات، نقف عند نهاية القصة، نهاية حقيقية، لا شماتة فيها ولا انتقام، بل عدالة الحياة وسنة الكون.
ندى لم تندم على ما فعلته، ولم تتمنى لو كانت تصرفت بطريقة أخرى. كانت تعلم إنها فعلت الصواب، الصواب لنفسها أولاً، ولمن حولها ثانياً. أثبتت إن المرأة ليست مجرد خادمة أو تابعة للرجل، بل هي شريكة حياة، إن احترمت احترمت، وإن أهانت انصرفت. أثبتت إن الكرامة تاج على رؤوس الأحرار، لا يُباع ولا يُشترى، ومن يتنازل عنه يفقد نفسه قبل أن يفقد غيره.
وشريف تعلم الدرس القاسي، الدرس الذي كلفه حياته كلها، تعلم إن الاحترام أساس كل علاقة ناجحة، وإن الحب بدون احترام لا قيمة له، وإن ما يأتي بسهولة يذهب بسهولة أيضاً. تعلم إن يد التي تضرب لا يمكن أن تحتضن، وإن القلب الذي يقسى لا يمكن أن يُحب، وإن الغرور هو بداية النهاية.
والحياة استمرت، تدور دورتها، وتعطي كل ذي حق حقه. لا يظلم ربك أحداً. من زرع حصد، ومن أحسن لقي، ومن أساء تحمل عواقب إساءته.
وهكذا انتهت قصتهم، قصة بدأت بفرح انتهى بحزن، وبدأت بحب انتهى بكراهية ثم تحول لندم، وانتهت بسلام وابتعاد. كل واحد منهم أخذ طريقه، كل واحد منهم دفع ثمن أفعاله، وكل واحد منهم تعلم أن الحياة لا تعطيك كل شيء، وأن ما تفتقده اليوم قد يكون خيراً لك، وما تكتسبه اليوم قد يكون نقمة عليك غداً.
وأخيراً.. تبقى الكلمة التي قالتها ندى في تلك الليلة المشؤومة، الكلمة التي لخصت كل شيء أنا بخلع وبجري قبل ما القرف ده يبقى بقية حياتي!.. وقد فعلت، ركضت نحو حريتها، نحو مستقبلها، نحو كرامتها، وفازت.. لأن من يطلب كرامته لا يخذل، ومن يطلب حقه لا يضيع، ومن يثق بنفسه لا يهزم أبداً.
تمت القصة بحمد الله وتوفيقه

 

تم نسخ الرابط