رواية كاملة
أنا وجوزي كنا قاعدين في طوارئ مستشفى في القاهرة، وبنتنا الصغيرة اللي عندها أربع شهور بين إيدينا، لما أمه فجأة دخلت من باب الطوارئ وهي بتجري، وخطفت الجاكيت بتاعه من على الكرسي وقالت بعصبية
هو عمره ما وافق إنه يشيل الضغط ده كله! إنتِ الأم، اتصرفي إنتِ!
ولا هي ولا جوزي كانوا يتخيلوا أنا هعمل إيه بعد كده.
الليلة بدأت بسخونية.
حرارتها عدت الأربعين.
بنتنا كانت بتتلوى ومش عارفة تنام بقالها ساعات، ومهما عملت، حرارتها كانت بتعلى أكتر.
اتصلت بدكتور الأطفال بتاعها للمرة التانية.
المرة دي ما اتأخرش في الرد.
قال لي بمنتهى الجدية
خدي البنت الطوارئ حالًا، وما تستنيش للصبح.
وفي الساعة اتنين بعد نص الليل، كنت قاعدة على كرسي بلاستيك في طوارئ مستشفى في القاهرة، تحت نور أبيض قاسي، وأنا ضامة بنتي لصدري وهي بتعيط.
جوزي، أحمد، كان رايح جاي قدامي.
كل شوية يبص في الساعة، ويمسح وشه بإيده، ويتنهد بضيق.
لحد ما قال أخيرًا
الموضوع ده بقى كتير أوي.
رفعت عيني له.
إيه اللي كتير؟
قال وهو باصص في ساعته
عندي بكرة الساعة تسعة واحد من أهم الاجتماعات في شغلي.
بصيت له وأنا مش مصدقة.
أحمد، بنتك حرارتها فوق الأربعين!
أنا عارف.
أمال إنت بتتكلم عن شغلك دلوقتي ليه؟
عشان إحنا بقالنا كتير قاعدين هنا.
عشان مستنيين الدكتور.
طلع نفس بضيق.
أنا مقدرش أفضل هنا طول الليل.
بصيت لبنتنا.
وشها كان أحمر من السخونية، وجسمها الصغير كان مولع بين إيديا.
قلت بهدوء
وأنا كمان مش عايزة أفضل هنا. بس دي بنتنا، ومفيش حد فينا يقدر يقرر إننا نمشي ونسيبها.
هز راسه.
أنا تعبان.
بصيت له.
الطريقة اللي قال بيها الكلمة خلتني أحس إنه بيحطني أنا في خانة السبب.
كأني أنا اللي خليت بنتنا تمرض.
كدت أضحك من جوايا.
أنا أصلًا مش فاكرة آخر مرة نمت فيها ليلة كاملة من ساعة ما خلفنا.
أنا كنت ميتة من التعب.
بس عمر التعب ما كان سبب يخلي الأم أو الأب يسيبوا طفلهم وقت ما يكون محتاجهم.
ما رديتش عليه.
فضلت بس بهدي بنتنا وبطبطب عليها.
بعد كام دقيقة، أحمد طلع موبايله ومشي ناحية آخر قاعة الانتظار.
افتكرت إنه بيتصل بمديره.
قلت يمكن أخيرًا هيقول له إن بنته تعبانة وممكن ما يلحقش اجتماع الصبح.
لكن كنت غلطانة.
بعد حوالي عشرين دقيقة، باب الطوارئ اتفتح.
وأنا أول ما شفت اللي داخلة، عرفت إنها مش جاية تسأل على حفيدتها.
كانت حماتي، سعاد.
كانت سايقة من آخر القاهرة تقريبًا لحد المستشفى في نص الليل.
لكنها ما بصتش لي حتى.
ولا سألت بنتها أخبارها إيه.
ولا حتى قربت تشوفها.
راحت على طول ناحية أحمد.
مسكت الجاكيت بتاعه وحطته في إيده وقالت
يلا يا أحمد.
بصيت لها باستغراب.
يلا على فين؟
بكل بساطة قالت
أنا هاخد أحمد معايا البيت.
أحمد ما نطقش.
ولا كلمة.
سعاد كملت
ينام عندي كام ساعة ويرتاح، عشان عنده شغل مهم الصبح.
فضلت باصة لها ثواني وأنا مش مستوعبة.
يا سعاد، إحنا في الطوارئ!
ردت ببرود
أنا عارفة إحنا فين.
حفيدتك تعبانة!
وابني تعبان.
وأنا كمان تعبانة.
هنا بصت لي بنظرة غريبة وقالت
إنتِ غير.
قطبت حواجبي.
غير إزاي يعني؟
قالت بمنتهى الثقة
إنتِ الأم.
ضميت بنتي أكتر.
وهو أبوها.
وشها اتشد.
بس هو عنده شغل مهم جدًا بكرة.
رديت عليها
وبنته حرارتها فوق الأربعين دلوقتي.
صوتها علي
هو مش ناقص يقعد طول الليل هنا عشان إنتِ بتتوتري وبتكبري الموضوع!
بدأت الناس اللي حوالينا تبص علينا.
أنا كنت متعمدة أوطي صوتي.
أنا مش بكبر حاجة. دكتور الأطفال بنفسه قال لي أجيبها الطوارئ فورًا.
سعاد رفعت إيديها بضيق.
وبعدين قالت الجملة اللي كانت مخبياها من أول ما دخلت
ابني ماكانش متفق إنه يعيش في الضغط ده كله!
كام حد حواليّنا لف وبص.
وبعدين أشارت لي بإيدها وقالت
إنتِ الأم! اتصرفي إنتِ!
فجأة، المكان كله سكت بالنسبالي.
صوت الأجهزة كان لسه شغال.
التليفزيون اللي على الحيطة كان شغال من غير صوت.
وواحدة قاعدة بعيد كانت بتتكلم في التليفون بصوت واطي.
لكن الناس اللي حوالينا كلهم كانوا سامعين.
بصيت لأحمد.
كنت مستنية منه كلمة واحدة بس.
كان ممكن يقول
ماما، كفاية.
أو
أنا مش هسيب بنتي.
حتى لو قال لها
ماتكلميش مراتي كده.
كان ده كفاية جدًا بالنسبالي.
لكن أحمد وقف مكانه.
الجاكيت في إيده.
ساكت.
محرج.
ومش عارف يعمل إيه.
بس ساكت.
وسكوته وقتها وجعني أكتر من كل الكلام اللي حماتي قالته.
لأني في اللحظة دي فهمت أنا واقفة فين عنده.
طول الشهور اللي فاتت، كنت دايمًا بطلع له أعذار.
أحمد مضغوط في الشغل.
أحمد تعبان.
لسه بيتعود على الأبوة.
أمه متحكمة فيه من زمان.
هو مش بيعرف يقف لها.
كان دايمًا فيه سبب يخليه يشيل أقل وأنا أشيل أكتر.
لكن وأنا قاعدة في الطوارئ الساعة اتنين بعد نص الليل، وبنتي سخنة ومريضة بين إيديا، فجأة حسيت إني خلاص شبعت أعذار.
وقفت بالراحة.
عدلت بنتي على كتفي.
وبعدين فتحت شنطتي.
أحمد بص لي باستغراب.
إنتِ بتعملي إيه؟
طلعت موبايلي.
سعاد عقدت دراعاتها وقالت بسخرية
هنعمل إيه بقى؟
بصيت لأحمد في عينه.
وقلت
إنت وأمك قولتوا لي أتصرف لوحدي.
وشه اتغير.
كملت
خلاص... هتصرف.
وبعدين عملت مكالمة.
مش لأمي.
ولا لأختي.
ولا حتى لصاحبتي.
اتصلت بشخص أحمد وسعاد عمرهم ما كانوا يتوقعوا إني أكلمه.
الرد جه بسرعة.
لفيت وشي بعيد عنهم شوية.
وقلت
أنا منى عبدالسلام.
أحمد فضل باصص لي.
أيوه، أنا موجودة دلوقتي في طوارئ مستشفى في القاهرة.
سعاد بدأت تبص لي بقلق.
كملت
بنتي عندها أربع شهور.
سكت شوية وأنا بسمع الطرف التاني.
أيوه.
وبعدين قلت
جوزي موجود هنا، بس أمه جاية تاخده معاها، وهو فعلًا كان ناوي يمشي، مع إن بنتنا لسه مستنية الدكتور يكشف عليها.
أحمد قرب مني.
منى...
رفعت إيدي له من غير ما أبص له.
وقف مكانه.
جاوبت على شوية أسئلة تانية.
أيوه.
لأ.
بالظبط.
في اللحظة دي، سعاد بدأت تستوعب إن المكالمة دي مش مكالمة عادية.
سألتني بعصبية
إنتِ بتكلمي مين؟
ما رديتش عليها.
كملت كلامي في التليفون.
وبعد دقيقة، قفلت المكالمة.
أحمد بص لي بقلق.
إنتِ كلمتي مين؟
حطيت الموبايل في شنطتي.
وقلت
إنت كنت عايزني أتعامل مع الموضوع لوحدي، صح؟
سعاد فتحت بوقها تتكلم.
بصيت لها وقلت
خلاص. أنا اتصرفت.
أحمد قرب مني خطوة.
منى، استني بس.
لأ.
وشه اتشد.
إنتِ عملتي إيه؟
بصيت له بثبات.
اتأكدت إن كل اللي حصل الليلة دي يبقى متسجل، لو قررت تخرج من الطوارئ وتسيب بنتك وهي لسه مستنية تتكشف.
وشه اتغير في لحظة.
سعاد اتعصبت وقالت
إنتِ بتكبري الموضوع بطريقة سخيفة!
رديت عليها بهدوء
ممكن.
وبعدين بصيت لأحمد.
بس أنا خلاص تعبت.
سكت لحظة.
تعبت من إني أبقى أنا اللي أشيل كل حاجة وكل نتيجة لوحدي، وكل ما التربية والمسؤولية تبقى تقيلة، الكل ينسحب وأنا اللي أفضل أشيل الليلة كلها على دماغي.
أحمد بص لبنتنا.
وبعدين بص ناحية باب الخروج.
وبعدين رجع بص لي.
ولأول مرة من بداية الليلة...
ماكانش شكله تعبان.
كان شكله خايف.
وبعد شوية، باب الطوارئ اتفتح مرة تانية.
دخل شخص جديد.
وأول ما أحمد شافه...
وشه قلب.
اللون اختفى من وشه.
حتى سعاد سكتت.
لأن الموضوع في اللحظة دي ما بقاش مجرد خناقة بين ست وجوزها وحماتها.
قرار أحمد إنه حتى يفكر يسيب بنته الصغيرة، وهي مريضة وفي الطوارئ الساعة اتنين بعد نص الليل...
كان على وشك يقلب لمصيبة أكبر بكتير.
ولأول مرة، أحمد فهم حاجة واحدة بوضوح
أنا خلاص...
مش هحميه من نتيجة اختياراته.
الفصل الأول
وأول ما أحمد شاف الشخص اللي دخل من باب الطوارئ، وشه قلب.
اللون اختفى من وشه.
سعاد نفسها سكتت، والجاكيت اللي كانت لسه ماسكاه بإيدها نزل من إيدها من غير ما تحس.
أنا بصيت ناحية الباب.
كان راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة غامقة، وفوقها جاكيت شتوي، وشكله واضح إنه نزل من بيته على عجل.
ورا منه كان فيه اتنين من أفراد الأمن.
أحمد همس
بابا؟!
بصيت لأحمد.
باباه؟
أنا أعرف والد أحمد، الحاج محمود، طبعًا.
بس اللي صدمني مش إنه جه.
اللي صدمني إن أحمد أول ما شافه، اتراجع خطوة.
الحاج محمود بص