رواية كاملة

لمحة نيوز


تماماً بتعمل إيه، وإن كل خطوة هيخطاها محسوبة بدقة من قبل ما هو يولد أصلاً.
وصلت لفندق فخم في وسط القاهرة، استأجرت جناحاً فخماً، ودخلت أوضتها، قفلت الباب وراها، ولأول مرة من ساعات سمحت لدمعة واحدة تنزل على خدها.. دمعة واحدة بس، وبعدها مسحتها بيدها، وابتسمت بابتسامة ما كانش فيها أي فرح، لكنها كانت مليئة بالتصميم. فتحت اللاب توب بتاعها، وبدأت تعمل ما لازم يتعمل.
أول شيء عملته إنها دخلت على نظام الشركة الآمن، وبدأت تراجع كل تفاصيل الصفقة. كل العقود، كل الاتفاقيات، كل التواصلات، كل الأسرار.. كل حاجة كانت بإيدها، لأنها هي اللي أنشأتها وأدارتها. والصفقة دي لسه في مرحلة التوقيع النهائي، لم تكن قد اكتملت بعد، وكل شيء مرهون بموافقتها النهائية وتوقيعها على الأوراق الرسمية كشريك أساسي ومفوض من قبل المستثمرين.
شريف كان فاكر إن التوقيع بس مجرد إجراء شكلي، إن الصفقة خلاص في جيبه، إن الفلوس هتجيبه من كل حتة، إنه هيبقى من رجال الأعمال الكبار.. وهو ما كانش يعرف إن القلم اللي هيستلمه للتوقيع عليه ما كانش هيتحرك إلا لو هي سمحت له.
في الصباح الباكر، الساعة 8 صباحاً، كان المحامي سامح واقفاً قدام باب الفندق حاملاً حقيبة الأوراق، وعندما دخل لقى ندى قاعدة بشموخ، ملابسها مرتبة، وجهها نظيف، ولا أثر للدموع عليه، كأن شيئاً ما لم يحدث.
أستاذة ندى.. كل حاجة جاهزة كما طلبتي قالها سامح باحترام، وهو عارف مدى خطورة الموقف، وعارف كمان قوة ندى ونفوذها في الوسط الاستثماري.
ندى أخذت الأوراق ووضعتها جنبها على الطاولة، ثم قالت بصوت واثق ثابت لا يهتز
شكراً لك يا أستاذ سامح. الآن أريدك أن تبلغ شريف فوراً بثلاثة أشياء أولاً، أنا تقدمت بطلب الطلاق رسمياً وأنتِ الوكيل عني في كل الإجراءات. ثانياً، الصفقة الاستثمارية التي كان ينتظرها بلهفة قد أُلغيت بالكامل من جانبي، ولن تتم بأي شكل من الأشكال. ثالثاً، أبلغه أنه ليس لديه أي حق في أي شيء يتعلق بتلك الصفقة، لأن كل ما كان يملكه منها هو مجرد وعد مني، والوعد انتهى.
سامح اتسعت عيناه بصدمة
أستاذة ندى.. أنتِ عارفة إن الصفقة دي قيمتها ملايين، وإن إلغاءها هيعني خسارة فادحة لشريف.. بل وربما يدمّره تماماً؟
ندى رفعت عيناه ونظرت له بنظرة حادة
وأنتَ عارف إنهم ليلة أمس أهانوني، وضربوني، واتعاملوا معاي كأنني خادمة اشتروها بفلوسهم.. ألم يكن من المفكر أن يفكروا في العواقب حينها؟ أنا لم أطلب منهم احتراماً زائداً، أنا فقط طلبت ألا يُكسروا كرامتي.. وهم كسروها، فلا يلومن إلا أنفسهم.
وصلت الرسالة لشريف في نفس الوقت اللي كان قاعد فيه مع أمه ماجدة في الفيلا، وكلهم بيتكلموا عن كيف إن ندى هتعتذر وتعود من نفسها، وكيف إن الحياة هتمشي زي ما هم عاوزين. لما سمع شريف الكلام من المحامي، ضحك في الأول استهزاءً، وقال للمحامي هي مجرد غاضبة شوية، هتروح وتتعقل وتيجي بنفسها تعتذر وتكمل الصفقة، لكن لما سمع المحامي إن ندى فعلاً ألغت الصفقة وسحبت كل شيء، اتغير لون وجهه، وقام من مكانه بسرعة كأن صاعقة ضربته.
ماجدة لاحظت تغير حاله فسألت بقلق
فيه إيه يا ابني؟ وجهك أصفر كده ليه؟ المحامي قال إيه؟
شريف بص لها بصدمة وذهول
قال.. قال إن ندى ألغت الصفقة.. قالت إنها خلاص انتهت، ومش هتتم أبداً!
ماجدة ضحكت بصوت عالي كأنها سمعت نكتة سخيفة
تتكلمي إيه؟ دي الصفقة دي كلها بيدك أنتَ! هي دخلتها منين بس؟ هي فاكرة نفسها مين؟ تمسك نفسك يا ابني، دي مجرد بنت مجنونة بتقول كلام عشان تغيظك، وهي راجعة تانيه تدوس على رجليك وتعتذر!
لكن كلامها ما كانش له أي تأثير على شريف، لأنه بدأ يفتكر كلامها، بدأ يفتكر إن كل خطوة في الصفقة كانت بتتم بمعرفتها ومساعدتها، بدأ يفتكر إن هو ما كانش يعرف حتى نصف التفاصيل الدقيقة اللي كانت تعرفها هي.. وبدأت قلبه تضيق، وبدأت الكوابيس تملأ رأسه.
مرت الأيام الأولى، وشريف كان بيحاول يتصل بندى مرات ومرات، لكن رقمها كان مقفول عنه تماماً. ذهب لبيت أهلها، فقالوا له إنهم ما يعرفوش عنها شيئاً، وإنها طلبت منهم ألا يسمحوا له بالدخول أبداً. حاول يتواصل مع المحامي، فقال له المحامي إن كل الكلام معه عبره فقط، وإن ندى لا تريد رؤيته ولا التحدث معه بأي شكل.
وفي نفس الوقت، بدأت الكارثة تظهر على أرض الواقع. المستثمرين اللي كانوا متفقين معاهم بدأوا يتصلوا بشريف ويقولوا له إنهم انسحبوا من الصفقة لأنهم اكتشفوا إنهم اعتمدوا في الأساس على دراسات وبيانات ندى، وبدونها لا يوجد أي أساس للعمل. البنك اللي كان سيمول جزءاً من المشروع أعلن انسحابه فوراً لأن الاتفاق كان مرتبطاً بموافقة ندى وشركتها. وكل الأبواب اللي كانت مفتوحة لشريف أغلقت في وجهه فجأة، وبقوة.
خلال أسبوع واحد فقط، تحول شريف من رجل على وشك أن يصبح من أصحاب الملايين، لرجل مديون، ومهدد بخسارة كل ما يملكه، لأن بعض الدفعات اللي دفعها كانت من قروض شخصية، والآن لا يوجد أي دخل قادم لسدادها.
ماجدة كانت مش مصدقة اللي بيحصل، كانت كل يوم تصرخ وتلعن وتشتم في ندى، تقول إنها ساحرة، إنها شريرة، إنها هتندم على فعلتها دي، لكن الكلام ما كانش بيرجع الصفقة ولا الفلوس. كانت تقول لشريف اروح لها يا ابني، اركض لها، قول لها أي حاجة، اعتذر لها، قول لها إننا غلطانين، إننا آسفين، المهم ترجع الصفقة تاني!
شريف كان بيجاوبها بصوت متهدج مكسور
أروح لها؟ أنا كنت ضربتها يا أمي.. أنا كنت أهنتها.. أنا وقلت لها كلام يجرح الصخر.. تفتكر هي تسامحني بسهولة؟ تفتكر هي هترجع لي حقي بعد كل اللي عملته فيها؟
ماجدة بكت لأول مرة في حياتها، بكت من الخوف والندم، لأنها بدأت تدرك إنها خسرت كل شيء، وإن الكبرياء والغرور اللي كانوا عندهم كان أثمن من كل الفلوس اللي كانوا بيحلموا بيها.
الجزء الثالث
بعد مرور شهر كامل، كان حال عيلة شريف يُرثى له. الفيلا اللي كانت مليئة بالضحك والصخب والضيوف أصبحت هادئة ومظلمة، والديون بدأت تطرق أبوابهم، والبنك أرسل لهم إشعارات رسمية بتحصيل القروض، وهددوا بالحجز على الفيلا والممتلكات إذا لم يتم السداد في الموعد المحدد.
شريف كان كل يوم يذهب لفندق ندى، يقف في الخارج لساعات طويلة، ينتظر أن يراها ولو لمرة واحدة، لكنها كانت تخرج وتدخل من مدخل خاص، ولم يسمح له أحد بالدخول أو التحدث معها. كان يرسل لها الرسائل تلو الأخرى، رسائل اعتذار طويلة، رسائل يندم فيها على كل فعلته، رسائل يقول فيها إنه يحبها وإنه لا يستطيع العيش بدونها.. لكن ندى لم تقرأ أي منها، لأنها كانت عارفة إن الكلام اللي بييجي بعد الكارثة ما هو إلا رد فعل من الخوف والخسارة، وليس نابعاً من قلب حقيقي.
ندى في تلك الفترة لم تكن مجرد تنتظر لهم ليتدمروا، بل كانت تبني نفسها من جديد. استقلت بعملها الخاص، أسست شركتها الاستثمارية الجديدة، وبدأت تنطلق بقوة، وكل اللي كانوا يعرفوها في الوسط التجاري
 

تم نسخ الرابط