رواية كاملة
وقفت عشان أنقذ ست بتموت على الطريق فخسرت شغلي بسبب التأخير، لكن لما رجعت أخد حاجتي من مكتبي حياتي كلها اتغيرت!
إنت بتقول إيه؟! يعني كنت بتساعد حد؟!
صوت مديري شقّ سكون المكتب لدرجة إن حتى المتدربين اللي واقفين جنب ماكينة التصوير سكتوا تمامًا.
كنت لسه واقف قدامه، شنطة اللابتوب على كتف واحد، والكرافتة بتاعتي مائلة شوية، ونفسي متقطع من الجري وأنا داخل من جراج العربيات.
الأوضة اللي وراه كانت فاضية.
العملاء مشيوا.
وفوق الترابيزة كان ملف العرض اللي سهرت نص الليل أظبطه، لسه ظاهر على الشاشة الكبيرة كأنه بيتريق عليّا.
كان عندي موقف طارئ قلت وأنا بحاول آخد نفسي. ست وقعت على جنب الطريق. كانت ماسكة صدرها وفجأة وقعت. ماكنتش أقدر أسيبها وأمشي.
مديري، حسام، بصلي كأني بتكلمه بلغة مش فاهمها.
فكّه اتشد.
اتقدم ناحيتي خطوتين ببطء، ووطي صوته وده خلا الموقف أسوأ بكتير.
كانت مراتك؟
لأ.
والدتك؟
لأ.
طلع ضحكة قصيرة مليانة غضب، وبص حوالين المكتب كأنه محتاج شهود على الكلام اللي هيقوله.
يعني خليني أفهم إنت ضيّعت اجتماع الساعة تمانية ونص مع أكبر عميل محتمل عندنا عشان ست غريبة على الطريق شكلها تعبان؟
هي ماكانش شكلها تعبان رديت. هي وقعت بين إيديا.
رفع إيده بعصبية.
وبسبب كده خسرنا العميل!
حلقي نشف.
بصيت ناحية أوضة الاجتماعات تاني، كأني مستني العملاء يظهروا فجأة ويكونوا لسه قاعدين قدام القهوة ومستنيين مني أشرح.
لكن مفيش حد كان هناك.
كل اللي فضل كان ريحة القهوة المحروقة، وحبر الطابعة، وإحساس إن أحسن فرصة شافتها شركتنا الصغيرة من شهور ماتت قدام عيني.
حسام، أنا آسف قلت. والله آسف. بس كنت أعمل إيه؟ أعدّي من جنبها وأسيبها؟
أيوه.
قالها بمنتهى البرود.
المكتب كله سكت أكتر.
لثواني، افتكرت إني سمعت غلط.
اتقدم ناحيتي.
أيوه يا ياسر. كان المفروض تكمل طريقك. عندك مسؤولية هنا. عندك فريق معتمد عليك. عندك عملاء مستنيينك. إحنا مش جمعية خيرية إحنا شركة.
وداني بدأت تطن.
أنا كنت شغال في الشركة دي بقالّي تقريبًا تلات سنين.
كنت باخد مكالمات متأخرة.
وبفوت الغدا.
وباجي في الويك إند.
وأنقذت حملات إعلانية كانت على وشك تفشل.
وهديت عملاء غاضبين.
ودربت موظفين جداد.
وكنت أطلع أرقام ونتايج من الهوا لما محدش غيري كان عارف يعملها.
كنت أول واحد يدخل وآخر واحد يخرج لدرجة إن عمال النظافة بقوا عارفين أسماء بناتي.
ودلوقتي
بيتقالي إن كان المفروض أسيب واحدة غريبة مرمية على الطريق عشان اجتماع أهم.
حسام قلت، وصوتي نفسه كان بيرتعش. أنا اديت كل حاجة عندي للمكان ده.
ما رمش حتى.
مش فارق معايا.
الكلمة نزلت عليّا كأنها صفعة.
لم حاجتك. إنت مرفود.
فضلت واقف مكاني.
عقلي رفض يستوعب اللي حصل.
كام شخص بصوا بعيد.
وآخرين بصوا لي بنظرات فيها شفقة.
واحدة من مديري الحسابات حركت الكرسي بتاعها وبصت في الكيبورد كأن الحروف فجأة بقت أهم حاجة في الدنيا.
محدش قال كلمة.
حسام أشار ناحية الممر.
الموضوع انتهى.
نفسي أقول إني خرجت من هناك بكرامتي.
نفسي أقول إني وقفت وخطبت له محاضرة عن الوفاء والإنسانية، وإنه في يوم من الأيام هيندم.
لكن الحقيقة كانت أبشع.
وشي سخن.
حلقي اتقفل.
وقبل ما ألحق أتحكم في نفسي، دموعي لمعت في عيني.
لفيت بسرعة لدرجة إني كنت هوقع شنطتي.
سمعت صوت كرسي بيتسحب ورايا.
وبعدين ما بقيتش سامع غير صوت خطواتي وهي بتدق على الأرض وأنا خارج من المكتب اللي حطيت فيه سنين من عمري.
خرجت للشمس الصبح الساطعة
كأني راجل اتطرد من حياته بإيده.
أول ما ركبت عربيتي، قفلت الأبواب.
مسكت الدركسيون بإيدي الاتنين
وصرخت.
ماكانتش كلمات.
كان مجرد صوت مكسور طالع من جوايا.
ماكانش عندي أي فكرة إن الست اللي وقفت عشانها على الطريق
كانت على وشك تيجي تدور عليّا.
وماكانتش جاية تشكرني بس.
كانت جاية تغيّر حياتي كلها.
حكايات_ميراا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا فضلت قاعد جوه العربية حوالي عشر دقايق، مش قادر حتى أشغل الموتور.
كنت ببص قدامي ومش شايف حاجة.
كل اللي كان بيدور في دماغي كلمة واحدة
إنت مرفود.
بعد تلات سنين من الشغل، وفي يوم واحد، كل حاجة انتهت.
مديت إيدي للموبايل عشان أكلم مراتي، لكن وقفت.
مش عايز أقول لها.
مش دلوقتي.
مش عايز أسمع في صوتها الخوف اللي أنا نفسي حاسس بيه.
فتحت درج العربية، طلعت منديل ومسحت وشي، وبعدها أخدت نفس طويل.
خلاص يا ياسر روح هات حاجتك وامشي.
كان لازم أرجع المكتب.
مش عشان حسام.
عشان اللابتوب الشخصي، شوية أوراق، وصورة بناتي اللي كنت حاططها في درج مكتبي.
دخلت الشركة بعد حوالي نص ساعة.
الغريب إن كل الناس كانت بتبصلي.
بعضهم حاول يتجنب عيني.
واحد من زمايلي قرب مني وهمس
معلش يا ياسر اللي حصل مش عادل.
ابتسمت ابتسامة باهتة.
ولا يهمك.
وصلت عند مكتبي.
فتحت الدرج وبدأت ألم حاجتي في الكرتونة الصغيرة اللي لقيتها قدامي.
كنت لسه بحط صورة بناتي لما سمعت صوت خطوات سريعة ورايا.
حضرتك الأستاذ ياسر؟
لفيت.
كانت بنت في أواخر العشرينات، لابسة بدلة رسمية، وشكلها متوتر جدًا.
أيوه.
مدت إيدها بمغلف أبيض.
ده ليك.
بصيت للمغلف باستغراب.
مين بعته؟
مش عارفة بس قالوا لي أوصله لك شخصيًا.
أخدته منها.
كان عليه اسمي كاملًا.
ياسر محمود عبد الرحمن.
ومفيش اسم مرسل.
فتحت الظرف ببطء.
أول حاجة وقعت عيني عليها كانت صورة.
اتجمدت.
كانت الست اللي وقعت على الطريق.
نفس الست.
نفس ملامحها.
لكن الصورة دي كانت متاخدة في مكان مختلف تمامًا
قدام مبنى ضخم، وحواليها حرس كتير.
وتحت الصورة كان مكتوب
السيدة ليلى منصور رئيسة مجلس إدارة مجموعة منصور للاستثمارات.
قلبي دق بسرعة.
إيه ده؟
البنت بصتلي بتوتر.
اقرأ الورقة اللي جوا.
طلعت ورقة مطوية.
فتحتها.
وكان أول سطر فيها
إلى الرجل الذي أنقذ حياتي صباح اليوم
إيدي بدأت ترتعش.
كملت القراءة.
أنا لا أعرف اسمك إلا الآن، ولا أعرف لماذا خاطرْت بوقتك وعملك من أجلي، لكنني عرفت من موظفي الإسعاف أنك كنت الوحيد الذي وقف بجانبي.
بلعت ريقي.
وكملت.
علمت أيضًا أنك خسرت وظيفتك بسبب تأخرك عن اجتماع مهم.
وقفت عن القراءة.
رفعت عيني للبنت.
هي عرفت إزاي؟
ردت بصوت منخفض
لأنها كانت موجودة.
فين؟
قبل ما تجاوب، سمعنا صوت خطوات تقيلة جايّة من آخر الممر.
اتفتح باب الشركة.
ودخل أربعة رجال ببدل سوداء.
وراءهم
كانت ليلى منصور.
لكنها ما كانتش الست المريضة اللي شفتها الصبح.
كانت واقفة بثبات، وراها حرس، وكل اللي في المكان تقريبًا سكت.
مشت ناحيتي لحد ما وقفت قدامي.
وبصت في عيني مباشرة.
الأستاذ ياسر؟
هزيت راسي.
أيوه.
مدت إيدها.
أنا ليلى منصور.
صافحتها وأنا لسه مش فاهم أي حاجة.
قالت بهدوء
أول حاجة أنا جاية أعتذر لك.
تعتذري لي؟
أيوه.
سكتت لحظة، وبعدين قالت الجملة اللي خلت الدم يتجمد في عروقي
لأن بسبب إنقاذك ليا أنا اكتشفت إن حياتك اتدمرت بسبب ناس أنا كنت بثق فيهم.
بصيت لها باستغراب.
مش فاهم.
ليلى بصت ناحية حسام، اللي كان واقف بعيد عند باب مكتبه.
وبعدين رجعت تبصلي.
وأنا جاية النهارده أصلّح الغلطة دي.
حسام قرب بسرعة.
مدام ليلى، الموضوع مش زي ما حضرتك فاهمة
قاطعته بنظرة واحدة.
أنا مش بكلمك.
سكت فورًا.
وبعدين ليلى رجعت تبصلي.
ياسر أنا عرضت عليك وظيفة.
ضحكت بسخرية من شدة التوتر.
وظيفة؟
أيوه.
بعد ما اتطردت من هنا؟
هزت رأسها.
لأ.
وقفت لحظة.
أكبر من الوظيفة اللي اتطردت منها.
فتحت حقيبتها وأخرجت ملفًا أسود.
حطته قدامي على المكتب.
المرتب عشرة أضعاف مرتبك الحالي.
فتحت الملف.
عيني اتسعت.
لكن قبل ما أقدر أتكلم، قالت
ولسه ما سمعتش أهم جزء.
بصيت لها.
قالت
أنا محتاجة شخص أثق فيه