رواية كاملة
المحتويات
بيفور، بس من برة كانت ملامحها هادية كأنها لوح تلج.. سنين التعامل وضغط الشغل مع الزباين علموها إزاي تدفن عصبيتها ورا وش بارد.
قالت بهدوء مخيف أنا سمعت كل كلمة.
المطبخ دخل في سكون تام، لدرجة إن دقات ساعة الحيطة بقت تضرب في ودانهم زي الطبول.
الحاجة فايزة استعادت السيطرة على الموقف فورًا كعادتها أول ما تحس بالهجوم طب كويس والله! حلو إنك سمعتي عشان منقعدش نعيد ونزيد، دي قعدة عيلة وكلام في الأصول. إنتي بنت ناس وعاقلة يا إيلين، بس باين القرشين جريوا في إيدك ونفخوكي! ما هو لو بتعملي حساب لجوزك وبتحترميه مكنتيش شيلتي من وراه المبالغ دي كلها.
طارق اتكلم بصوت مهزوز يا أمي خلاص بقى، متكبريش الموضوع..
شاورتله أمه بإيدها كأنها بتهش دبانة إنت تسكت خالص يا طارق! أنا بجيب لك حقك وبقف في ضهرك!، ورجعت بصت لإيلين بنظرة ناشفة شوفي يا بت الناس، عشان نقفل السيرة دي بالمعروف.. بما إنك ما شاء الله مقتدرة كده، هتنزلي مع جوزك تكتبي له نص الشاليه في الشهر العقاري، ده أولاً. ثانيًا، تسيبي مفاتيح الشاليه لهند تطلع تصيف هي وعيالها، هما أولى من أي غريب وبنت عم جوزك ظروف جوزها اليومين دول على قده وقاعد من الشغل ومحتاجين يشموا نفسهم. وإنتي خليكي هنا في مصر في شقتك كمّلي شغلك ومشاريعك الكتيرة اللي مبتخلصش دي..
فضلت إيلين باصة لحماتها بنفس النظرة الثابتة، ملامحها هادية كأنها بتسمع شروط صفقة في الشغل مش مؤامرة على شقاها ومالها. الصمت كان تقيل، يقطع بالسكين، وطارق عينه رايحة جاية بين مراته وأمه، بيفرك في إيديه كأنه عيل صغير مستني علقة.
حطت إيلين شنطتها على الكرسي الفاضي، وسحبت كرسي تاني وقعدت قدام الحاجة فايزة بالظبط، حطت إيد على إيد وبصت لها بابتسامة خفيفة، ابتسامة باردة مستفزة خلت الست الكبيرة ترجع ضهرها لورا شوية بريبة.
خلصتي كل شروطك يا حماتي؟ ولا لسه فيه قايمة تانية باقية؟ صوت إيلين كان طالع ناعم ورزين، مفيش فيه ذرة رعشة ولا انفعال، وده بالذات اللي خلا الحاجة فايزة تتوتر أكتر.
عدلت الست طرحتها بعصبية وقالت بصوت خشن دي مش شروط، دي أصول! والبت الأصيلة اللي متربية في بيت شبعان تعرف الأصول دي من غير ما حد يفكرها بيها! إنتي متجوزة راجل، مش واخدة عيل تسحبيه وراكي، فلوسك وفلوسه واحدة، والستر ميكملش إلا والراجل له كلمته وله نصيبه في كل طوبة بتتبني!
ضحكت إيلين ضحكة قصيرة، ضحكة خالية من أي هزار، وبصت لطارق اللي كان باصص في الأرض وبيحاول يتجنب عينيها تمامًا سمعت أمك بتقول إيه يا طارق؟ الست والراجل واحد، وفلوسهم واحدة.. بس تصدق؟ أنا مكنتش شايفة إن ده كان رأيكم خالص من تلات سنين، لما دخلت البيت ده.
طارق بلع ريقه بصعوبة ورفع راسه إيلين.. أرجوكي، إحنا بس بنتكلم، متكبريش الموضوع.. أمي مقصدهاش تضايقك، هي بس شافت إننا عيلة واحدة وإن
اسكت إنت خالص! قاطعته أمه بحزم، ورجعت بصت لإيلين بشرر سيبك من طارق، الكلام معايا أنا! هتكتبي النص باسمه ولا هتفضلي ماشية بدماغك دي وراكبة دماغك؟ قولي كلمة واضحة عشان نعرف راسنا من رجلينا في الجوازة دي!
إيلين مالت لقدام شوية، وسندت كوعها ع الترابيزة أنا كلامي واضح من الأول يا حاجة فايزة، بس الظاهر إن طارق نسي يفكرك. لما اتجوزنا من تلات سنين، طارق كان داخل بديون قد كده عشان كان ضامن واحد صاحبه في قرض، ومرتبه كان دوبه
بيكفي نص مصاريف البيت. مين اللي شال الإيجار؟ مين اللي كان بيسهر لحد تمانية الصبح عشان عملاء أمريكا وأوروبا يبعتوا بالدولار ونسد الديون؟ طارق؟ ولا أنا؟
وده عيب؟! ده واجبك! ردت فايزة بصوت عالي الواحدة تقف في ضهر جوزها لما يقع، مش تقعد تعايره بفلوسها وشقاها! ده بدل ما تحمدي ربنا إنه سترك وفتحلك بيته؟
ستره؟ بيته؟ إيلين ابتسمت تاني، والمرة دي النبرة كانت أبرد وأقسى الشقة اللي إحنا قاعدين فيها دي إيجار جديد، وأنا اللي دافعة تأمينها، وأنا اللي بدفع إيجارها كل أول شهر من الحساب اللي بتسميه من وراه. طارق مرتبه بيخلص في أول أسبوعين، والباقي بيروح فين؟ بيروح جمعيات لهند عشان تجيب أجهزة، ومصاريف علاج لأبو طارق، وتصليحات لغسالة حضرتك اللي بتخرب كل شهرين مرة!
طارق وشه احمر من الكسوف وبدأ يرفع صوته بتوسل ممزوج بضيق إيلين! بلاش الكلام ده قدام أمي! أنا عمري ما قصرت معاكي في حاجة، وبعدين أهلي دول لحمي ودمي، مش غرب، إنتي بتعملي من الحبة قبة ليه؟ هند دي بنت عمي، زي أختي، وظروفها صعبة وجوزها بقاله ست شهور قاعد من غير شغل.. إيه المشكلة لما تفرح بالعيال أسبوعين في الشاليه؟ البحر هينقص؟ ولا الشاليه هيتاكل؟
بصت إيلين لجوزها بتركيز، كأنها بتشوفه لأول مرة في حياتها. الملامح هي هي، العيون اللي كانت بتحبها، بس الراجل اللي جواه اتبخر، متبقاش منه غير قشرة بتهتز مع كل كلمة بتقولها أمه.
المشكلة مش في البحر يا طارق، إيلين قالتها بصوت هادي وموجع المشكلة إنك كداب. ومبتعرفش تشيل سر. ومبتعرفش تحمي بيتك ولا مراتك. أنا لما حطيت المفتاح في إيدك يوم الجمعة، قولتلك بلاش نطلع السر ده برة.. قولتلي حاضر، سرك في بير. ويدوبك دخلت الحمام، لقيتك مكلم أمك وبايع الأمانة في نص ساعة!
طارق حاول يبرر وهو بيقرب منها أنا فرحت! كنت فرحان وعايز أمي تفرح بيا وبمراتي، إيه الجريمة في كده؟ إنتي دايمًا شايفاني وحش وظالماني!
ردت الحاجة فايزة بصلابة وهي بتقوم تقف وتعدل طرحتها سيبك منها يا طارق، كلامها كله لف ودوران عشان تاكل حقك! البت دي متعلمة وناصحة وبتعرف تلوّي الكلام، بس مش على فايزة! اسمعي هنا يا بت الناس.. بيت ابني مفتوح للكل، واللي يدخل جيبه أو جيبك هو ملك للعيلة دي. طارق مش هيعيش مذلول في شقة إنتي صاحبة الفضل فيها، ولا هيروح يصيف في شاليه محطوط كرم منك عليه! يا الشاليه يتقسم رسمي بالعدل في الشهر العقاري ويبقى ليه فيه زي ما ليكي، يا إما قسماً برب العزة ما هتقعدي له على ذمة دقيقة واحدة، وابني هيطلقك، وخلي بقى الشغل والملايين تنفعك!
طارق اتفاجئ بكلمة الطلاق، اتلخبط وبص لأمه يا أمي طلاق إيه بس؟! استهدي بالله، مش كده!
لكن أمه خبطت بإيدها ع الترابيزة هو كده! يا تبقى راجل في بيتك وليك كلمتك وحقك، يا تسيبها تشوف لها راجل تاني يرضى يعيش في ضلها ويقعد يصقف لشغلها ونجاحها!
إيلين قامت وقفت على حيلها. طولها وثباتها كان مديها هيبة خلت الحاجة فايزة تاخد خطوة تلقائية لورا. بصت إيلين في ساعة الحيطة، وبعدين بصت لعلبة الحلويات اللي على الترابيزة.
مدت إيدها، وفتحت العلبة، وخدت منها قطعة بسبوسة صغيرة، حطتها في بوقها وداقتها بهدوء شديد.
الهدوء ده كان مرعب للاتنين.
مسحت إيلين طرف صوابعها بمنديل ورق، وبصت لحماتها في عينها مباشرة من غير تردد خلصتي كلامك يا حاجة؟ تمام. اسمعي بقى كلامي أنا، عشان أنا مبحبش أعيد كلامي
متابعة القراءة