رواية كاملة
إنهم هيستهدفوا الطيارة.
بس كنت عارف إن فيه خطر!
جدها سكت.
مريم قامت.
أنا مش لعبة يا جدو.
خرجت من الغرفة.
ولأول مرة في حياتها
جدها ما حاولش يمنعها.
بعد أسبوع.
التحقيقات استمرت.
والرجل اللي كان على الطائرة اعترف أخيرًا.
لكنه قال حاجة أخطر
إحنا ما كناش عايزين الطائرة تقع عشان نقتل الركاب.
المحقق سأله
أمال ليه؟
ابتسم.
كنا عايزين نشوف مين هينقذها.
المحقق عقد حاجبيه.
يعني إيه؟
النظام كان اختبارًا.
اختبار لإيه؟
الرجل قال
مين الشخص اللي هيقدر يتعامل معاه؟
سكت.
وبعدين أضاف
كان لازم نعرف إذا كان والد مريم علّم حد تاني أسراره.
المحقق بص له.
ومريم؟
ابتسم.
هي كانت الإجابة.
بعد شهر، صدر التقرير الرسمي.
الرحلة 2847 تعرضت لعملية اختراق إلكتروني متعمدة.
تم القبض على المتورطين.
الشركة أوقفت المشروع.
وتم فتح التحقيق من جديد في حادث والد مريم.
أما سلمى، فنجت.
وأصبحت أول شخص يشهد رسميًا إن مريم ساعدتها في إنقاذ الطائرة.
لكن مريم نفسها رفضت كل عروض الشهرة.
رفضت البرامج.
رفضت الإعلانات.
ورفضت حتى لقب الطيارة الصغيرة.
كانت بتقول
أنا مش طيارة.
أنا كنت بس الشخص اللي كان موجود وقتها وعرف يعمل اللي اتعلمه.
لكن الحقيقة كانت أكبر.
لأنها بدأت بعدها دراسة الطيران رسميًا.
وبعد سنوات
وقفت في أول يوم لها داخل أكاديمية الطيران.
كان المدرب بيشرح لهم إجراءات الطوارئ.
وفجأة قال
لو حصل عطل مفاجئ، أول قاعدة عندنا هي
مريم كملت من مكانها
متخليش الخوف يخليك تعمل حاجة أسرع من اللازم.
المدرب بص لها.
إنتِ سمعتي الكلام ده قبل كده؟
ابتسمت.
من شخص مهم جدًا في حياتي.
وفي آخر الفصل
كان فيه جهاز محاكاة.
مريم دخلت.
قفلت الباب.
لبست السماعة.
وفجأة سمعت صوتًا من المدرب
جاهزة؟
مريم ابتسمت.
جاهزة.
لكن قبل ما يبدأ التدريب
سمعت صوتًا قديمًا في ذاكرتها.
صوت جدها
الطيار الشاطر مش اللي بيبان جامد وقت الخطر الطيار الشاطر هو اللي يعرف يعمل الصح والناس كلها حواليه بتنهار.
مريم فتحت عينيها.
وبدأت التدريب.
بعد عشر سنوات
كان فيه مطار كبير بيستقبل طائرة قادمة من رحلة طويلة.
الطيار المعلن على مكبرات الصوت
الكابتن مريم عبد الرحمن، نتمنى لكم رحلة سعيدة.
كانت مريم وقتها في السادسة والعشرين.
لابسة زي الطيار.
شعرها مربوط.
وعلى كتفها شارة القائد.
وبجوارها كان مساعد الطيار بيجهز إجراءات الهبوط.
فجأة
ظهر تنبيه صغير على الشاشة.
مشكلة في نظام التحكم.
المساعد بص لها.
كابتن؟
مريم فضلت هادية.
بصت للشاشة.
ثم للسماعة.
ثم قالت
Checklist.
المساعد بدأ يقرأ.
مريم تنفذ.
خطوة.
ورا خطوة.
بدون صراخ.
بدون خوف.
بدون ارتباك.
وفي آخر الطائرة، كان راكب عجوز بيبص من الشباك.
رفع عينيه لمقدمة الطائرة.
وبابتسامة صغيرة قال لنفسه
حسن عبد الرحمن كان عنده حق.
الطيارة هبطت بسلام.
ولما مريم نزلت من الكابينة، كانت أمها مستنياها..
لكن مريم قبل ما تمشي، بصت ناحية المدرج.
افتكرت الرحلة 2847.
افتكرت السقوط.
افتكرت سلمى.
افتكرت جدها.
ووقفت لحظة.
لأن فيه حاجة واحدة كانت لسه ناقصة.
رجعت لبيت جدها.
كان راقد على كرسيه، وقد كبر جدًا.
حطت قدامه صورة.
صورة الرحلة 2847.
وقال
كل ده ولسه فاكرة؟
ضحكت.
مش هنسى أبدًا.
سكت لحظة.
وبعدين قالت
بس فيه حاجة عايزة أعرفها.
إيه؟
ليه سميتني النسر واحد؟
جدها ابتسم.
فاكرة أول مرة سألتيني؟
أيوه.
قولتلك وقتها إن النسر بيطير لوحده.
مريم هزت رأسها.
وأنا اكتشفت إن ده مش صح.
ليه؟
ابتسمت.
لأن في أصعب لحظة في حياتي كان فيه صوت واحد على اللاسلكي بيقولي أعمل إيه.
جدها بص لها.
وده معناه إيه؟
مريم قربت منه .
معناه إن حتى النسر محتاج حد يوجهه أحيانًا.
ضحك جدها.
وكانت دي آخر مرة يتكلموا فيها عن الرحلة.
بعد شهور قليلة
رحل حسن عبد الرحمن بهدوء.
ومريم احتفظت بسماعة الطيران القديمة اللي كان بيستخدمها معاها في تدريباتها.
علقتها في مكتبها.
وفوقها كتبت بخط إيدها جملة واحدة
الخوف مش إنك تقع الخوف إنك تقع ومتحاولش تمسك نفسك.
أما الرحلة 2847
فلم تعد مجرد رحلة كادت تتحول إلى كارثة.
أصبحت القضية التي كشفت واحدة من أخطر عمليات التلاعب بأنظمة الطيران.
وأصبحت مريم عبد الرحمن أول شاهدة على الحقيقة.
لكن الأهم
إن البنت اللي دخلت كابينة القيادة وهي في السادسة عشرة، وهي فاكرة إنها بتحاول تنقذ سبعين شخصًا
اكتشفت في النهاية إنها كانت بتنقذ أكتر من مجرد ركاب.
كانت بتنقذ الحقيقة اللي أبوها مات وهو بيحاول يحميها.
وكان جدها، طوال السنين، لا يدربها على الطيران فقط
بل كان يحاول أن يجهزها لليوم الذي ستضطر فيه، وحدها، إلى مواجهة الخوف الذي أخافه هو طوال حياته.
وفي اليوم الذي هبطت فيه الرحلة 2847
لم تولد مريم كطيارة.
لكنها في تلك اللحظة
بدأت رحلتها الحقيقية.