حماتي والچحيم حكـايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

بتقولي إيه؟
مريم، لازم تقابلي شريف.
لا.
اسمعيني.
أنا مش عايزة أشوف حد منكم.
الموضوع مش عشانهم.
أمال؟
قالت
عشانك إنتِ.
قفلت المكالمة.
قعدت مكاني.
إيدي كانت بتترعش.
حساب باسمي؟
أنا عمري ما فتحت حساب من النوع ده.
فتحت تطبيق البنك.
دورت في حساباتي.
مافيش.
اتصلت بالبنك.
شرحت للموظف.
طلب مني بيانات.
وبعد دقائق قال
حضرتك فيه حساب قديم فعلًا.
قلبي دق.
باسمي؟
أيوه.
من إمتى؟
قال التاريخ.
قبل الجواز بست شهور.
قبل ما أعرف طارق أصلًا بوقت بسيط.
قلت
مين فتحه؟
المعلومات الموجودة عندنا بتقول إن فتح الحساب تم حضوريًا.
حضوريًا؟
أيوه.
أنا ما رحتش البنك في اليوم ده.
سكت الموظف.
وبعدين قال
حضرتك فيه مستندات مرفقة.
أقدر أشوفها؟
لازم تروحي الفرع.
قفلت.
قعدت أبص قدامي.
يعني الموضوع أقدم.
أقدم من الجواز.
أقدم من الكارت.
أقدم من رجاء.
وأقدم من الأربع سنين اللي عشتهم.
تاني يوم روحت البنك.
قدمت بطاقتي.
الموظف دخل على النظام.
وبعدين طبع لي مجموعة أوراق.
أول ورقة؟
طلب فتح حساب.
اسمي.
بياناتي.
توقيع.
نفس التوقيع المزور.
قلبي وقع.
لكن المبلغ اللي دخل الحساب كان هو الصدمة.
420 ألف جنيه.
دخلوا الحساب بعد فتحه بثلاث أيام.
وبعدها خرجوا في تحويلات متعددة.
وقفت.
مين المستفيدين؟
الموظف قال
فيه أكتر من حساب.
بصيت للأسماء.
أول اسم
شركة.
تاني اسم
شريف الشبراوي.
تالت اسم...
طارق.
قعدت.
أنا حسيت إني مش قادرة أتنفس.
الموظف سأل
حضرتك كويسة؟
قلت
آه.
لكن الحقيقة؟
لأ.
كنت رجعت لنقطة الصفر.
لأ.
أسوأ.
لأن دلوقتي اكتشفت إن حياتي كلها مع طارق ممكن تكون مبنية على كڈبة بدأت قبل ما أعرفه.
رجعت البيت.
فتحت اللاب توب.
طلعت كل المستندات.
وبدأت أراجع.
لو الحساب اتفتح باسمي قبل الجواز بست شهور...
يبقى مين كان معاه بياناتي؟
مين كان يعرف رقم بطاقتي؟
مين كان يعرف توقيعي؟
مين كان يقدر يفتح الحساب؟
وقتها افتكرت حاجة.
قبل الجواز، طارق كان بييجي معايا في مشاوير تجهيزات الجواز.
مرة طلب مني صورة البطاقة.
قال
عشان عقد الشقة.
أنا بعتهاله.
ومرة تانية طلب توقيعي على ورقة.
قال
إجراءات تأمين.
أنا وقعت.
كان ممكن تكون دي البداية.
لكن ليه 420 ألف دخلوا؟
ومن فين؟
فتحت رقم التحويل.
وبحثت في الأوراق.
المصدر كان شركة مقاولات.
شركة طارق كان شريك فيها.
يعني...
هو كان بيحط فلوس الشركة في حساب باسمي.
وبعدين يخرجها.
ده مش مجرد استغلال.
ده كان ممكن يحطني في مشكلة قانونية وأنا ما أعرفش.
مسكت الموبايل.
اتصلت بالمحامي.
قلت له
لازم نتقابل.
بعد ساعة كنت قدامه.
حطيت الورق.
قرأ.
وبعدين رفع عينه.
دي مشكلة أكبر.
قلت
عارفة.
إنتِ متأكدة إنك ما فتحتيش الحساب؟
متأكدة.
وموقعتيش على أي إقرار يسمح باستخدامه؟
لأ.
سكت.
إذن لازم نتحرك بسرعة.
إزاي؟
هنطلب من البنك كل المستندات الأصلية.
وبعدين؟
لو التوقيع مزور، هيبقى فيه تحقيق.
وطارق؟
هيبقى لازم يفسر وجود اسمه.
رجعت البيت.
كنت متوقعة إن طارق يتصل.
وفعلًا.
الموبايل رن.
رديت.
ألو؟
مريم.
صوته كان متوتر.
إنتِ روحتي البنك؟
سكت.
مين قالك؟
مش مهم.
إنت كنت عارف؟
عن إيه؟
الحساب.
سكت.
الصمت كان كفاية.
قلت
كنت عارف.
مريم اسمعيني.
إنت فتحت حساب باسمي؟
أنا ما فتحتوش.
مين فتحه؟
مش عارف.
وال ألف؟
سكت.
طارق!
قال
أنا كنت مضطر.
مضطر تعمل حساب باسمي؟
كان لازم.
ليه؟
عشان أحمي الشركة.
وتحمي نفسك.
آه.
وتلبسني أنا.
ماكانش قصدي.
ضحكت.
دي أسوأ جملة ممكن تقولها.
أنا كنت ناوي أرجع كل حاجة.
إنت قلت الجملة دي قبل كده.
مريم...
خلاص.
إنت هتعملي إيه؟
هعمل اللي كان لازم أعمله من أول يوم.
إيه؟
هحمي نفسي.
سكت.
وبعدين قال
أنا ممكن أروح السچن.
صوته كان مكسور.
لأول مرة حسيت بثقل اللي ممكن يحصل.
لكن بعد كل اللي عشته...
ماقدرتش أتحمل ذنب مش ذنبي.
قلت
أنا مش هبلغ عشان أنت تدخل السچن.
سكت.
أنا هبلغ عشان اسمي مايدخلش السچن بدالك.
وقلت له
والباقي ربنا يكتبه.
وقفل.
بعد أسبوعين بدأت التحقيقات.
كل حاجة اتفتحت.
الحساب.
التوقيعات.
التحويلات.
الشركة.
القرض.
الشقة.
الكارت.
كل حاجة.
رجاء اضطرت تبيع دهبها.
شيرين رجعت شغلها.
شريف اختفى فترة وبعدين ظهر من خلال محاميه.
أما طارق...
فدخل في دوامة قانونية كبيرة.
أنا ما كنتش سعيدة.
بالعكس.
كان فيه جزء جوايا بيتمنى إن كل ده ماحصلش.
إن طارق يطلع براءة.
إن نرجع لأول يوم.
إنه يقول لي
أنا بحبك.
وأنا أصدقه.
لكن الزمن ما بيرجعش.
بعد حوالي ست شهور، حصل الانفصال رسميًا.
خرجت من المحكمة.
الجو كان مشمس.
بصيت للسماء.
حسيت إني خفيفة.
مش سعيدة.
لكن خفيفة.
رجعت البيت.
عملت لنفسي رقاق.
ضحكت لما افتكرت اللي حصل.
أنا اللي كانت حرارتي 39.
أنا اللي
رجاء سابت لي خمسة كيلو مفروم.
أنا اللي كان المفروض أقف أحشي ورق عنب وأنا برتعش.
دلوقتي؟
أنا قاعدة لوحدي.
قدامي صينية رقاق.
ومحدش بيقول لي
إنتِ كنة البيت على إيه؟
حطيت أول قطعة في الطبق.
وأكلت.
بهدوء.
من غير استعجال.
من غير خوف.
ومن غير ما أفكر مين هيرضى ومين هيزعل.
بعدها فتحت اللاب توب.
كان عندي اجتماع أونلاين مع عميل أجنبي.
خلصت الاجتماع.
لقيت رسالة من دار نشر.
عرض جديد.
أكبر.
وأجر أعلى.
وافقت.
وبعد كام يوم، بدأت أشتغل من مكتب صغير عملته في البلكونة.
المكان اللي كنت بقعد فيه زمان أراجع الفواتير وأنا مخڼوقة.
دلوقتي بقي مكتبي.
حطيت نباتات.
مكتبة.
كرسي مريح.
ولافتة صغيرة مكتوب عليها
ابدئي من جديد.
كنت محتاجة الجملة دي.
مش عشان أنسى.
عشان أفتكر إن البداية الجديدة مش عيب.
بعد حوالي سنة، كنت قاعدة في نفس المطبخ.
الموبايل رن.
رقم غريب.
رديت.
ألو؟
صوت رجاء.
عرفته فورًا.
مريم؟
سكت.
أنا عارفة إنك مش عايزة تسمعيني.
قولي.
أنا عايزة أعتذر.
اعتذارك وصل من زمان.
بس المرة دي أنا مش عايزة منك حاجة.
سكت.
عايزة أقول لك إني غلطت.
آه.
كنت فاكرة إنك هتفضلي ساكتة.
وأنا كمان.
كنت فاكرة إن طارق مهما عمل هتسامحي.
وأنا كمان كنت فاكرة.
صوتها ارتعش.
إنتِ كنتِ أحسن مني.
ما رديتش.
أنا ظلمتك.
آه.
وكنت شايفة إنك غريبة عن البيت.
مع إن البيت كان بيتي.
آه.
سكتت.
وبعدين قالت
أنا خسړت ابني.
قلبي اتقبض.
مش بسببك.
أنا عارفة.
أنا ماكنت سبب في اللي حصل له.
عارفة.
هو اللي اختار.
عارفة.
سكتت.
ربنا يسامحك يا مريم.
قلت
ويسامحنا كلنا.
وقفلنا.
ما سامحتهاش بالكامل.
ومش عارفة إذا كنت هقدر في يوم.
لكن لأول مرة ماكانش جوايا ڠضب.
كان فيه هدوء.
وده كان كفاية.
أما شيرين، فبعدها بشهرين بعتت لي رسالة.
قالت إنها اشتغلت بانتظام.
وبقت مستقلة.
وقالت
أنا كنت فاكرة إن اللي بييجي بسهولة حق مكتسب. إنتِ علمتيني إن اللي بياخد حاجة مش بتاعته، حتى لو محدش وقفه، بيبقى غلطان.
قريت الرسالة.
ما رديتش.
بس المرة دي احتفظت بيها.
مش عشانها.
عشاني.
عشان أفتكر إن مش كل الناس بتتغير بسرعة.
لكن بعضهم بيتعلم.
بعد فترة، عرفت إن شريف باع جزء من ممتلكاته وسدد جزء كبير من التزاماته.
وعرفت إن القضية الخاصة بالحساب باسمي اتثبت فيها إن التوقيع مش توقيعي.
اسمي اتشال من كل الإجراءات.
أما ال ألف؟
جزء كبير منهم رجع.
مش مرة واحدة.
على دفعات.
لكن رجع.
وأنا أول ما رجع لي أول مبلغ...
ما حوشتوش.
ما استثمرتوش.
ما خفتش أصرفه.
روحت اشتريت حاجة لنفسي.
ساعة.
ساعة بسيطة.
مش غالية.
لكن وأنا بدفع تمنها، البائعة قالت
تحبي تغلفها هدية؟
بصيت لها.
وقلت
آه.
وبعدين ضحكت.
لنفسك؟
قلت
آه.
ولأول مرة في حياتي اشتريت هدية لنفسي.
رجعت البيت.
فتحت العلبة.
لبست الساعة.
وبصيت لإيدي.
افتكرت كام سنة ضاعت وأنا بحسب حساب كل جنيه.
لكن في نفس الوقت...
افتكرت إني لسه هنا.
وده كان أهم.
بعدها بدأت أوسع شغلي.
وظفت بنتين يساعدوني.
وبقيت أشتغل مع دار نشر بشكل ثابت.
وبعد سنة فتحت مكتب صغير.
مش كبير.
لكن باسمي.
اللافتة كانت
مريم للترجمة والتحرير.
وقفت قدام اللافتة يوم الافتتاح.
وأنا حاسة إن الاسم ده مش مجرد اسم.
ده أول حاجة في حياتي بقت ملكي من غير ما حد يشاركني فيها.
في يوم الافتتاح، واحدة من البنات اللي شغالة معايا قالت
إنتِ أكيد فخورة بنفسك.
ضحكت.
أيوه.
إيه أصعب حاجة عدت عليكي؟
فكرت.
كان ممكن أقول
الفلوس.
الخېانة.
الكذب.
القضية.
الجواز.
لكن قلت
إني اكتشفت إني كنت بعرف أقول آه أكتر ما بعرف أقول لأ.
قالت
وده اتغير؟
بصيت لها.
اتغير.
ضحكت.
وبقى عندي كلمة بحبها جدًا.
إيه؟
قلت
لأ.
ضحكت.
لكن وأنا بقولها...
افتكرت رجاء.
افتكرت يوم ما قالت
إنتِ كنة البيت على إيه؟
وأنا واقفة بحرارة 39.
وقتها كنت فاكرة إن كرامتي في إني أتحمل.
دلوقتي فهمت إن كرامتي كانت في إني أرفض.
في إني أقول
أنا تعبانة.
مش هقدر.
ده مالي.
ده حقي.
وده مش مقبول.
وفي إني ما أعتبرش نفسي أنانية لمجرد إني بحمي نفسي.
مرت سنتين.
وفي يوم كنت قاعدة في المكتب، جالي ظرف.
مفيش اسم مرسل.
فتحته.
جواه ورقة واحدة.
رسالة قصيرة.
مريم، أنا عارف إن مفيش كلام هيغير اللي حصل. بس أنا خرجت من الأزمة، وبدأت أشتغل من جديد. كل فلوسك رجعت، وكل ورقة باسمك اتلغت. أنا مش بطلب منك ترجعي. أنا بس بطلب منك ما تكرهينيش.
فضلت باصة للرسالة.
عرفت إنها
من طارق.
قعدت أفكر.
هل أكرهه؟
لأ.
الكراهية محتاجة طاقة.
وأنا ما بقاش عندي طاقة أديها له.
أنا ببساطة...
عديت.
حطيت الرسالة في الدرج.
وقفلت الدرج.
وبعدين رجعت للشغل.
لأن حياتي ما بقتش مستنية حد يرجع لها.
أنا اللي بقيت أرجع لها كل يوم.
بعد كام شهر، اتنقلت لشقة جديدة.
أصغر.
أهدى.
وأجمل.
مش لأن شقتي القديمة وحشة.
لكن عشان كنت محتاجة مكان مافيش فيه ذكريات تقيلة.
يوم النقل، وأنا بجمع حاجتي، لقيت الترمومتر القديم.
اللي رجاء رمتُه يومها.
مسكته.
قعدت أبص له.
وبعدين حطيته في صندوق.
مش رميته.
احتفظت بيه.
لأن بعض الحاجات ماينفعش ننساها.
لازم نفتكرها عشان مانرجعش لها.
في آخر يوم في الشقة القديمة، وقفت في المطبخ.
نفس المكان.
نفس الرخامة.
نفس التلاجة.
غمضت عيني.
افتكرت نفسي وأنا ساندة ضهري هنا.
ركبي بتخبط في بعض.
وشي سخن.
وحلقي بيوجعني.
ورجاء واقفة قدامي بتقول
واقفي؟ مين قالك تقفي؟
فتحت عيني.
وقلت بصوت مسموع
لأ.
وبعدين ضحكت.
المرة دي أنا اللي هقرر أقف إمتى.
قفلت باب الشقة.
ونزلت.
ما بصتش ورايا.
مش لأن الماضي ماكانش مهم.
لكن لأنه أخد كفايته مني.
دلوقتي دوري أنا.
بعد ثلاث سنين من يوم الجونة...
كنت قاعدة في مكتبي.
الساعة كانت حوالي ستة المغرب.
الموظفين مشيوا.
وأنا لسه بخلص شغل.
رن جرس الباب.
رفعت عيني.
واحد من العاملين دخل وقال
في حد بره عايز يقابلك.
مين؟
قال
بيقول اسمه طارق.
سكت.
قلبي دق.
مش خوف.
ولا حب.
مجرد مفاجأة.
قلت
خليه يدخل.
دخل طارق.
كان مختلف.
شعره شاب فيه أبيض.
وشه خسر الوزن.
لابس بدلة بسيطة.
وقف قدامي.
إزيك؟
قلت
كويسة.
واضح.
ابتسمت.
إنت عامل إيه؟
كويس.
سكت.
قعد.
أنا ماجتش أطلب حاجة.
تمام.
ولا أرجع.
تمام.
ولا حتى أعتذر.
بصيت له.
أمال؟
قال
جاي أشكرك.
ضحكت.
على إيه؟
إنك وقفتي اللي كنت بعمله.
مش فاهمة.
لو كنتي فضلتي ساكتة، كنت هكمل.
سكت.
وكنت هخسر أكتر.
وأنا كنت هخسر أكتر.
عارف.
بصيت له.
أنت اتغيرت؟
فكر.
مش عارف.
ضحكت.
إجابة صريحة.
بس بقيت أعرف حاجة واحدة.
إيه؟
إن الخۏف مش مبرر إنك تظلم حد.
سكت.
أنا زمان كنت خاېف أخسرك.
وخسرتني.
هز راسه.
آه.
بس مش عشان الفلوس.
عارف.
عشان الأمان.
عارف.
قام.
مش هعطلك.
قلت
طارق.
وقف.
آه؟
أنا مش زعلانة منك دلوقتي.
عينه لمعت.
ده كفاية.
بس ده مش معناه إننا نرجع.
أنا فاهم.
كل واحد فينا عنده حياة.
عارف.
ابتسم.
ربنا يوفقك.
قال
وإنتِ كمان.
خرج.
قفلت الباب.
رجعت لمكتبي.
قعدت.
وبصيت من الشباك.
القاهرة كانت منورة.
صوت العربيات بعيد.
والناس ماشية.
كل واحد شايل حكايته.
وأنا لأول مرة...
حكايتي كانت ملكي.
مش ملك جوز.
ولا حماتي.
ولا عيلة.
ولا أي حد.
أنا اللي كتبتها.
وأنا اللي كملتها.
بعدها بأيام، كنت في بيت أمي.
قعدنا نشرب شاي.
بصت لي وقالت
إنتِ شكلك اتغير.
ضحكت.
لأ.
آه.
إزاي؟
قالت
بقيتي بتبصي في عين الناس وإنتِ بتتكلمي.
ضحكت.
زمان ماكنتش؟
زمان كنتِ بتعتذري حتى وإنتِ مش غلطانة.
سكت.
الجملة لمست حاجة جوايا.
بصيت لها.
يمكن كنت فاكرة إن ده احترام.
قالت
الاحترام إنك تحترمي نفسك الأول.
ابتسمت.
ولأول مرة حسيت إن الجملة دي وصلت لي في وقتها.
مش متأخر.
في وقتها.
بعد سنة كمان، جالي إيميل من شيرين.
كانت بتقول إنها اتجوزت.
ضحكت لما قريت.
وقالت
أنا اتعلمت منك إن البيت شراكة، مش خدمة.
قفلت الإيميل.
وقلت
ربنا يسعدك.
وما زدتش.
لأن كل واحد لازم يعيش نتيجة اختياراته بنفسه.
أما رجاء...
فآخر خبر وصلني عنها إنها باعت جزء من بيتها، وسددت ديون، وبقت تعيش لوحدها.
ماحاولتش أتدخل.
ولا أسأل.
يمكن دي كانت عقوبتها.
مش الوحدة.
لكن إنها تضطر تسمع صوت نفسها من غير ما يكون فيه حد تتحكم فيه.
وأنا؟
أنا بقيت أحب حياتي.
مش لأنها خالية من المشاكل.
لكن لأنها حياتي.
لو تعبت...
بارتاح.
لو مش قادرة...
بقول مش قادرة.
لو حد طلب مني حاجة مش مناسبة...
بقول لأ.
لو حد حاول يقنعني إن حقي مش حقي...
ما بصدقوش.
ولو حد قال لي
إنتِ مراته.
برد
آه، بس أنا كمان إنسانة.
ولو حد قال
دي أمه.
بقول
وأنا ليا أمي.
ولو حد قال
العيلة أهم.
بقول
العيلة اللي تحبك مش بتكسر ظهرك.
وفي ليلة هادية، كنت براجع عقد شغل جديد.
الموبايل رن.
رقم مجهول.
رديت.
ألو؟
صوت ست كبيرة.
مريم؟
أيوه.
أنا سمعت عن شغلك.
مين حضرتك؟
أنا صاحبة دار نشر كبيرة.
ابتسمت.
اتفضلي.
عايزين نتعامل معاكي في مشروع كبير.
يسعدني.
بس المشروع محتاج سفر.
فين؟
قالت اسم بلد أجنبي.
سكت لحظة.
وبعدين قلت
موافقة.
قفلت.
وبصيت قدامي.
السفر.
زمان السفر كان معناه
فلوس تُسحب من حسابي.
كارت.
رجاء.
شيرين.
فندق.
رقاق.
محشي.
وصوت بيقول
إنتِ كنة البيت على إيه؟
دلوقتي؟
السفر بقى معناه
أنا.
شغلي.
نجاحي.
اختياري.
ابتسمت.
وقمت من مكاني.
دخلت المطبخ.
عملت قهوة.
وقفت عند الرخامة.
وحطيت إيدي عليها.
نفس الحركة اللي عملتها يوم مرضي.
بس المرة دي...
ماكانش فيه رعشة.
ماكانش فيه خوف.
ماكانش فيه حد يأمرني.
كان فيه أنا.
وبس.
رفعت الكوباية.
وقلت لنفسي
الحمد لله إني عرفت.
لأن أوقات الحقيقة
بتوجع.
وأوقات بتخسرنا ناس.
وأوقات بتخلينا نبدأ من الصفر.
لكن أسوأ حاجة في الدنيا...
إنك تفضل عايش في حياة مش حياتك، بس عشان خاېف تخسر اللي حواليك.
أنا خسړت جوازي.
خسړت ناس كنت فاكرة إنهم أهلي.
خسړت فلوس.
وخسړت أربع سنين.
لكن في المقابل...
رجعت لنفسي.
وده كان أغلى حاجة.
وبعد
كل السنين دي، لو حد سألني
إيه أكتر حاجة ندمتي عليها؟
هقول
مش إني طلعت الكارت.
مش إني ساعدت.
مش إني وثقت.
الندم الحقيقي؟
إني اتأخرت في إني أحط حدود.
لأن الطيبة من غير حدود...
بتتحول في إيد الناس الغلط لاستسلام.
والمساعدة من غير اتفاق...
ممكن تتحول لاستغلال.
والحب من غير احترام...
بيتحول لسجن.
وأنا؟
أنا خرجت.
مش منتصرة على طارق.
ولا على رجاء.
ولا على شيرين.
ولا على شريف.
أنا انتصرت على النسخة القديمة مني.
النسخة اللي كانت پتخاف تقول
لأ.
النسخة اللي كانت فاكرة إن السكوت حكمة.
النسخة اللي كانت شايفة إن تحملها دليل حب.
النسخة اللي كانت بتحسب كل جنيه لنفسها، وتدي اللي في إيدها للناس عشان مايزعلوش.
أنا دفنت النسخة دي.
وعملت مكانها واحدة جديدة.
واحدة لو سخنت...
تنام.
لو تعبت...
ترتاح.
لو اتظلمت...
تتكلم.
ولو حد حاول ياخد حقها...
توقفه.
وبعد حوالي أربع سنين من يوم رجاء رمت الترمومتر على رخامة المطبخ...
كنت في مكتبي، وبنت جديدة اتعينت عندي.
كانت بتشتغل معانا بقالها أسبوع.
دخلت عليا وهي مترددة.
مدام مريم؟
أيوه؟
ممكن أسألك سؤال؟
طبعًا.
أنا لو مش قادرة أخلص الشغل النهارده، أقول؟
ابتسمت.
طبعًا.
مش هيبان إني مقصرة؟
ضحكت.
لأ.
متأكدة؟
قلت لها
أنا زمان كنت فاكرة إن عشان أبقى كويسة لازم أوافق على كل حاجة.
وبعدين؟
وبعدين اكتشفت إن اللي بيحبك مش بيطلب منك تكسري نفسك عشانه.
سكتت.
قلت
لو تعبانة، قولي.
لو مش قادرة، قولي.
لو الحاجة فوق طاقتك، قولي.
وما تخافيش من كلمة لأ.
ابتسمت.
حاضر.
خرجت.
فضلت قاعدة لوحدي.
بصيت للساعة اللي اشتريتها لنفسي.
الساعة كانت لسه في إيدي.
نفس الساعة.
نفس الهدية.
بس أنا مش نفس الست.
ابتسمت.
ورجعت لشغلي.
ومن يومها...
كل ما أفتكر الجملة القديمة
إنتِ كنة البيت دي على إيه؟
ما بفتكرهاش كإهانة.
بفتكرها كأول إنذار.
الإنذار اللي جه متأخر.
بس جه.
والحمد لله...
إني المرة دي...
سمعته.
تمت.

تم نسخ الرابط