رواية كاملة

لمحة نيوز


كل حاجة.
دخلت غرفة الزيارة.
كان قاعد قدامي، وشكله أكبر بعشر سنين.
أول ما شافني، قال
نهى.
ما رديتش.
أنا عارف إنك بتكرهيني.
أنا مش عارفة أكرهك ولا لأ.
نزل عينيه.
أنا غلطت.
غلطت لما وافقت على التجربة؟ ولا لما كدبت عليا؟ ولا لما جبت طفلة تانية وحاولت تقنعني إنها بنتي؟
سكت.
كلهم.
إنت كنت عارف إن سلمى ماتت؟
هز راسه.
أيوه.
من إمتى؟
من يومها.
وكنت واقف جنبي وأنا بدفن جثمان طفل تاني؟
دموعه نزلت.
أنا كنت خايف.
وأنا كنت بعيط على بنتي قدام جثمان مش جثمانها.
أنا آسف.
الاعتذار مش هيرجعها.
عارف.
ولا هيرجع السنتين اللي ضاعوا مني.
عارف.
قمت.
قبل ما أخرج، بصيتله وقلت
فيه حاجة واحدة بس عايزة أقولها لك.
رفع عينيه.
سلمى ما كانتش محتاجة تموت عشان تحبها. كانت محتاجة أب يحميها، مش أب يبيع خوفه على حسابها.
ما ردش.
خرجت.
وكان دي آخر مرة أشوفه فيها.
الجزء الثاني عشر مريم
بعد كل اللي حصل، مريم فضلت عند أخت أحمد فترة.
ما كنتش قادرة أخدها معايا فورًا.
مش لأنها مذنبة.
لكن لأنها كانت طفلة اتسرقت منها طفولتها.
كانت عايشة طول الوقت وهي فاكرة إن لازم تقلد بنت ميتة عشان حد يحبها.
في يوم، رحتلها.
كانت قاعدة بتلون.
أول ما شافتني، قامت.
ماما؟
وقفت قدامها.
وبعدين نزلت على ركبتي.
أنا مش مامتك يا مريم.
وشها اتغير.
بس بابا قال
بابا كان غلطان.
بدأت تعيط.
إنتِ مش هتحبيني؟
حضنتها.
أنا بحبك. بس مش عشان إنتِ شبه سلمى. أنا بحبك عشان إنتِ مريم.
سكتت.
وبعدين قالت
ينفع أعيش معاكي؟
دموعي نزلت.
ينفع.
بس أنا مش هقلد سلمى تاني.
مش لازم.
ومش هقضم الجزر كده؟
ضحكت وسط دموعي.
لأ، كلي الجزر زي ما تحبي.
ابتسمت لأول مرة ابتسامة حقيقية.
مش ابتسامة سلمى.
ابتسامة مريم.
الجزء الثالث عشر جرة الرماد
بعد شهور من التحقيقات، استلمت تقريرًا رسميًا يثبت إن الجثمان اللي اتدفن باسم سلمى لم يكن جثمانها.
النيابة فتحت قضية جديدة.
وبعد بحث طويل، قدروا يحددوا مكان جرة الرماد اللي كانت في بيتنا.
أحمد كان مخبيها في مخزن تابع للمركز.
لما رحت أستلمها، الموظف سلمني صندوق صغير.
حطيته على صدري.
ما صرختش.
ما وقعتش.
بس حسيت إني أخيرًا رجعت أتنفس.
رجعت البيت، ووضعت الجرة في مكان هادي.
جنب صورة سلمى.
وبعدها، فتحت كراسة الرسم.
قلبت لآخر صفحة.
كانت الرسمة اللي لقيتها قبل كده.
بيت كبير.
بنت صغيرة.
وشباك أسود.
لكن لما قلبت الصفحة اللي بعدها، لقيت ورقة كانت ملزوقة من الخلف.
فصلتها بهدوء.
كان مكتوب بخط سلمى
ماما، لو أنا مشيت، خليكي قوية. أنا بحبك.
قعدت على الأرض.
وضمّيت الورقة لصدري.
وبكيت.
بكيت لأول مرة من غير ما أحس إني بخون بنتي.
النهاية سلمى مش هترجع بس حبها هيفضل
عدت سنة كاملة.
مريم بقت بتروح المدرسة.
وبقت بتحب الرسم، وبتكره المكنسة، وبتاكل الجزر بطريقتها الخاصة.
وأنا بدأت أتعالج نفسيًا.
مش عشان أنسى سلمى.
عشان أتعلم أعيش من غير ما أدفن نفسي معاها.
في يوم ذكرى وفاة سلمى، أخدت مريم وروحنا المقابر.
وقفت قدام المكان اللي كنت فاكرة سنتين إنه قبر بنتي.
ما كانش قبرها.
لكن حطيت وردة بيضا.
وبعدين رجعت البيت، وحطيت جرة رماد سلمى جنب صورتها.
مريم وقفت قدام الصورة.
وقالت
هي كانت بتحبني؟
بصيتلها.
هي ما عرفتش تقابلك، يا حبيبتي.
بس أنا شبهها.
أيوه.
طب لو كانت عايشة، كانت هتحبني؟
ابتسمت.
كانت هتحبك.
مريم حطت وردة صغيرة جنب الجرة.
وبعدين قالت
وأنا بحبها.
حضنتها.
وفي اللحظة دي، فهمت حاجة ما كنتش فاهمها طول السنتين
سلمى ما رجعتش من الموت.
اللي رجع هو صوتها، وذكرياتها، وحبها اللي كنت فاكرة إنه مات معاها.
أما الحقيقة، فكانت إن بنتي ماتت بسبب خيانة أبوها وثقته العمياء في ناس ما كانش المفروض يثق فيهم.
لكن سلمى ما ماتتش من قلبي.
ومريم ما كانتش بديل عنها.
مريم كانت طفلة تانية تستحق تتحب من غير ما تتشبه بحد.
وأحمد؟
اتحاكم على جرائمه، واتحمل مسؤولية قراراته.
أما أنا، فبدأت حياة جديدة.
حياة فيها وجع.
لكن فيها كمان ضحكة طفلة حقيقية.
مش ضحكة سلمى.
ضحكة مريم.
وفي آخر ليلة من السنة دي، وأنا بقفل باب أوضة سلمى، سمعت صوت مريم من الصالة
ماما ممكن تجيبِيلي جاتوه بالفراولة؟
وقفت لحظة.
ابتسمت.
وقلت
حاضر يا حبيبتي.
المرة دي، ما خفتش.
لأني عرفت إن الحب مش لازم يرجع من الموت عشان يفضل عايش.
تمت.

 

تم نسخ الرابط