رواية كاملة
كانوا بيقولوا إنها نجمة ساطعة ستلمع في السماء وقت طويل. كانت كل خطوة تخطوها ناجحة، كل مشروع تشارك فيه ينجح، وسمعتها بدأت تنتشر بسرعة كبيرة، فأصبحت من أهم الشخصيات في مجالها في مصر.
وفي نفس الوقت، كانت تتابع أخبار شريف وأمه بكل هدوء، لا بشماتة ولا بفرح، بل بنوع من الارتياح لأن العدالة قد تحققت. لم تتمنى لهم الشر، لكنها أيضاً لم تتمنى لهم الخير بعد ما فعلوه بها. كانت تقول لنفسها من يزرع الريح يحصد العاصفة، وهذه هي سنة الحياة.
في يوم من الأيام، وبينما كانت ندى في مكتبها الجديد الفخم، دخل عليها السكرتير وقال لها بصوت متردد
أستاذة ندى.. هناك شخصان في الخارج يريدان رؤيتك.. يقولان إنهما والدة وزوجك.
ندى توقفت قليلاً عن عملها، ثم رفعت رأسها وقالت بهدوء تام
دخليهم.
بعد دقائق، دخل شريف وماجدة المكتب، وكلاهما في حالة لا تُوصف. ملابسهما قديمة ومهترئة، وجوههما شاحبة وعليها علامات التعب والندم، وعيونهم مليئة بالدموع والخزي. لم يكن شريف ذلك الرجل المتكبر الواثق من نفسه الذي عرفته ندى، ولم تكن ماجدة تلك المرأة المتعجرفة التي كانت تتباهى بسيطرتها على ابنها وبيتها. كانا مجرد بشر عاديين، انكسرهم الحياة، وذاقوا من نفس الكأس الذي سقوه لغيرهم.
ماجدة كانت أول من تكلم، بصوت متهدج يرتجف من البكاء
ندى.. يا بنيتي.. سامحينا.. نحن آسفين.. غلطنا فيكي كتير.. أهناك وقلنا عليكي كلام ما ينبغي.. ضربوكِ وأهناكِ.. وحقكِ علينا كبير.. كبير جداً..
شريف نظر لندى بنظرة ذليلة، نظرة لم يكن يتخيل إنه سينظر بها لأي إنسان في حياته، وقال بصوت مكسور بالكاد يسمع
ندى.. أنا أسف.. أسف على كل شيء.. ليلة فرحنا ما كنت أستاهلش منك أي حاجة من اللي عملته.. كنت غبي.. ومتكبر.. وقلبي كان قاسي.. ما شفتش قيمتك غير لما خسرتك.. ما شفتش قيمتك غير لما كل حاجة راحت من يدي..
ندى استمعت لهما بكل هدوء، ولم تظهر أي انفعال على وجهها، لا غضب ولا رحمة، مجرد هدوء كالصخور الراسخة. ثم تكلمت بصوتها الواثق الثابت الذي لم يتغير
أسمعوني كويس.. أنا مش جاية أشتكي منكم، ولا جاية أطلب منكم تذكيروني بما فعلتموه بي.. أنا عارفة كل تفاصيلها أكتر منكم. جيتوا لي تسامحوني؟ السماح شيء بيني وبين ربنا.. أنا لا أملك أن أحرمكم منه ولا أملك أن أعطيكم إياه. لكن اللي أنا واثقة منه إن كل فعل له رد فعل، وإن ما حدث لكم هو نتيجة أفعالكم أنتم، لا ذنب لي فيه.
ماجدة حاولت تقترب منها وتمسك بيدها، قائلة
بس يا بنيتي.. الصفقة.. أرجوكِ.. ارجعيها تاني.. نحن خسرنا كل شيء.. البنك هيسحب الفيلا.. هنكون في الشارع.. ارحمينا يا ندى..
ندى سحبت يدها ببطء وقالت بصرامة
الصفقة دي كانت هدية مني لشريف.. أعطيتها له عشان كنت بحبه، وعشان كنت فاكرة إننا هنبقى مع بعض. لما انتهى الحب انتهت الهدية. أنا ما أخذتش حاجة ليهم، أنا بس سحبت اللي كان أصلاً لي. شريف كان فاكر إنه يقدر يأخذ مني كل حاجة ويعطيني في المقابل الإهانة والضرب.. ده كان وهم، والوهم انتهى.
شريف انهار على الكرسي الذي خلفه، ودفن وجهه بين كفيه يبكي بصوت عالٍ، يبكي على خسارته، يبكي على غبائه، يبكي على الحظ العاثر الذي أضاعه أغلى ما يملك.
يعني.. يعني مفيش أمل أبداً؟ سألها بصوت باكٍ يائس.
ندى نظرت له نظرة أخيرة، نظرة خالية من أي مشاعر، وقالت
الأمل موجود دائماً.. بس مش في المكان الغلط، ومع الأشخاص الغلط. أنا مش هعيد لك الصفقة، ومش هعيد لك العلاقة، لأن العلاقة دي ماتت في تلك الليلة، ماتت لما رفعت يدك عليّ. والصفقة دي كانت مرتبطة بوجودي في حياتك، ولما خرجت من حياتك خرجت معاها. انصرفوا الآن.. ولا تعودوا مرة أخرى.
خرج شريف وماجدة من مكتب ندى، وكل منهما يحمل ثقل الندم والخزي، ومشيا في الشوارع لا يعرفان إلى أين يذهبان. لم تكن ندى قد انتقمت منهما بالشر، بل انتقمت منهما بالحقيقة.. جعلتهما يريان حقيقتهما بدون أي أقنعة، وجعلتهما يذوقان مرارة الخسارة والذل كما ذاقتها هي.
الجزء الرابع
مرت الأشهر، وبدأت حياة كل منهم تأخذ مجراها في اتجاهين متضادين تماماً.
ندى استمرت في تألقها ونجاحها، توسعت شركتها، وأصبحت من السيدات الرائدات في مجال الاستثمار في مصر، وكانت مثالاً للمرأة الطموحة القوية التي لا تسمح لأي شيء أن يقف في طريقها. لم تتزوج مرة أخرى، ولم تفكر في الرجال، لأنها اكتشفت إن سعادتها لا تعتمد على أحد، وإن قيمتها لا يحددها زوج أو عائلة. كانت تعيش بسلام داخلي، راضية عن نفسها، قوية بذاتها، لأنها استردت كرامتها التي حاولوا سلبها منها.
أما شريف وأمه فكانت حياتهما في انحدار مستمر. خسروا الفيلا لصالح البنك، واضطروا للعيش في شقة صغيرة في منطقة شعبية، بعيدة كل البعد عن الحياة الفارهة التي كانوا يعيشونها. ماجدة مرضت من الصدمة والندم، وأصبحت طريحة الفراش، لا تتكلم إلا نادراً، وكل ما تقوله هو سامحيني يا ندى.. سامحيني يا بنيتي. وشريف كان يعمل في وظيفة بسيطة بأجر ضئيل، يكاد يكفي قوتهما، وكان كل يوم يمر على شارع ندى، يراها من بعيد وهي تدخل وتخرج من سيارتها الفخمة، ويراها الناس يحيطون بها بالاحترام والتقدير، فيتألم قلبه ألماً لا يوصف، لأنها كانت كل ده ملكه، كانت بين يديه، فأضاعها بيده الغبية.
في يوم من الأيام، وبينما كانت ندى تحضر حفلاً كبيراً لتكريمها كأفضل سيدة أعمال في مصر، حضر شريف الحفل، ووقف في الخلف بعيداً عن الأضواء، يراها وهي تتسلم الجائزة وتلقي كلمتها. قال في كلمتها
النجاح الحقيقي مش في المال ولا في النفوذ.. النجاح الحقيقي إنك تقدر تحافظ على كرامتك مهما كانت الظروف، وإنك تقدر تقول لا للإهانة حتى لو كان الثمن غالياً. كتير من الناس بيعتوا كرامتهم مقابل الراحة أو المال أو الحب.. وأنا كنت على وشك إن أكون واحدة منهم، لولا أن الحياة علمتني درساً قاسياً جداً.. علمتني إن الحب اللي بييجي مع إهانة مش حب، وإن العائلة اللي ما تحترمك مش عائلة، وإن الشخص اللي يخليك تتنازل عن نفسك ما يستاهلش تكون معاه. فلا تتنازلوا عن كرامتكم أبداً.. فالكرامة أغلى من كل شيء.
كلماتها كانت كالسهام تخترق قلب شريف، لأنها كانت تتحدث عنه، عنها، عن تلك الليلة التي غيرت مسار حياتهم جميعاً. بكى شريف بدموع حارة، دموع الندم الذي لا ينفع، دموع على فرصة ذهبية أضاعها بيده، وعلى قلب طيب كسره بلا رحمة.
بعد انتهاء الحفل، اقترب شريف من ندى، وكان يرتدي بدلة قديمة ومتهالكة، وشعره أصبح أشيب قبل الأوان، ووجهه عليه علامات السنين والتعب. قال لها بصوت خافت
مبروك.. أنتِ تستاهلي كل خير.. كنتِ دائماً تستاهلي كل خير..
ندى نظرت له، ولم تجد في قلبها أي كره أو حقد، فقط شفقة ورحمة
شكراً يا شريف.. وأتمنى لك حياة أفضل.
أفضل من اللي أنا عايشها؟ مستحيل.. قالها وهو يهز رأسه بمرارة أنا عايش في جحيم الندم كل يوم.. كل ليلة بتخيل نفسي لو رجعت بيّا الأيام لورا.. لو كنت