رواية كاملة
الجزء الخامس السنين تمر والبيت يظل مفتوحاً بالحب
مرت السنين.. وتغيرت حاجات كتير، بس شيء واحد ما تغيرش بيتنا بيفضل مفتوح دايماً لعفاف والحاج فريد، ولكل العيلة، بالحب والاحترام اللي اتأسس عليه من جديد.
عفاف كانت تيجي كل أسبوع، وتجلس معايا في المطبخ، نطبخ مع بعض، نحكي، نضحك.. وكل ما تشوف طاسة جديدة بتقول علميني إزاي أحافظ عليها عشان ما أتلفهاش زي الأول!.. وكنت أضحك وأقول لها اتعلمنا مع بعض يا طنط.. أنا كمان بتعلم منكِ!
وذات يوم، كانت عزومة كبيرة في بيتنا.. كل العيلة اللي كانت موجودة في عزومة السبت دي، جت تاني.. بس المرة دي كانت مختلفة تماماً. عفاف كانت بتقدمني للكل بكل فخر دي بنتي مريم.. اللي علمتني معنى الحب والاحترام.. ولولاها ما كنتش عرفت إني كنت غلطانة!
خالتها تيسير ضحكت وقالت كنت عارفة إن الخير غالب في النهاية.. البنت الطيبة بتجيب الخير حتى لو على أهل الشر!
مازن مسك إيدي تحت السفرة وضغط عليها برفق.. ونظراته كانت بتقول كل حاجة ما تحتاجش كلام. في تلك اللحظة، عرفت إن كل ما مر بنا كان مستاهل.. كل كلمة جارحة، كل موقف محرج، كل دمعة نزلت.. كل ده كان عشان نصل لهاللحظة دي.. لحظة الوحدة والحب والاحترام!
بعد كده بسنوات، الحاج فريد تعب ومرض.. وبقيت عفاف معاه في المستشفى، وأنا كنت أروح لهم كل يوم، أكلّمهم،
أخدمهم، وأقعد جنبهم.. لما توفى الحاج فريد، كانت عفاف محتاجة حد يقف جنبها.. فأخذتها تعيش معانا في البيت، أوضتها نفس أوضة الضيوف، بس بفرق كبير.. دلوقتي هي مرتاحة، محترمة، ومش عايزة تغير مكان حد لأنها عرفت إن مكانها محفوظ في قلوبنا كلنا!
وذات يوم، وهي قاعدة في الحديقة بتاعت البيت، نادتنى جنبها وقالت تعالي يا بنتي.. عايزة أقولك حاجة قبل ما أنسى.. لو رجع الزمن لورا، كنت عملت كل حاجة غلط تاني.. بس عشان أتأكد إنكِ فعلاً الإنسانة اللي بتستاهل كل خير.. وإن الصبر والكرامة بييجي ثمارهما في النهاية!
وأنا كمان سعيدة إن كل ده حصل.. رديت وأنا قاعدة جنبها. عشان نتعلم إن الحب مش معناه التملّك والسيطرة.. الحب معناه إنك تسيب اللي بتحبه يعيش ويكبر ويبقى أحسن ما يمكن!
باست إيدي بكل حب ربنا يخليكِ لينا يا بنتي.. ما كنتش عايزة أحسن منكِ لابني!
الجزء السادس الكرامة تُبنى والبيت يُعمّر بالاحترام
مرت السنين، وكبر أولادنا، وشافوا كيف العيلة المفروض تكون.. شافوا الجدة عفاف وهي تحترمني وأنا أحترمها، وهي تخدم وأنا أخدم، وهي تحب ونحب.. وتعلموا من صغرهم إن البيت مش لحد لوحده، البيت للكل بالحق والعدل والاحترام!
وفي يوم من الأيام، كنت قاعدة مع بنتي الكبيرة في المطبخ، بتعلّمها الطبخ، قالت لي ماما.. صحيح إن تيتا كانت وحشة معاكي في الأول؟
ابتسمت وقلت كانت خائفة يا حبيبتي.. الخوف بيخلي الناس تعمل حاجات غريبة.. بس لما اتأكدت إننا مش هناخد منها حاجة، بل هنزيدها حب واحترام، اتغيرت للأحسن. الناس مش وحشة دايماً.. أحياناً محتاجة بس حد يفهمها ويحطّلها حدود بكل حب!
وأنتِ عملتي كده؟ حطيتي حدود بحب؟
بالظبط يا روحي.. الحدود مش معناها الكره والبعد.. الحدود معناها إنك تحترمي نفسك عشان تقدر تحترمي غيرك.. وإنك متسمحيش لحد يأذيكِ عشان تتعلم هيبتك واحترامك لنفسك!
بصت للمراية اللي قدامي، وشفت نفسي.. مش نفس اللي كانت بتبلع كلامها وتصبر عشان راحة البال.. دي مريم اللي عرفت إن راحة البال مش بتجي بالتنازل عن الكرامة.. راحة البال بتجي لما تثبت حقك بكل هدوء وثبات!
وتبقى الكلمة الأخيرة
البيت ما يُحمى بالصمت والتنازلات.. بل يُحمى بالحدود الواضحة والاحترام المتبادل.. والكرامة لا تُعطى.. بل تُأخذ بثبات وهدوء.. والقلوب إذا عوملت بإنصاف واحترام، قد تغير اتجاهها من العداء للمحبة أسرع مما تتوقع.. ومن يحترم نفسه يحترمه الناس، ومن يضع للناس حدوداً يحفظون له كرامته.. والبيت الذي يُبنى على العدل والاحترام، تظل جدرانه قوية وقلوب أهله مترابطة لا تفرقهم ريح ولا زمن بإذن الله تعالى.
تمت القصة بحمد الله وتوفيقه