بنتي ماتت حكايات زيزي
بنتي ماتت وهي عندها 18 سنة بس، بعد ما ولدت بفترة قصيرة... ومحدش كان يعرف مين أبو ابنها.
فاضطريت أربي حفيدي لوحدي.
لمدة عشر سنين، كنت فاكرة إن اللغز ده هيفضل مدفون مع بنتي للأبد.
لحد اليوم اللي وقفت فيه جنب قبرها...
وظهرت قدامي ست عمري ما شفتها قبل كده، وقالتلي بصوت واطي
أنا وعدت بنتك بحاجة... وأعتقد إن جه الوقت أخيرًا إنك تعرفي الحقيقة.
من اللحظة دي، حياتي كلها اتغيرت.
لما بنتي مريم قالتلي لأول مرة إنها حامل، كانت لسه مكملة 18 سنة من فترة بسيطة.
افتكرت إنها بتهزر.
ضحكت وقلت لها
إنتِ بتتكلمي جد؟
لكن أول ما شفت عينيها، عرفت إن مفيش هزار.
قعدت قدامها وأنا مش عارفة أقول إيه.
سألتها
مين أبو الطفل يا مريم؟
وطبعًا كنت متوقعة إنها هتقول اسم شخص أعرفه.
لكنها سكتت.
رجعت سألتها
مريم، أنا أمك. مهما حصل، قوليلي.
رفعت عينيها وقالت
يا ماما، أرجوكي... أنا أقدر أتصرف.
الجملة دي كانت كل اللي سمعته.
حاولت أعرف منها أكتر.
مين هو؟
هل عارف بالحمل؟
هل هيتجوزها؟
هل أهله يعرفوا؟
لكن كل مرة كنت بفتح الموضوع، كانت بتقفل الكلام بسرعة.
وفي مرة، لما ضغطت عليها، قامت من قدامي ودخلت أوضتها وقفلت الباب.
ومن ورا الباب سمعتها بتعيط.
ساعتها حسيت إني لو فضلت أسأل، ممكن أخسر بنتي وهي لسه عايشة.
فبطلت.
وقلت لنفسي
لما تكون مستعدة، هتحكي.
لكنها ماحكتش.
عدت شهور الحمل.
كنت بحاول أكون جنبها قدر الإمكان.
أجهز لها الأكل.
أوديها للدكتور.
وأطمن عليها.
وفي كل مرة كنت ببص لبطنها، كان جوايا سؤال واحد
مين أبو الطفل؟
لكنني كنت ساكتة.
لحد ما جه يوم الولادة.
كنت قاعدة في المستشفى مستنية.
الساعات كانت بتعدي ببطء شديد.
وفجأة، شفت الدكتور خارج من غرفة العمليات.
مجرد نظرة واحدة على وشه خلت قلبي يقع.
قمت بسرعة.
بنتي كويسة؟
الدكتور سكت لحظة.
وبعدين قال
أنا آسف جدًا... عملنا كل اللي نقدر عليه.
حسيت إن الأرض اختفت من تحت رجلي.
مسكت في الحيطة وقلت
مريم؟
هز راسه بأسف.
أنا حتى ماقدرتش أعيط.
كل اللي قدرت أقوله
والبيبي؟
الدكتور رد
البيبي كويس.
وبعدين أضاف
لكنه هيحتاجك جنبه.
في اللحظة دي فهمت إني خسرت بنتي...
لكن كسبت مسؤولية عمر كامل.
رجعت البيت بحفيدي.
طفل صغير جدًا، ملامحه لسه مش واضحة.
كنت ببص له بالساعات وأسأل نفسي
إنت ابن مين؟
لكن كل ما أبص في عينيه، كنت أشوف مريم.
فقررت أربيه.
مش عشان أخبي الحقيقة.
لكن لأن الحقيقة الوحيدة اللي كنت أعرفها وقتها...
إنه ابن بنتي.
مرت الأيام.
وبعدين السنين.
كبر الطفل واسميته آدم.
كان طفل هادي، طيب، وفضولي جدًا.
من وهو صغير كان بيحب يسأل عن كل حاجة.
وفي يوم، وهو عنده خمس سنين، شاف صورة لمريم على الرف.
سألني
تيتة، دي مين؟
قلت له
دي ماما.
فضل ساكت شوية.
وبعدين قال
هي راحت فين؟
اتوجعت.
لكن ابتسمت وقلت
راحت عند ربنا.
سألني
طب بابا فين؟
وقتها اتجمدت.
لأني كنت عارفة إن السؤال ده هييجي يومًا ما.
قلت
معرفش يا حبيبي.
بصلي باستغراب.
يعني إيه متعرفيش؟
مسحت على شعره وقلت
لما تكبر هفهمك كل حاجة أعرفها.
كبر آدم.
ومع كل سنة، السؤال كان بيرجع.
لكنني لم أكذب عليه.
كنت دائمًا أقول
أنا فعلًا معرفش مين أبوك.
وكان ده أصعب شيء في حياتي.
لأني لم أكن أملك حتى إجابة بسيطة أعطيها لطفل يسأل عن نصف عائلته.
مرت عشر سنين.
وفي يوم، قررنا نروح نزور قبر مريم.
كان آدم عنده عشر سنين وقتها.
وقبل ما نطلع التل، كان ماسك كارت صغير.
سألته
إيه ده؟
قال
عملته لماما.
ابتسمت رغم وجعي.
هتفرح بيه.
لكن فجأة وقف.
حط إيده على جيبه وقال
يا تيتة... أنا نسيت الكارت في العربية!
ضحكت وقلت
خلاص، انزل هاته.
جري ناحية موقف العربيات.
وأنا كملت طريقي للقبر.
لكن أول ما وصلت...
شفت ست واقفة هناك.
ست عمري ما شفتها قبل كده.
كانت واقفة قدام قبر مريم من غير ورد.
ومن غير ما تقرأ فاتحة.
بس كانت بتبص للاسم المحفور على الحجر.
قربت منها وقلت
حضرتك تعرفي مريم؟
الست لفت ناحيتي.
وأول ما شافتني، وشها اتغير.
قالت
إنتِ أمها؟
قلت بحذر
أيوه... إنتِ مين؟
بصت ناحية المكان اللي آدم كان نازل منه.
وبعدين رجعت بصتلي.
وقالت
أنا مستنياكي من عشر سنين.
حسيت بقشعريرة في جسمي.
مستنياني أنا؟
هزت راسها.
أيوه.
سألتها
ليه؟
مدت إيدها داخل شنطتها.
طلعت جواب قديم.
كان مقفول.
وعليه اسمي.
لكن أول ما شفت الخط...
اتجمدت.
كان خط مريم.
قلت بصوت مبحوح
ده... خط بنتي.
قالت
أيوه.
مسكت الجواب بإيد مرتعشة.
إنتِ كنتِ تعرفيها؟
قالت
كنت أعرفها.
وكانت تعرفك؟
أكتر مما تتخيلي.
بصيت للجواب.
وبعدين بصيت لها.
ليه معاكي رسالة من بنتي من عشر سنين؟
الست نزلت عينيها.
وقالت
لأنها طلبت مني ما أسلمهاش ليكي إلا بعد ما يحصل شيء معين.
قلبي دق بسرعة.
إيه هو؟
قالت
لما ابنها يوصل لعشر سنين.
سكت.
بصيت ناحية الطريق.
آدم كان لسه بعيد.
رجعت بصيت لها وقلت
إنتِ عارفة مين أبو ابني؟
هنا سكتت فترة طويلة.
وبعدين قالت
أيوه.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
مين؟
لكنها ماجاوبتش.
بدل كده، مدتلي الجواب.
وقالت
مريم ما كانتش خايفة إنك تعرفي الحقيقة...
وسكتت.
كانت خايفة إن الحقيقة تأذيك.
بصيت للجواب كأني لأول مرة أشوفه.
قلت
أنا مستعدة أعرف أي حاجة.
هزت راسها.
حتى لو الحقيقة هتغير كل اللي كنتِ فاهمينه عن بنتك؟
قلت
حتى لو هتوجعني.
ردت
يبقى افتحي الجواب.
مديت إيدي للظرف.
وقبل ما أفتحه...
سمعت صوت آدم من ورايا
تيتة!
لفيت بسرعة.
كان واقف بعيد، ماسك الكارت في إيده.
لكن أول ما شاف الست...
وقف مكانه.
والست أول ما شافته...
وشها اتغير تمامًا.
بصتله كأنها شافته قبل كده.
رغم إنني كنت متأكدة...
إنها لم تقابله في حياتها.
همست
هو ده آدم؟
قلت
أيوه.
سكتت لحظة.
وبعدين قالت جملة خلت قلبي يقف
يبقى هو فعلًا يشبه أبوه.
رفعت عيني لها بسرعة.
إنتِ شفتي أبوه؟
لكنها ماجاوبتش.
فقط قالت
افتحي الجواب يا أم مريم.
وأنا واقفة بين حفيدي...
ورسالة بنتي...
والمرأة الغامضة...
كنت لأول مرة على بعد ثوانٍ من معرفة السر اللي عاش معايا عشر سنين.
مين أبو آدم؟
وليه مريم أخفت اسمه عني؟
وليه طلبت إن الرسالة ما توصلنيش غير بعد ما ابنها يتم عشر سنين؟
والأهم...
إيه الحقيقة اللي كانت مريم خايفة إنها تأذيني؟مديت إيدي للظرف، لكن إيدي كانت بتترعش لدرجة إني ماعرفتش أفتحه.
آدم قرب مني وقال
تيتة، الست دي مين؟
بصيت له بسرعة، وبعدين بصيت للست.
قالت بهدوء
أنا كنت أعرف مامتك.
آدم ابتسم وقال
تعرفي ماما؟
الست ابتسمت له، لكن عينيها كانت مليانة دموع.
أيوه يا حبيبي.
سألها
هي كانت بتحبني؟
الست ماقدرتش ترد فورًا.
بصتلي، وكأنها مستنية مني الإذن.
فقلت
طبعًا كانت بتحبك.
آدم نزل عينيه على الكارت اللي في إيده وقال
أنا جبتلها حاجة.
ومشى ناحية القبر.
ركع وحط الكارت قدام شاهد القبر.
وبص للاسم المكتوب عليه.
كل سنة وإنتِ طيبة يا ماما.
الكلمة كسرت قلبي.
لفيت وشي عشان مايشوفش دموعي.
أما الست، فكانت واقفة ساكتة.
بعد ثواني قالت
مريم كانت دايمًا بتتكلم عنه.
بصيت لها.
عن مين؟
قالت
عن ابنها.
قلت
آدم؟
هزت راسها.
أيوه.
سألتها
كانت بتتكلم عنه إزاي؟
ابتسمت بحزن.
كانت بتقول إنها نفسها تشوفه وهو كبير.
سكتت شوية، وبعدين أضافت
وكانت بتقول إن أبوه أكيد هيحبه جدًا.
قلبي اتقبض.
قلت
يبقى أبوه كان موجود؟
الست بصتلي مباشرة.
كان موجود.
حسيت إني مش قادرة أتنفس.
طب ليه عمره ما ظهر؟
قالت
لأنه ماكانش يعرف إن مريم ماتت.
اتصدمت.
إزاي؟
قالت
لأن مريم كانت مخبية عنه حاجات كتير.
ليه؟
الست بصت ناحية آدم.
لأنها كانت خايفة عليه.
سألتها
خايفة عليه من إيه؟
ردت
مش منه.
وسكتت.
كانت خايفة إن عيلته تمنعها من تربية ابنها.
أنا ما فهمتش.
قلت
عيلته؟
هزت راسها.
مريم كانت متجوزة.
الجملة وقعت عليّ كأنها صدمة.
بصيت لها وأنا مش مستوعبة.
إيه؟
قالت
مريم كانت متجوزة.
صوتي خرج ضعيف
بنتي كانت متجوزة؟
أيوه.
وإزاي أنا معرفش؟
نزلت عينيها.
لأنها طلبت مني ما أقولكيش.
قربت منها.
مين جوزها؟
مدت إيدها للظرف.
اسمه موجود في الجواب.
بصيت للظرف.
ثم سألت
وليه مريم ماقالتش لي؟
قالت
لأنها كانت فاكرة إنك هتخافي عليها.
أخاف عليها من جوزها؟
مش منه.
سكتت لحظة.
من عيلته.
رجعت بصيت ناحية آدم.
كان واقف قدام قبر أمه، مشغول بالكارت.
قلت لها
أنا مش فاهمة حاجة.
قالت
عشان كده مريم كتبت كل حاجة.
أخيرًا فتحت الظرف.
جوا الرسالة ورقة مطوية بعناية.
وأول سطر فيها كان
ماما... لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى أنا ماقدرتش أقولك الحقيقة بنفسي.
اتحبست أنفاسي.
كملت
أنا عارفة إنك هتزعلي مني، وعارفة إنك هتسألي نفسك ليه خبيت عنك. بس أنا ماخبيتش عشان ما بثقش فيكي... أنا خبيت عشان كنت بحاول أحمي ابني.
وقفت عن القراءة.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
الست قالت
كملي.
رجعت للرسالة.
أنا اتجوزت من آدم أبوه بعقد رسمي، والجواز كان معروف عند ناس قليلة جدًا. هو كان مسافر وقتها بسبب شغله، وكنا بنرتب إننا نعيش مع بعض بعد ما يرجع.
اتنفست ببطء.
إذن ابنتي لم تكن وحدها.
كان لها زوج.
وكان هناك أب حقيقي للطفل.
كملت القراءة
ماما، أنا ماكنتش خايفة منه. بالعكس... هو كان أكتر شخص وثقت فيه. لكن حصل خلاف كبير بين العيلتين، واضطرينا نخبي الجواز لفترة.
رفعت عيني للست.
يعني هو كان جوزها فعلًا؟
قالت
أيوه.
رجعت للرسالة.
لو حصل لي حاجة، أهم حاجة عندي إن آدم يفضل معاكِ لحد ما تتأكدي إن الوقت مناسب يعرف أبوه.
قلبي دق بعنف.
وقرأت السطر اللي بعده
لكن في حاجة لازم تعرفيها قبل ما تبحثي عنه...
توقفت.
إيدي جمدت.
كان تحت السطر فراغ طويل، وكأن مريم كانت مترددة وهي بتكتب.
ثم قرأت
أبوه مش هو الشخص اللي الناس كانت فاكرة إنه أبوه.
بصيت للست بسرعة.
يعني إيه؟
قالت
كملي.
قرأت
يوم ولادتي، كان في شخص حاول يمنع وصول خبر ولادة آدم لأبوه.
شهقت.
مين؟
لكن الإجابة كانت في آخر الصفحة.
اسم واحد.
اسم رجل لم أسمعه في حياتي.
عم آدم.
سكتُّ تمامًا.
رفعت عيني للست.
عمه؟
هزت راسها.
أيوه.
ليه يعمل كده؟
قالت
دي الحكاية اللي مريم ماقدرتش تحكيها لك.
في اللحظة دي، سمعت صوت آدم من بعيد
تيتة!
لفيت.
كان واقف ماسك الكارت، لكنه ماكانش لوحده.
كان فيه رجل واقف عند بداية الطريق.
رجل في منتصف العمر.
كان بيبص ناحية القبر.
وبمجرد ما شاف الست...
تغيرت ملامحه.
الست شهقت وقالت
مستحيل...
سألتها
مين ده؟
ما ردتش.
الرجل بدأ يمشي ناحيتنا.
خطوة...
ثم خطوة...
ثم وقف أمامنا.
وبص لآدم طويلًا.
وبص للصورة الموجودة على قبر مريم.
ثم قال بصوت مكسور
أنا كنت فاكر إن ابني مات من عشر سنين.
أنا ماقدرتش أتكلم.
آدم بص له باستغراب.
أما الرجل، فدموعه نزلت وهو بيقول
ماكنتش أعرف إن مريم ماتت...
ثم بصلي وقال
ولا كنت أعرف إن ابني عاش كل السنين دي بعيد عني.
وقتها فهمت...
إن الرجل اللي قدامي مش مجرد شخص يعرف مريم.
ده كان زوج بنتي... وأبو حفيدي فضلت باصة للرجل قدامي، وأنا مش قادرة أستوعب اللي سمعته.
آدم كان واقف جنبي، وبص للرجل باستغراب.
قال
تيتة... هو مين؟
ماعرفتش أرد.
الرجل مسح دموعه بسرعة، وكأنه مش عايز يظهر ضعفه قدام طفل لأول مرة يشوفه.
وقال
اسمي يوسف.
آدم مد إيده بتردد.
أنا آدم.
يوسف بص لإيده، وبعدين مسكها بكلتا إيديه.
وأول ما لمسه، عينيه اتمليت دموع.
قال بصوت مبحوح
عارف.
آدم استغرب.
إزاي عارفني؟
يوسف ابتسم بحزن.
عشان إنت ابني.
آدم سحب إيده فجأة وبصلي.
تيتة؟
أنا حسيت إن قلبي اتقطع.
كنت عارفة إن اللحظة دي هتيجي يومًا ما، لكني ما توقعتش أعيشها بالشكل ده.
قلت بهدوء
آدم... هو والدك.
فضل ساكت.
يوسف ماحاولش يقرب منه.
قال
مش هطلب منك تعتبرني باباك من أول يوم. أنا عارف إنك ما تعرفنيش، ومن حقك تاخد وقتك.
آدم بص له وقال
إنت كنت فين؟
السؤال كان بسيط...
لكن وقع على يوسف كأنه ضربة.
نزل عينيه.
كنت بدور