رواية كاملة
أوضة المكتب.
وأنا دخلت وراه.
فتح درج كبير وطلع منه ملف بني.
حطه قدامي.
فتحت الملف.
كان فيه تحاليل، روشتات، تقارير مستشفى، وإيصالات علاج.
لكن شهادة الوفاة مش موجودة.
رفعت عيني عليه.
فين شهادة الوفاة؟
يمكن في ملف تاني.
فين تصريح الدفن؟
مش فاكر.
فين اسم الدكتور اللي تابع حالتها آخر يوم؟
بدأ يتوتر.
نهى، أنا مش هقعد أجاوب على كل سؤال.
قلبت الورق بسرعة.
لقيت تقرير طبي بتاريخ اليوم اللي المفروض سلمى ماتت فيه.
قرأت أول سطر.
وبعدين حسيت إن الدم انسحب من وشي.
اسم المريضة سلمى أحمد الشاذلي.
لكن السن المكتوب كان سبع سنين.
سلمى كانت عندها ست سنين وقت وفاتها.
بصيت لأحمد.
ليه السن غلط؟
اتخطف الملف من إيدي.
خطأ إداري.
وخطأ إداري في شهادة الوفاة كمان؟
قلتلك مش موجودة!
عشان مفيش شهادة وفاة أصلًا!
أحمد ضرب الملف على المكتب.
إنتِ مش فاهمة حاجة!
يبقى فهمني!
قرب مني، وصوته بقى واطي
لو عايزة تفضلي عايشة مع بنتك، اسكتي.
الكلمة دي خلتني أتجمد.
مش لو عايزة ترجعي طبيعية.
مش لو عايزة تحمي نفسك.
قال تفضلي عايشة مع بنتك.
كأنه بيهددني إنه ياخدها مني.
رجعت خطوة.
وفي اللحظة دي، سمعت صوت البنت من ورا الباب
بابا هي ماما هتروح المستشفى تاني؟
أحمد بصلي بسرعة.
وبعدين خرج من المكتب وقفل الباب وراه.
أنا فضلت واقفة لوحدي.
وبعد ثواني، سمعت صوت البنت تاني
بابا، هي عرفت؟
ما سمعتش رده.
لكن سمعت صوت كرسي بيتحرك.
وبعدين صوت أحمد
ادخلي أوضتك يا سلمى.
سلمى.
هو ناداها باسمها.
وده كان طبيعي.
لكن الطريقة اللي قال بيها الاسم كانت غريبة.
كأنه بيحذرها.
فتحت باب المكتب بهدوء، لقيت البنت واقفة في الصالة، وأحمد بيبصلي.
قال
نامي يا نهى.
ما رديتش.
دخلت أوضتي وقفلت الباب.
لكن المرة دي، ما نمتش.
استنيت لحد ما البيت كله هدي.
وبعد منتصف الليل، سمعت باب الشقة بيتفتح.
أحمد خرج.
والبنت خرجت وراه.
فضلت مستنية عشر دقايق.
وبعدين فتحت باب الأوضة.
الشقة كانت فاضية.
الجزء الثالث رقم غريب
أول حاجة عملتها إني جريت على أوضة سلمى.
فتحت الدولاب.
قلبت الهدوم.
فتشت تحت السرير، ورا المكتب، وفي الأدراج.
ما كنتش عارفة بدور على إيه.
بس كنت متأكدة إن فيه حاجة هنا.
حاجة أحمد مش عايزني أشوفها.
وبعدين افتكرت كلام البنت
أنا عارفة إنكم صرفتوا فلوس كتير أوي عشان تعالجوني هو أنا السبب إننا بقينا غلابة؟
الجملة دي ما كانتش شبه كلام طفلة في ست سنين.
كانت جملة حد سمع كلام كبار كتير.
فتحت درج المكتب.
لقيت كراسة رسم قديمة.
صفحاتها كلها رسومات سلمى.
قلبت الصفحات واحدة واحدة.
في آخر صفحة، لقيت رسمة لبيت كبير، وبنت صغيرة واقفة قدامه، وفوق البيت شباك أسود.
تحت الرسمة، كان مكتوب بخط سلمى
ماما، أنا مش في المستشفى.
قلبي وقف.
الخط كان خط بنتي فعلًا.
قعدت على الأرض، وبدأت أفتكر.
هل سلمى قالتلي الجملة دي قبل كده؟
هل كانت بتحاول تفهمني حاجة؟
قلبت الصفحة اللي بعدها.
كانت فاضية.
لكن لما قربتها من النور، لقيت أثر كتابة خفيف جدًا، كأن حد كتب على الورقة اللي فوقها وضغط بالقلم.
جبت قلم رصاص، ومررته على الصفحة.
ظهرت كلمات متقطعة
أوضة تحت المفتاح
ما قدرتش أقرأ الباقي.
فتشت في المكتب لحد ما لقيت مفتاح صغير مربوط بشريطة وردية.
الشريطة دي كانت بتاعة سلمى.
كانت بتربط بيها شعر عروستها.
حطيت المفتاح في جيبي.
وفجأة، موبايل البيت الأرضي رن.
اتخضيت.
الساعة كانت تلاتة الفجر.
رفعت السماعة.
ألو؟
ما سمعتش رد.
وبعدين صوت راجل كبير قال
إنتِ نهى؟
أيوه. مين؟
أنا دكتور مراد. كنت مسؤول عن حالة سلمى في المستشفى.
إيدي اتجمدت.
دكتور مراد؟!
اسمعيني كويس. أنا مش هقدر أتكلم كتير.
سلمى ماتت ولا لأ؟
سكت.
وبعدين قال
إنتِ لازم تفتكري اللي حصل في آخر يوم.
أنا فاكرة كل حاجة!
لأ، إنتِ فاكرة اللي اتقالك.
صوتي اتكسر.
يعني إيه؟
أحمد جه المستشفى يومها قبل ما إنتِ توصلي.
حسيت إني مش قادرة أتنفس.
أحمد كان معايا طول الوقت.
لأ.
صمت.
كان فيه ملف تاني باسم سلمى. ملف اتقفل بأمر من الإدارة.
إيه الملف ده؟
مش هقدر أقولك في التليفون.
طب قابلني!
هبعتلك عنوان.
إمتى؟
بكرة الصبح. الساعة عشرة.
قبل ما أقفل، سمعته بيقول
ومتثقيش في أي حد يقولك إنك مريضة.
الخط اتقفل.
فضلت ماسكة السماعة.
وبعدين بصيت ناحية باب الشقة.
كان مفتوح.
وأحمد واقف عنده.
الجزء الرابع الحقيقة الأولى
ما عرفتش أقول أي حاجة.
أحمد كان واقف في الضلمة، ومش باين غير نص وشه.
قال
مين اللي كلمك؟
حاولت أتماسك.
رقم غلط.
ابتسم.
رقم غلط الساعة تلاتة الفجر؟
ما رديتش.
دخل الشقة وقفل الباب بالمفتاح.
وبعدين قرب مني.
إنتِ خرجتي من أوضتك ليه؟
سمعت التليفون.
وإنتِ بتدوري على إيه في أوضة سلمى؟
قلبي دق بسرعة.
هو شافني؟
ولا كان بيراقبني؟
قلت
كنت بدور على هدومها.
بعد سنتين؟
أيوه.
بصلي فترة طويلة.
وبعدين قال
نهى، أنا تعبت.
وأنا كمان.
أنا عملت كل ده عشان أحميكي.
من إيه؟
ما ردش.
من إيه يا أحمد؟ من الحقيقة؟
قرب مني.
الحقيقة إنك مش قادرة تستحملي اللي حصل.
طب احكيلي اللي حصل.
مش هتقدري.
جرب.
فضل ساكت.
وبعدين قال
سلمى كانت بتتعالج في مستشفى تاني.
إيه؟
المستشفى الأول قالوا إن حالتها ميؤوس منها. أنا نقلتها لمكان تاني.
ليه ما قلتليش؟
لأنك كنتِ منهارة.
وأنا كنت معاها!
لأ، إنتِ ما كنتيش معاها طول الوقت.
بدأت أضحك من الصدمة.
إنت بتكذب عليا.
أنا كنت بحاول أنقذها.
من مين؟
سكت.
ولأول مرة، شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
مش خوف عليا.
خوف من حاجة أنا لسه ما عرفتهاش.
قال
فيه ناس كانت عايزة تاخد سلمى.
مين؟
ناس من المستشفى.
ليه؟
عشان كانت حالة نادرة.
الكلمة دي وقعت عليا كأنها حجر.
حالة نادرة؟
سلمى كان عندها تطابق نادر في نخاع العظم. وفيه تجارب علاجية كانوا عايزين يدخلوها فيها.
وإنت وافقت؟
أنا وافقت عشان أنقذها.
وأنا؟
إنتِ كنتِ هترفضي.
إنت عارف إني كنت هرفض؟
عارف.
سكت شوية.
وبعدين قال
عشان كده خليتك تصدقي إنها ماتت.
ما قدرتش أتكلم.
أحمد كمل
أنا ما كنتش عايز أوجعك. بس كنت عايز أحمي بنتنا.
بنتنا؟
أيوه.
طب ليه خبّيتها عند أختك؟
عشان تبقى بعيدة عن الناس دي.
وليه رجعتها دلوقتي؟
ما ردش.
بصيتله.
ليه رجعتها بعد سنتين بالظبط؟
أحمد فتح بقه، لكنه ما لاقاش كلام.
وفي اللحظة دي، عرفت إن فيه جزء من الحكاية لسه مخبيه.
الجزء الخامس المستشفى المهجور
تاني يوم الصبح، خرجت من البيت قبل ما أحمد يصحى.
كنت خايفة.
لكن الخوف المرة دي ما كانش هيوقفني.
ركبت تاكسي وطلبت من السواق يوديني على عنوان دكتور مراد.
العنوان كان لمبنى قديم تابع لمستشفى خاص، في منطقة بعيدة عن بيتنا.
المبنى كان مقفول من بره، لكن لقيت باب جانبي مفتوح.
دخلت.
المكان كان ريحته مطهرات قديمة، والحيطان عليها آثار رطوبة.
لقيت دكتور مراد واقف في آخر طرقة.
كان راجل في أواخر الخمسينات، وشكله مرهق.
أول ما شافني، قال
نهى أنا آسف.
على إيه؟
بص حواليه.
تعالي.
دخلني أوضة صغيرة، وقفل الباب.
طلع ملف أسود من شنطته.
حطه قدامي.
ده ملف سلمى الحقيقي.
فتحت الملف.
أول ورقة كانت تقرير دخول المستشفى.
اسم سلمى.
ست سنين.
تاريخ الدخول قبل وفاتها بأسبوع.
لكن في خانة التشخيص، كان فيه حاجة مختلفة عن كل التقارير اللي شفتها قبل كده.
اشتباه في خطأ تشخيصي.
بصيتله.
يعني إيه؟
يعني إن سلمى ما كانش عندها سرطان دم بالشكل اللي اتقال لكم.
حسيت الدنيا بتلف.
إنت بتقول إيه؟
التحاليل الأولى كانت فيها مشكلة. وفيه نتائج اتبدلت.
اتبدلت إزاي؟
لسه مش عارفين كل التفاصيل.
طب العلاج الكيماوي؟
دكتور مراد نزل عينيه.
اتاخد بناءً على التشخيص ده.
أنا ما قدرتش أتنفس.
يعني بنتي
أنا آسف.
بنتي ماتت بسبب علاج لمرض ما كانش عندها؟
مش بالضرورة. لكن فيه أخطاء طبية خطيرة حصلت، والملف الرسمي اتقفل بسرعة.
بدأت أعيط.
ليه ما قلتليش؟
حاولت. لكن أحمد سبقني.
رفعت عيني.
أحمد؟
هز راسه.
أحمد كان عارف إن فيه مشكلة في التشخيص. وكان عنده نسخة من التحاليل الأصلية.
طب ليه ما وقفش العلاج؟
قال إن الوقت ما يسمحش.
وإنت صدقته؟
أنا كنت فاكر إنه بيتصرف كأب خايف على بنته.
سكت شوية.
وبعدين قال
بعد وفاة سلمى، أحمد طلب مني أكتب تقرير يثبت إن الوفاة حصلت بسبب المرض.
وإنت عملت كده؟
رفضت.
طب إزاي اتدفنت؟
دكتور مراد فتح درج مكتبه وطلع صورة.
كانت صورة لملف طبي.
وفيه توقيع أحمد.
التوقيع كان على ورقة مكتوب فيها
الموافقة على نقل الجثمان والتصرف في الإجراءات الرسمية.
لكن مفيش شهادة وفاة.
ولا تصريح دفن.
ولا أي مستند يثبت إن الجثمان اللي اتدفن كان جثمان سلمى.
بصيت للدكتور.
يعني مين اللي اتدفن؟
قال بصوت واطي
أنا ما أعرفش.
الدموع نزلت من عيني.
بس أنا شفتها.
إنتِ شفتِ جثمان مغطى. وأحمد هو اللي أكدلك إنها سلمى.
سكت.
وبعدين قال
فيه حاجة تانية.
طلع صورة قديمة من الملف.
كانت صورة لبنت صغيرة نايمة على سرير مستشفى.
وشها مش واضح، لكن على إيدها سوار وردي.
نفس السوار اللي كنت شوفته في صور سلمى.
تحت الصورة كان مكتوب
المريضة س. أ. ش.
بصيتله.
دي سلمى؟
غالبًا.
غالبًا؟!
الصورة اتاخدت قبل ما الملف يتقفل.
طب هي فين دلوقتي؟
دكتور مراد بصلي.
أحمد أخدها من المستشفى في عربية إسعاف خاصة.
ووداها فين؟
ما نعرفش.
وقتها، فهمت إن أحمد ما كانش بيخبي عني إن سلمى عايشة.
هو كان بيخبي عني إزاي سلمى عاشت، وإيه اللي حصل لها.
لكن السؤال اللي كان بيقتلني
ليه رجعها بعد سنتين؟
الجزء السادس التسجيل
قبل ما أخرج من المستشفى، دكتور مراد مسكني من إيدي.
نهى، فيه تسجيل لازم تسمعيه.
طلع جهاز تسجيل صغير، وحطه على المكتب.
ضغط تشغيل.
سمعت صوت أحمد.
كان متوتر.
أنا