رواية كاملة
حكايات مني السيد
الهانم بتاعتك عينها وسعت وطمعت! اشترت بيت ع البحر.. يبقى لازم تقسمه معاك بالحق!.. الجملة دي نزلت على ودن إيلين زي الصاعقة وهي واقفة ورا الباب، سامعة صوت حماتها بيرن في الصالة.
طول عمرها إيلين بتعشق صوت تلاطم الموج، صوت كان بيهدي روحها حتى لما كان بيطلع من سماعات اللاب توب القديم بتاعها وهي بتشتغل.
على مدار تلات سنين، كانت حياتها عاملة زي سباق ماراثون ملوش نهاية. في الوقت اللي كان جوزها طارق نايم فيه في سابع نومة، وخيوط الفجر الرمادية لسه بتشق سكون شقتهم في برج من أبراج القاهرة، كانت إيلين تقعد في المطبخ، ثانية رجليها تحتها، وبتحوّل بيكسلات الجرافيك على الشاشة للوحات فنية مبهرة. شغل تصميم الألعاب كان بيجيب فلوس كويسة جدًا، بس التمن كان غالي حرمان من النوم، وتنازل عن الإجازات والفسح وكل دقيقة وقت فاضي.
إيلين كانت بتقدم التضحيات دي برضا تام، لأن كان عندها حلم مخبياه في قلبها، مباحتش بيه لمخلوق.
ولا حتى لطارق.
الموضوع مكنش قلة ثقة في جوزها؛ هما كانوا بيحبوا بعض، بس طارق كان فيه عيب خطير إنسان غير عملي بالمرة، وإيده مخرومة. أول ما يلاقي في ميزانية البيت أي قرش زيادة، تطلع في دماغه ميت فكرة وفكرة عشان يضيعه. بنت عمه هند فجأة يجيلها شغف وعايزة لاب توب غالي بحجة المذاكرة والتدريب، أو أمه، الحاجة فايزة، تطلع وتقول الغسالة باظت ومينفعش بديل غير أحدث موديل نازل في السوق.
أما طارق نفسه، فكان شغال مسؤول مبيعات، مرتبه متواضع ومش ثابت، على قد العمولة.
عشان كده إيلين فتحت لنفسها حساب بنكي مقفول عليه. كل مليم يجيلها من شغل الفريلانس مع العملاء الأجانب، وكل قرش من سهر الليالي والمشاريع الإضافية، كان بيدخل الحساب ده. عمرها ما قصّرت في البيت، كانت بتدفع الإيجار ومصاريف الأكل والشرب بانتظام، لكن كل اللي يزيد عن المصاريف الأساسية كانت بتشيله في صمت على جنب.
ولحد ما جه اليوم، من تلات أسابيع فاتوا، وحلمها اتحقق أخيرًا.
شاليه دورين صغير ودافي جدًا في الساحل الشمالي، حيطانه بيضا ومحاوطه شجر العنب والجهنمية، بقى ملكها بالكامل. الفلوس كفّت تمنهبفضل الله ثم القرشين اللي كانت شيلاهم من قبل الجواز بعد ما باعت شقة استوديو كانت ورثاها عن جدتهاوفاض كمان جزء عملت بيه تشطيبات ولمسات رايقة.
في الويك إند اللي فات، إيلين عملت لطارق مفاجأة. حجزت تذاكر وقالتله إنهم مسافرين يغيروا جو مش أكتر. ولما التاكسي نزلهم جوه قرية هادية مليانة خضرة، طلعت من شنطتها ميدالية مفاتيح متدلي منها شكل هلب بحري صغير.
وحطت المفتاح في إيده وقالتله إن ده بقى بيتهم.
طارق وقتها دخل الريسبشن الواسع الواجهة الزجاجية المطلة على البحر وهو مبرق ومش مصدق نفسه ده بجد بيتنا إحنا يا إيلين؟! بس جبتي تمنه منين ده كله؟
ابتسمت بحب وسندت راسها على كتفه كنت باطحن نفسي في الشغل يا طارق.. بيتنا هنقضي فيه الصيف، ويمكن يوم من الأيام ننقل عيشتنا هنا علطول. بس خلي السر ده بينا، مش عاوزين نعلنه للدنيا كلها، بلاش والنبي تقول لأي حد، مش عاوزة القرايب يبتدوا يرتبوا إجازاتهم ومصايفهم عندنا.. إنت عارف العشم بيعمل إيه.
طارق مسك إيديها الاتنين ولهفته سابقة كلامه طبعًا يا ستي! ده كلام؟ متقلقيش خالص، سرك في بير!
في اللحظة دي، إيلين حست إن الدنيا كلها مش سايعاها من الفرحة.
مكنتش متخيلة إن في نفس الليلة، وهي بتاخد شاور، طارق من كتر فخره والفرحة الطفولية اللي كانت طافية على وشه، مسك التليفون وكلم أمه.
يوم التلات، رجعت إيلين البيت بدري عن ميعادها. العميل خلص معاها المشروع قبل وقته وكمان بعتلها مكافأة إضافية، فكانت راجعة الشارع بخطوات خفيفة وفرحانة. في إيدها علبة فيها الحلويات الشرقية اللي طارق بيحبها، ومتحمسة تحضنه ويقعدوا يفرشوا مع بعض بالخيال التراس بتاع شاليه البحر هيجيبوا له إيه.
أول ما وصلت عند باب الشقة، لقت حاجة غريبة.
الباب مكنش مقفول بالمفتاح، كان موارب سِنة.
أصوات جاية من جوه بوضوح. صوت طارق واطي، متردد، وفيه نبرة اعتذار.. والصوت التاني حاد، عالي، متعود يؤمر فيُطاع.
صوت الحاجة فايزة.
إيلين وقفت مكانها في الطرقة، وقلبها اتقبض فجأة.
وعايزني أبلعها وأقول دي حاجة عادية؟!.. صوت حماتها كان بيجلجل من ناحية المطبخ جوزها عمال يحسب القرش والتعريفة، وهي مدكورة على ملايين من وراه ومن غير ما ينوبه منها حاجة! اشترت شاليه! وع البحر كمان!
رد طارق بضعف يا أمي مكنش من ورايا، دي كانت عايزة تعملهالي مفاجأة، دي شقيت وتعبت وماكنتش بتنام بالليالي..
مفاجأة؟! الحاجة فايزة رزعت الكوباية ع الترابيزة بقوة الستات الأصيلة مبتحوش دم قلبها من ورا رجالتها عشان تشتري عقارات! الهانم بتاعتك عينها وسعت وطمعت! اشترت بيت ع البحر.. يبقى لازم تقسمه معاك بالحق! إنتو مش متجوزين ولا لأ؟ الأصول بتقول الشقا اللي اتعمل في الجوازة يتقسم بينكم. بكرة الصبح تاخدها من إيدها وعلى الشهر العقاري، تكتب لك نص الشاليه ده باسمك رسمي! دي سايقة فيها ومفكّرة نفسها صاحبة كل حاجة، بكرة الصبح تطردك في الشارع من غير ما يرمش لها جفن وتطلع من المولد بلا حمص! دا إنت ساعتها تدفع دم قلبك للمحامين عشان تعرف تاخد حقك في الطلاق!
إيلين حست ببرودة متلجة سرت في عروقها
كلها.
حماتها قاعدة بتقسم ملكها وشقاها، وجوزها واقف زي خيال المآته ميدافعش عنها بكلمة! وليه سيرة الطلاق اتقالت أصلاً؟ طول عمرها فاكرة إن حياتهم مع بعض مستقرة ومفيهاش مشاكل.
طارق سأل بتردد بس هاقولها كده إزاي يا أمي؟ هتقولي ده شقايا وفلوسي.
ردت الحاجة فايزة بنفاذ صبر ماتقولهاش.. اؤمرها! إنت راجل البيت ولا هوا مالكش هيبة؟! وبعدين ده كويس جدًا، أهو الشاليه ده جه في وقته عشان هند وبناتها يقضوا الصيف كله هناك.. العيال محتاجين يشموا هوا البحر، وظروفهم متسمحش يأجروا هناك بالأسعار دي. وأنا وأبوك نروح في سبتمبر لما الجو يهدى عشان الرطوبة ووجع المفاصل. خلي إيلين تسلم المفاتيح لهند الأسبوع الجاي، البت عمالة تشوف مواعيد القطر ومستنية.
إيلين فضلت متسمرة مكانها في الضلمة.
مستنية.
مستنية جوزها.. طارق اللي بتشاركه اللقمة والسرير وأحلام بكرة.. مستنياه يقول بحسم لحد هنا وكفاية يا أمي، الشاليه ده بتاع إيلين ومن حقها، وهي صاحبة القرار مين يدخله ومين ميدكلوش.
لكن طارق اتنهد تنهيدة استسلام وقال بصوت ميت حاضر يا أمي.. هافاتحها بالليل وأتكلم معاها.. إن شاء الله نوصل لحل يرضي الكل، هند برضه مش غريبة دي بنت عمي، وحقيقي محتاجة تفك عن نفسها شوية.
مدت إيلين إيدها، وزقت باب المطبخ بهدوء. المفصلات مطلعش ليها صوت، بس مجرد طلتها خلت الاتنين يبلعوا لسانهم في لحظة.
الحاجة فايزة كانت قاعدة بجنب، لابسة جلابيتها المشجرة، وشها اتخطف لثانية من الإحراج، بس بسرعة عدلت كتافها ورسمت ملامح التحدي المعتادة.
طارق اتنفض من على كرسيه، ولونه اتخطف وبقى شاحب إيلين! جيتي بدري ليه؟ إحنا.. إحنا كنا.. يعني، أمي كانت معدية تشرب شاي.
من غير ولا حرف، مشيت إيلين لحد الترابيزة، حطت علبة الحلويات بالراحة، وبصت في عين حماتها مباشرة.
جواها كان بركان