رواية كاملة
المحتويات
عليه في الورث، بنتي كانت بتأمن مستقبلها ومستقبل جوزها! ده أنتوا اللي قلبكم أسود وبتعملوا من الحبة قبة عشان شوية ورق وشوية قشور!.
أحمد ضحك، ضحكة مكسورة مليانة مرار وسخرية، مسك العقد والدهب وحطهم في جيبه، وبص للبنت اللي كانت لسه قاعدة على الأرض وعينيها مكسورة، وقالها بهدوء حاسم انتي طالق لو كنا كاتبين كتاب، وبما إننا لسه على البر، فدبلتك أهي، وكل مليم دفعته في جهاز ولا شبكة هاخده بالقانون، ومن اللحظة دي ملكيش خطيب ولا ليكي رجل في البيت ده.
أنا قلبي ارتاح للحظة إن أحمد فاق لنفسه وعِرف حقيقتهم قبل ما يقع الفاس في الراس وتدخل بيتنا وتبقى واحدة مننا، وقولت خلاص الموضوع خلص وهينزلوا يجروا ذيول الخيبة ويغوروا في داهية. لكن اللي مكنتش حاسبة حسابه هو الغل اللي ملى قلب أم البنت. الست دي بصت لأحمد بنظرة كلها كراهية وحقد، وراحت مقربة من بنتها وشداها من على الأرض بقوة وقالت قومي يا بت، قومي متعيطيش على الجربيع دول، بكرة يجيلك سيد سيده وسيد عيلته كلها!. وبعدين التفتت لأمي وليا، وابتسمت ابتسامة صفرا تخلع القلب وقالت فاكرين نفسكم كسبتوا وطلعتوا ناصحين؟ طيب وحياة بنتي ودموعها دي، ما هنسيبكم تتهنوا لا بالأرض ولا بالشقة، وهتشوفوا السواد اللي هيدخل بيتكم من وسع، والبلاغ اللي هعمله في النيابة مش هيكون على ضرب، ده هيكون على حاجة تانية خالص هتخلي راسكم في الطين قدام الحتة كلها!.
خرجوا الاتنين من الشقة ونزلوا على السلم بخطوات سريعة، وصوت كعب أمها كان بيرن في العمارة زي نذير شؤم. قفلنا الباب وراهم، وأحمد قعد على أقرب كرسي وهو حاطط راسه بين إيديه، وأمي قعدت تبكي بحرقة وتتحسبن،
وأنا كنت بلم فتافيت القزاز المكسور من على الأرض وأنا إيديا بتترعش، مش من الخوف، لكن من الإحساس إن الشر ده مش هيعدي بالساهل، وإن التهديد الأخير اللي قالته الست دي مكنش مجرد فورة غضب.
قعدنا تحت في شقة أمي لحد بعد العصر، أحمد كان ساكت تماماً ومش راضي ياكل ولا يشرب، وأنا بحاول أهدي أمي وأديها دوا الضغط عشان ميرفعش عليها. حاولت أقنع نفسي إن كل شيء انتهى، وإن ربنا نجا أخويا على آخر لحظة، لكن السكينة دي مكملتش ساعتين زمن.
الساعة كانت داخلة على سبعة بالليل، والدنيا بدأت تظلم، ورنين جرس الباب رن بطريقة غريبة؛ رنات متواصلة، سريعة، ووراها خبط عنيف ومكتوم على الخشب. قومت اتفزعت من مكاني، وأحمد جري على الباب وفتحه، ولقينا قدامنا اتنين من كبارات المنطقة، ومعاهم عمي الكبير اللي ساكن في أول الشارع، ووشوشهم مقلوبة وغضبانة بطريقة تقطع الخلف. عمي دخل وزق أحمد في صدره وهو بيزعق بصوت عالي سمّع العمارة كلها إنت إيه اللي هببته ده؟ إنت جايب للبيت وللعيلة الفضايح في آخر أيامنا؟ أبو البنت قالب الدنيا في الشارع وجايب ناسه ومعاهم تسجيلات وصور ل وصل أمانة وشيكات بيقولوا إنك ماضي عليها وواكل حقهم وسارق دهب البنت، وعاملين محضر سرقة ونصب في القسم وبيلفوا بالورق على بيوت الحتة كلها عشان يفضحونا!.
وقفت متجمدة والدم هرب من عروقي، وبصيت لأخويا اللي اتصدم ورجع لورا خطوتين وهو بيقول شيكات ووصلات إيه يا عمي؟ والله العظيم عمري ما مضيت ليهم على ورقة بمليم، ده هما اللي طالعين من هنا سارقين ورقنا ودهب أمي!. عمي طلع تليفونه من جيبه بعصبية، وشغل صورة ورقة متصورة وورقة بلاغ رسمي ورماها في وش أحمد، وأنا قربت بسرعة وبصيت في الشاشة، وشوفت منظر شل تفكيري وخلاني أحس إن الأرض بتميد بيا... كانت صورة لوصل أمانة بمبلغ خيالي، وتحته إمضاء كربونية وبصمة متزورة باحتراف شبه إمضاء أحمد بالمللي، ومكتوب إنه استلم دهب بمبلغ نص مليون جنيه على سبيل الأمانة وبددها، وده كان الفخ الخبيث اللي كانوا مجهزينه عشان يلووا بيه دراعنا لو كشفنا سرقتهم للأرض!
قربت من تليفون عمي وعيني متبتة في الشاشة الصغيرة، والدم كان بيهرب من وشي كأن حد سحب روحي بسرنجة. الفيديو كان متصور بكاميرا موبايل محطوط بزاوية مايلة وواطية، كأنه كان متثبت على رف جزمة أو فوق كرتونة في صالة شقة أخويا. الكاميرا كانت جايبة الصالة كلها من بعيد، لكن المشهد اللي شغال كان مقصوص ومتركب بطريقة شيطانية؛ مفيش فيه سرقة الورق، مفيش فتح الدولاب بالمفتاح المسروق، ومفيش كلام على كيس أسود ولا عقد أرض! اللي ظاهر بس في الفيديو ومدته متكملش دقيقة، هو اللحظة اللي أحمد داخل فيها الصالة باندفاع وبيزعق، وهي واقفة قدامه بتصرخ وبتتراجع لورا، وأحمد بيقرب منها بكل عصبية ويمد إيده عشان يشد منها الشنطة، لكن في اللقطة السريعة دي، الكاميرا جايباه كأنه بيهجم عليها وهي بتقع على الترابيزة الإزاز والترابيزة بتتكسر ميت حتة، وبعدها علطول صوت تقطيع شاشات وصوت صريخها وهي بتقول ابعد عني حرام عليك! متقربليش!.
وفوق الفيديو من تحت، مكتوب كابشن عريض باللون الأحمر الفاقع شاهد لحظة تعدي خطيب فاجر على خطيبته ومحاولة الاعتداء عليها داخل شقة مغلقة وسرقة دهبها بعد ما رفضت تسلمه نفسها!.
وقفت متخشبة مكاني، رجليا مكنوش شايليني، وحسيت إن الحيطان بتضيق عليا وعايزة تطبق على صدري. بصيت لعمي اللي كان وشه بيغلي زي المرجل وعينيه حمرا من الغضب، وقولت بصوت بيترعش عمي... اسمعني، والله العظيم الفيديو ده متفبرك ومتقصقص! البت دي حرامية، طالعة فوق تسرق عقد الأرض وسلسلتين دهب بتوع أمي، وأحمد كان بيشد منها شنطتها عشان الورق!.
عمي ضرب كف بكف وصرخ في وشي بصوت هز الشقة ورق إيه وعقد إيه يا مغفلة إنتي وهو؟! الناس في الشارع بره مبتقراش عقود ولا بتفهم في الحسابات دي! الناس شايفة فيديو فيه ابن أخويا بيتهجم على ولية في شقة مقفولة وبيرميها على القزاز، وأبوها بره جايب معاه أربع عربيات محملين رجالة من عيلتهم، واقفين على أول الشارع بالأسلحة البيضاء والشوم، ونازلين شتايم في سيرتكم وفي عرضكم، ومطالبين يا إما أحمد ينزل يكتب عليها دلوقتي حالا ويدفع مؤخر ربع مليون جنيه وصلات أمانة، يا إما البلاغ اللي في النيابة هيمشي ومقاطع الفيديو دي هتتوزع على كل صفحات المنطقة، وساعتها مش هتعرفوا تمشوا في الشارع لا إنتي ولا بناتك ولا أمك العيانة دي!.
أمي أول ما سمعت الكلمتين دول، مسكت في صدرها وفضلت تنهج، ووقعت على الكنبة زي القتيلة، ضغطها فلت وشفايفها ازرقت وبقت تتكلم بصوت مكتوم زي الحشرجة يا حسرتي... يا فضحتي بين الناس... يا بني ضيعت نفسك وضيعت عيلتك.... جريت على أمي بصرخ وبضرب على وشي، جبتلها كوباية مية بسكر ودوا الضغط وأنا إيديا بتخبط في بعض، وأحمد كان واقف ورا ضهري مش بينطق، لكن وشه كان بيتحول من الذهول لغضب أسود، غضب راجل شاف الموت بعينيه وحس إن عرضه وكرامته بيتداسوا برجلين ناس ميسووش تلاتة مليم.
أحمد قرب من عمي وبص في عينيه من غير ما يرمش، وبصوت طالع من تحت الأرض، واطي جداً بس فيه نبرة
متابعة القراءة