رواية كاملة
المحتويات
سريعة، عينه لقطت الفايل الكحلي التقيل المرمي بإهمال على ترابيزة السفرة، وبعدين بص لطارق وقال بنبرة رسمية تخلي الدم يجمد في العروق أستاذ طارق إبراهيم الدسوقي؟ طارق هز راسه بالعافية وهو ساند على الباب، وصوته مش طالع من زوره. أنا الأستاذ عصام عبد الرحمن، مدير الإدارة المركزية للشؤون القانونية بالبنك الرئيسي، ومعانا السادة الضباط من مباحث الأموال العامة بناءً على إخطار عاجل وشكوى تزوير واستغلال أصول مصرفية ورهن عقاري تحت بند الاحتيال المالي الممنهج.
حماتي هنا لسانها فلت، وما قدرتش تكتم طبعها ولا الغل اللي ساكن جواها، صرخت بصوت عالي وهي بتهز إيديها في الهوا بطريقة سوقية احتيال إيه ونصب إيه يا راجل أنت وهي؟! أنتوا اتجننتوا ولا إيه؟! داخلين تهجموا على شقة ناس محترمين وأولاد ناس؟! الشقة دي شقة ابني وعرقه، ومن حقه يضمن أخته بلحمه ودمه وفلوسه، والبت الغريبة دي ملهاش كلمة ولا تملك شروى نقير في البيت ده! اطلعوا برة بدل ما ألم عليكم أمة لا إله إلا الله في المعادي كلها وأفضحكم!
الأستاذ عصام حتى ما رمش، وما أداهاش أي اعتبار، كل اللي عمله إنه فتح شنطته الجلد ببرود قاتل، وطلع ملف أبيض مقوى وفرد أوراقه في وش طارق الست الوالدة توفر صوتها ومجهودها لتحقيقات النيابة العامة لو سمحت يا أستاذ طارق. الشكوى والبلاغ مش صادرين بس من مدام ندى، الشكوى صادرة من الإدارة المركزية للبنك نفسه بعد ما منظومة المراقبة والتدقيق الداخلي رصدت خروقات مالية كارثية في فرع التجمع الخامس من ساعتين بالظبط. أختك المصونة، الأستاذة مريم إبراهيم، بالتواطؤ مع مسؤول الائتمان بالفرع، قدمت ملف رهن رسمي للشقة دي عشان تسحب تسهيل ائتماني بقيمة اتنين مليون جنيه لتمويل سنتر تجميل!
طارق حسيت إنه هيدوخ ويقع من طوله، بس المحامي ما سكتش، كمل وهو بيقلب في الأوراق بصوت عالي والملف ده يا أستاذ مرفق بيه صورة ضوئية لتوكيل رسمي عام مخصص للتنازل عن العقارات منسوب صدوره للشهر العقاري باسم الزوجة، الأستاذة ندى عبد الرازق، ومعاه إقرار ضامن متضامن وشهادة مفردات مرتب مضروبة ومختومة بختم نسر مقلد لجهة عمل وهمية!
الكلمة نزلت عليا زي مية مغلية طشت في وشي توكيل رسمي باسمي؟! وشهادة مفردات مرتب متزورة؟! صرخت في وش طارق بكل طاقتي وقهرتي اللي كانت بتتحرق جوايا توكيل رسمي مزور باسمي يا طارق؟! ختم نسر مقلد وبتزور ورقي ومفردات مرتبي؟! وصلت بيكم الخسة والندالة لكده؟! تنصبوا وتزوروا في اسمي وشقايا عشان خاطر أختك وأنا شايلة ابنك في بطني وفي الشهر السابع؟! ده أنا اللي شيلتك يوم ما كنت قاعد في البيت من غير شغل! ده أنا اللي بعت ورث أبويا عشان أعمل لك بيت وكيان!
طارق رجع لورا يخبط في الكومودينو والدموع نزلت من عينه زي الشلال من فرط الرعب، صوته كان بيتقطع ولسانه بيتعقد والله العظيم تلاتة ما أعرف يا ندى! وحياة اللي في بطنك ما كنت أعرف حاجة عن التوكيل المزور ده! مريم مريم هي اللي قالت لي هتعمل تفويض داخلي مؤقت بالاتفاق مع صاحبها في البنك، وقالت لي دي حركة روتينية بيمشوها لحد ما إحنا نروح الشهر العقاري ونتفق معاكي بهدوء أقسم برب العزة ما كنت متخيل إنها وصلت بيها الجرأة تضرب توكيل رسمي كامل وتختم أوراق باسمك!
حماتي جريت عليه ووقفت قدامه تحميه بجسمها وزعقت فيا حتى لو عملت! حتى لو مريم اتصرفت! دي أخته وعرضه ولازم يقف في ضهرها! إيه يعني توكيل ولا ورقة، هي مريم كانت هتاكل الشقة في بطنها؟! ما هو مشروع وهيشتغل والفلوس هتترد للبنك! أنتِ اللي عينك صفرا وبتبصي للقرشين اللي حيلتها ومستخسرة تشوفي عيلتي مبسوطة ومستورة! طول عمرك لئيمة وغلاوية وعايزة تخربي على ابني وتاخدي الشقة لحسابك!
الضابط اللي كان واقف جنب الأستاذ عصام، راجل عريض بملامح حادة ورتبة مقدم، خطى خطوة واحدة لقدام، حط إيده على وسطه وصوته الرخيم قطع الزعيق في ثانية يا ست أنتِ، لولا سنك والظروف اللي البيت فيها، أنا كنت هطلب كلبشتك حالا بتهمة التستر الجنائي والاشتراك بالتحريض وإهانة موظفين أثناء تأدية وظيفتهم الرسمية! الأستاذة مريم، بنتك، مقبوض عليها بالفعل حالياً في قسم التجمع ومعاها موظف الائتمان، بعد ما اتمسكوا متلبسين وهما بيحاولوا يصرفوا الدفعة الأولى من الشيكات، واعترفت تفصيلياً على أخوها طارق وقالت إنه شريكها وموافق على كل الإجراءات وبخط إيده!
الصالة كلها سكتت، سكوت موحش ومرعب زي سكوت المقابر. حماتي عينيها وسعت بطريقة جنونية، حطت إيديها الاتنين على دماغها وشهقت شهقة طلعت من قاع روحها مريم بنتي في الحجز؟! مقبوض عليها؟! يا خرابي يا داهيتي السودة! بنتي الوحيدة
تتبهدل وتتكلبش زي المجرمين؟!
وفجأة، وش حماتي اتحول لوحش كاسر، عينيها احمرت من الغل والجنون وبصتلي وكأنها شايفة عدوتها اللدودة، هجمت عليا وهي مادة ضوافرها عايزة تهبش وشي وتخنقني أنتِ السبب! أنتِ الحية اللي دخلت بيتنا عشان تدمرنا! والله ما هسيبك تفلتي بيها، لا أنتِ ولا ابنك اللي فرحانة بيه ده هتشوفوا النور!
بس قبل ما ضوافرها تلمس طرف طرحتي، كان الضابط التاني وأمين الشرطة اتحركوا في ثانية، مسكوا دراعاتها ولفتوها ورا ضهرها بقوة وثبتوها على الحيطة. طارق انهار على الأرض تماماً، صرخ بأعلى صوته وهو بيضرب وشه بكفوفه يا أمي اخرسي بقى! هتودينا كلنا في داهية! ندى ندى أبوس إيدك، أبوس رجلك ورأسك وأبوس التراب اللي بتمشي عليه، اتنزلي عن الشق الجنائي! قولي للبنك وللنيابة إنه سوء تفاهم، مريم متطلقة وعيلة ومش حمل سجن وبهدلة تفتيش وعنابر، مستقبلها هيضيع وأنا هيتقبض عليا ومستقبلي كله هيتدمر في شغلي وهيتحبس أختي وأنا معاها!
بصيت لطارق وهو مرمي تحت رجلي على السيراميك الراجل اللي سلمته قلبي، اللي وثقت فيه وائتمنته على روحي وعلى ورث أبويا، كان باين قدامي دلوقتي ممسوح من أي كرامة، متجرد من أي نخوة أو رجولة. مجرد عيل خايب اتربى على الطمع والانصياع لأهله حتى لو هيدوس على مراته وابنه في بطنها بالجزم.
شديت ضهري لفوق رغم التقل الرهيب اللي في بطني، ومسحت عرق بارد كان بينزل على رقبتي، وبصيت للأستاذ عصام وقولتله بجمود كأن قلبي اتحول لحديد حضرة المحامي، الفايل الكحلي اللي على ترابيزة السفرة هناك ده، طارق سرقه من دولابي الصبح. جواه عقد الشقة الأصلي باسمي واسمه، وفيه كمان الورقة المكتوبة بخط إيد حمايا اللي بيكلفهم فيها بتأجيل توقيعي لحد ما يورطوني في الضمان ده إثبات دامغ على نية الخداع المبيتة والتآمر بين العيلة كلها.
الأستاذ عصام شاور لأمين الشرطة، وبمنتهى الحرص لبس جوانتي بلاستيك ومسك الفايل وحطه في حرز رسمي مع الشنطة، وبص للمقدم وقال تمام يا فندم، الأحراز جاهزة والواقعة كاملة الأركان.
حماتي قعدت تندب وتلطم على خدودها وهي متثبتة، صوت صريخها سمّع الجيران اللي بدأوا يتجمعوا ويبصوا من ورا أبواب الشقق في العمارة. وطارق زحف على ركبه لغاية ما وصل لطرف جلبابي، مسك فيه وهو بيتوسل بدموع هستيرية ندى، عشان خاطر
متابعة القراءة