رواية كاملة
المحتويات
مرتين، وشغلي علمني إن الوقت بفلوس.
سكتت لحظة، ونظراتها اتحولت لطارق اللي كان باصص لها برعب أولاً.. الشاليه ده بتاعي. مدفوع من شقايا وسهري، ومن ورث جدتي اللي بيعته قبل ما أعرفك أصلاً. يعني مفيش فيه مليم واحد دخل من جيب ابنك، ولا حتى حق مسمار في الحيطة. والشهر العقاري مش هيدخله طارق إلا لو كان رايح معايا نجدد عقد إيجار شقتنا دي، غير كده، ملكي يفضل باسمي لحد ما أموت.
شهقت الحاجة فايزة ووشها احتقن بالدم شفت يا طارق؟! شفت طمعها وغدرها؟!
إيلين رفعت إيدها بهدوء قطعت بيه كلام حماتها، وكملت ثانيًا.. هند بنت عمك وبناتها، على عيني وعلى راسي، بس الشاليه مش وكالة من غير بواب. أنا لسه مدخلتش فرشي فيه، لسه مباتش فيه أصحابه، لسه معملتش حتى شاي في مطبخه عشان أدي مفاتيحه لحد يروح يصيف ويبهدل فيه. مفاتيح الشاليه مش هتطلع من شنطتي، لا لهند ولا لغيرها، واللي عايز يصيف يصيف على قد جيبه وظروفه.
إنتي اتجننتي رسمي؟! طارق صرخ فيها، العروق في رقبته نفضت، كأنه بيحاول يثبت لأمه إنه مش ضعيف إنتي بتكلمي أمي كده إزاي؟ وإيه الأنانية دي؟ ده شاليه يعني حتة طوب وحجر، بتبيعي بيهم أهلي وتكسفي كلمتي قدامهم؟
إيلين بصتله ببرود يقشعر له البدن إنت اللي كسفت كلمتك بإيدك يا طارق يوم ما طلعت سر بيتك لأمك عشان تعمل بيا نمرة قدام عيلتك. إنت اللي بعتني عشان تثبتلهم إنك الراجل اللي شاري ومتحكم، وإنت عارف كويس إنك من غير شغلي مكنتش هتعرف تكمل الشهر بمصاريفك.
أنا اللي مش هكمل؟! طارق صوته بقى أعلى وهو بيقرب منها أنا مش شحات عندك! أنا بشتغل وبتعب، والفلوس اللي
بتعمليها دي بفضل البيت اللي أنا فاتحهولك والهدوء اللي مديهولك عشان تشتغلي!
الهدوء؟ إيلين ابتسمت بسخرية الهدوء ده اللي هو إني أصحى تلاتة الفجر عشان المطبخ يفضى من دوشتك ودوشة أهلك اللي طالعين نازلين عندنا؟ تمام يا طارق، النقطة التالتة بقى تخصك إنت وحماتي سوا.
لفت إيلين وشها للحاجة فايزة وقالت كلمة الطلاق اللي لسانك متعود يرميها زي اللبانة في أي خناقة دي، مش بتهددني بيها يا فايزة هانم. أنا ست بشتغل، وعندي فلوسي، ومستورة من قبل ما أعرف ابنك، وبكرة هكون مستورة برضه لو خرجت منه. التهديد ده تخوفي بيه واحدة مكسورة الجناح ملهاش غير قعدة البيت، مش واحدة شايلاك وشايلة ابنك وديونه بقالها سنين.
الحاجة فايزة لفت لطارق وهي بتولول بطريقتها البلدية المعهودة سامع يا طارق؟! بتقلل من قيمتك وقيمتي قدامك! واقف ساكت ليه؟ ما تمد إيدك ولا تكسر رقبتها! البت دي مش باقية على حد، دي شافت نفسها خلاص!
طارق صدره كان بيعلو ويهبط، عينه احمرت، مد إيده ومسك دراع إيلين بقسوة لأول مرة في حياته إنتي هتعتذري لأمي دلوقتي حالاً! وهتجيبي المفاتيح دي تحطيها قدامها برضاكي، وإلا
إيلين بصت لإيده اللي ماسكة دراعها، ونظرتها كانت قاطعة لدرجة خليت صوابعه تفلت غصب عنه وإلا إيه يا طارق؟ هتضربني؟ جرب كده تمد إيدك.. جرب خطوة واحدة زيادة في الغباء، وشوف ساعتها المحضر اللي هيتعملك في القسم بتهمة التعدي، وشوف الشقة دي مين اللي هيدفع إيجارها الشهر الجاي ومين اللي هيشيل قسط عربيتك اللي متسجل باسمي ضامنة ليك!
طارق رجع خطوة لورا، ملامحه اتجمدت من الصدمة، كأنه فجأة فاق على الواقع والحسابات اللي نسيها في لحظة الغضب.
أنا خارجة رايحة أتعشى برة، إيلين خدت شنطتها بهدوء ومسكت أكرت باب الشقة، وقفت وبصت وراها للاتنين اللي واقفين في المطبخ زي الأصنام قدامكم نص ساعة، أرجع ألاقي البيت نضيف وهادي زي ما سبته الصبح. والكلام في موضوع الشاليه اتقفل للأبد.. واللي يفكر يفتحه تاني، هيفتحه في محكمة الأسرة.
فتحت الباب وخرجت، وقفلت وراها من غير ما ترزع، قفلة هادية خلت الرعب يدب في قلب طارق، وبدأت ملامح الندم تبان على وشه أول ما أدرك إن إيلين، الهادية المسالمة اللي كانت بتسهر الليالي عشان ترضيه، شافت الوش التاني، وقررت إنها خلاص.. مش هتوطي راسها تاني. يتبع
نزلت إيلين درجات السلم بخطوات ثابتة، مكنتش مستعجلة، ولا كانت بتجري زي واحدة مكسورة أو بتهرب. صوت كعب جزمتها الرخيم على الرخام كان بيعمل صدى جوه عمارة المعادي الهادية، صدى بيشبه بالظبط كل الأوهام اللي اتكسرت جواها في لحظة واحدة.
أول ما خرجت للشارع، ضرب وشها هوا القاهرة الرطب في ليل أول الصيف. بصت لساعتها؛ كانت داخلة على تسعة بالليل. الشارع مليان حركة، عربيات رايحة وجاية، ناس بتضحك ع القهاوي، ومحلات بتفرش بضاعتها. الدنيا ماشية عادي جدًا، ولا كأن في إنسانة لسه من خمس دقايق اكتشفت إن تلات سنين من عمرها وشقاها كانوا مبنيين على أرض هشة، وإن الراجل اللي كانت بتسهر تدفي ضهره مكنش أكتر من عيل متداري في ضل أمه.
مراحتش مطعم تتعشى زي ما قالتلهم. رجليها خدتها لكورنيش النيل القريب، قعدت على كافيه هادي، طلبت فنجان قهوة سادة، وطلعت تليفونها.
الشاشة نورت، وشافت صورة طارق وهي في خلفية التليفون؛ كان متصور معاها في دهب السنة اللي فاتت، بيضحك ورافع إيده بعلامة النصر، وهي جنبه فرحانة بيه وبضحكته. مسحت إيلين بإبهامها على الشاشة، وحست بوجع خفيف في زورها، بس الوجع ده بسرعة اتحول لصلابة. الغدر لما بيجي من غريب بيوجع، بس لما بيجي من أقرب الناس بيفوّق.. وإيلين كانت من النوع اللي لما بيفوق، بيحسبها بالورقة والقلم.
فتحت النوتس وبدأت تراجع حساباتها عقد إيجار الشقة باسمها هي.. التأمين طالع من حسابها هي.. عفش الشقة تلتينه شرياه بفلوس شغلها وفواتيره متوثقة على إيميلاتها.. قسط العربية اللي طارق راكبها مسحوب من حساب بنكي هي ضامنة فيه، وإيصالات الأمانة بتاعة صحابه لسه نسخة منها محطوطة في درج مكتبها.
ضحكت بسخرية وهي بتبص لصفحة الحسابات كنت فاكرة إني بحميك وببني بيتنا.. طلعت بتسمن في قطة عشان تاكل صوابعك أول ما تجوع.
شربت قهوتها على مهل، وبصت للمايه السودة اللي بتلمع تحت أنوار الكباري. تليفونها مبطلش رن؛ في الأول كانت رنات طارق متتالية، سبع رنات ورا بعض.. بعدين مسجات إيلين ردي.. إنتي فين؟ متزعليش، أمي مشيت خلاص والبيت فاضي زي ما طلبتي. إيلين متكبريش الموضوع، إحنا لازم نتكلم بالعقل.. إنتي فهمتي كلام أمي غلط والله.
وبعد رسايل طارق، جت رسالة من رقم أمه، الحاجة فايزة يا خسارة التربية يا بنت الناس، بقى عشان قرشين طالعين من دم قلب ابني تقفي في وشي وتقللي من هيبة الراجل؟ ربنا يهديكي وترجعي لعقلك قبل ما تلاقي نفسك في الشارع ومطلقة، وساعتها الفلوس مش هتعوضك ضل الحيطة اللي كان سترك!
إيلين مسحت الرسايل كلها ببرود تام، قفلت التليفون ورمته في الشنطة. دفعت الحساب، وقامت تمشي راجعة للبيت.
الساعة كانت عدت حداشر ونص لما فتحت باب الشقة بالمفتاح.
أول ما فتحت، شمت ريحة بخور تقيلة خنقة.. ريحة البخور اللي الحاجة فايزة دايمًا بتولعه عشان تطرد العين والحسد. الشقة كانت هادية بشكل كئيب، بس النور بتاع الصالة كان
متابعة القراءة