رواية كاملة
حكايات مني السيد
وأنا في الشهر السابع من الحمل، اكتشفت إن أهل جوزي طلبوا خبير يقيم شقتنا عشان يجيبوا فلوس لأخته. حلف لي بأغلظ الأيمان إنه لسه ما وافقش على البيع بس في نفس الليلة وصلني إيميل يثبت إن في حد عرض شقتنا كضمان لقرض من ورا ضهري.
الخبير اللي هيعاين الشقة جاي بكرة الساعة عشرة الصبح.
حماتي، الحاجة كوثر، رمت الكلمة دي وهي بتصب الشاي، بكل برود وكأنها بتقول معاد دليفري السوبر ماركت.
حطيت الكوباية من إيدي وسألتها وأنا مذهولة خبير يعاين إيه بالظبط؟
سلفتي، أو أخت جوزي مريم، شالت عينها من على الموبايل وبصتلي بخبث. جوزي، طارق، وطى راسه في الأرض وما نطقش ولا كلمة.
يعاين الشقة يا حبيبتي كملت حماتي كلامها كأن الموضوع مفروغ منه لازم نعرف تسوى لها كام ونطلع منها بقرشين قبل ما المحل يضيع من إيد مريم.
حسيت بضربة قوية في بطني ابني بيتحرك.
محل إيه ده اللي يضيع؟
وهنا بقى انفجرت الحكاية كلها على الترابيزة. حصري على روايات و اقتباسات مريم، اللي لسه متطلقة قريب وقاعدة من غير شغل، قررت تفتح سنتر تجميل كبير في التجمع الخامس. ومحتاجة مش أقل من اتنين مليون جنيه عشان الخلو، والتوضيبات، والأجهزة. هي حيلتها ملاليم، وحمايا وحماتي هيساعدوها بمبلغ على قدهم. أما باقي المبلغ؟ فكان من رأيهم العبقري إنه يطلع من بيتي وعفشي وسقفي اللي ساترني!
مريم اتكلمت بلا مبالاة ما تقلقيش، الفلوس هترجع أول ما المشروع يشتغل، أنا مش بشحت منكم.
رديت بصدمة ومين اللي قرر أصلاً إن شقتنا معروضة للبيع أو الرهن؟
حمايا نفخ وقال بضيق طارق ابني راجل البيت، والشقة شقته برضه وله حق فيها!
لفيت لطارق وعيني بتطق شرار أنت كنت عارف بالكلام ده؟ أمي أمي كانت بتفاتحني في فكرة بس. وسمحت ليهم يبعتوا حد يقيم الشقة من غير ما تقولي؟! أنا بس بسمع وبشوف الحلول مش أكتر يا ندى!
ساعتها فهمت إن التمثيلية دي مترتبة ومطبوخة على نار هادية من ورايا من زمان.
الشقة دي ما جتش بالساهل ولا نزلت علينا من السما. أنا قبل ما أتجوز كان عندي شقة استوديو صغيرة ورثاها عن والدي، بعتها وحطيت كل مليم طلع منها في مقدم الشقة الكبيرة اللي إحنا عايشين فيها في المعادي. وبعدها جه القسط، والتشطيب، والفرش ولسنين طويلة كنت بدفع أكتر من نص الأقساط والمصاريف من مرتبي عشان طارق شغله ما كانش مستقر وبيتنقل من شركة لشركة.
بس طبعاً، على الترابيزة دي، ما فيش حد كان فاكر لي ولا جنيه من دول!
وقفت وقولت بحسم الشقة دي مش هتتباع، ومش موافقة.
حماتي ضحكت ضحكة صفرا وقالت والله نبقى نشوف بقى موافقتك دي هتلزمنا بإيه يا عروسة.
ما رضيتش أضيع طاقتي في كلام مالوش لازمة وقومت.
لما روحنا بيتنا، طارق حاول يهديني ويلف ويدور ما حدش هيرميكي في الشارع يا ندى، حتى لو بيعنا، هنشتري شقة أصغر في مكان أهدى شوية. وحسبت بقى هيتبقالنا إيه من تمنها بعد ما تدفع نصيب أختك؟ هنقعد في أوضة وصالة مثلاً؟!
سكت خالص وما عرفش يرد. وسكوته ده كان كفايلِي عشان أفهم كل حاجة.
وهو داخل ياخد شاور، دخلت أوضة المكتب أدور على فايل الأوراق المهمة عقد الشقة، وتوكيل الشرا، وإيصالات الأقساط القديمة. الفايل ما كانش في مكانه! سألته من برة الحمام، رد بارتباك أكيد في درج من الأدراج، دوري بس كويس. حصري على روايات و اقتباسات بس ما كانش في أي حتة.
تاني يوم الصبح، أول ما طارق نزل الشغل، كلمت البنك اللي واخدين عن طريقه القرض العقاري وطلبت نسخ من أوراق الملف. موظفة خدمة العملاء سكتت شوية وهي بتراجع السيستم، وبعدين سألتني سؤال وقع قلبي في رجلي هو حضرتك عندك علم بالطلب المقدم بخصوص رهن العقار كضمان تجاري؟ رهن إيه؟! وضمان إيه؟!
الموظفة قالت بهدوء الشقة داخلة في تقييم مبدئي عشان تطلع كضمان لقرض تسهيلات ائتمانية لفتح نشاط تجاري والمقدم الأساسي للقرض مش أستاذ طارق، دي الأستاذة مريم. إزاي؟! دي ما تملكش فيها مسمار أصلاً! بالظبط، وعشان كده الطلب واقف على استكمال الإمضاءات.
الموظفة بعتتلي صورة من الطلب على الإيميل عشان أتأكد بنفسي. فتحت الورقة، لقيت خانة موافقة الشركاء مكتوب فيها اسم طارق وتوقيعه، وتحتيه خانة فاضية فيها اسمي أنا. وجنب اسمي كان مكتوب بالقلم الرصاص بخط إيد حمايا توقيع الزوجة يتم استيفاؤه لاحقاً، برجاء عدم إبلاغها حالياً بأن العقار قُدم كضمان لعدم إثارة المشاكل العائلية.
الدنيا لفت بيا والدم غلي في عروقي. وقبل ما ألحق أرفع السماعة وأواجه طارق، جالي إيميل تاني من مكتب محاماة مشهور في وسط البلد عمري ما سمعت عنه. عنوان الإيميل تأكيد موعد التنازل الرسمي عن الحقوق في العقار السكني العائلي.
فتحت المرفق وأنا إيديا بتترعش لقيت صيغة إقرار وتنازل مسجل باسمي، بتاريخ يوم الاتنين الجاي في الشهر العقاري، مكتوب فيه إني بحضر وبقر بكامل إرادتي بالتنازل عن حصتي لطارق!
وفي نفس اللحظة دي سمعت صوت مفتاح الباب بيفتح. طارق رجع، بس ما كانش لوحده. حماتي كانت داخلة وراه وشها كله غل وفي إيدها نفس الفايل اللي طارق حلف برب العزة إنه ما يعرفش مكانه.
الجزء الثاني
وقفت مكاني متيبسة في نص الصالة، بطني البارزة بتترعش من ضربات قلبي اللي كانت مسموعة في وداني.
حماتي دخلت بكل جبروت، رمت الفايل على ترابيزة السفرة بصوت رزع هز البيت، وقالت لطارق بلهجة آمرة نادي على المحامي يجي يا طارق، البت ندى شكلها مش هتجيبها لبر وناوية تقف في وش مصلحة أختك.
طارق كان واقف باصص في الأرض، عامل زي العيل الصغير قدام أمه، مش قادر حتى يرفع عينه في عيني.
بصيت له وقولت بصوت بيترعش من القهر أنت خنتني يا طارق؟ بعتني أنا وابنك اللي لسه ما شافش الدنيا عشان ترضي مريم وأمك؟ بقالك قد إيه متفق معاهم يسرقوا شقتي وشقا عمري؟!
طارق اتكلم بتلعثم ندى اسمعيني بس، والله الموضوع مش كده، هما قالوا دي حركة شكلية عشان البنك يوافق حماتي قاطعته بزعيق وهي بتقرب مني وبتشاور بصباعها في وشي شكلية إيه وبتاع إيه! الشقة دي تتسحب منها الفلوس يعني تتسحب، مريم ملهاش غير أخوها يقف جنبها، وأنتِ هنا كلك على بعضك غريبة عننا! اللي حطيتيه في الشقة دي حق قعدتك مع ابني السنين اللي فاتت، والورقة دي هتمضي عليها برضاكي أو غصب عنك، إحنا حاجزين معاد في الشهر العقاري وخلصنا خلاص!
حسيت بوجع فظيع بيعصر بطني انقباضات مفاجئة خلتني أنحني وأمسك في ضهر الكرسي وأنا بنهج. طارق اتخض وجري عليا ندى! مالك؟! ندى ردي عليا!
حماتي لوت بوزها وقالت ببرود بتتدلع، سيبك منها، النسوان دي حركاتهم معروفة ساعة الجد عشان تهرب من الإمضا!
في اللحظة دي، القهرة اللي في قلبي اتحولت لقوة عمري ما حسيت بيها قبل كده. زقيت إيد طارق عني بكل عزمي، ووقفت بضهري مفرود. مسكت موبايلي اللي كان في جيبي، ودوست على الشاشة، وشغلت تسجيل المكالمة اللي لسه مسجلاها حالا لكلام