رواية كاملة

لمحة نيوز


عارفة الإجابة
لكن لأنها كانت عارفاها.
قبل ما تقدر تقول أي حاجة، صوت جدها انفجر في السماعة
مريم! ركزي قدامك!
رجعت بعينيها للمدرج.
باقي ثواني.
العجلات نزلت.
ولأول مرة من بداية الكارثة، سمعت الكابينة صوتًا انتظره كل اللي على الطيارة
دَخ!
العجلات لمست الأرض.
الطيارة ارتدت مرة.
وبعدين مرة تانية.
مريم ضغطت على الفرامل.
جسم الطيارة كله اهتز بعنف.
الركاب صرخوا.
أكواب وقعت.
طفل بدأ يعيط.
لكن الطيارة كانت على الأرض.
ولأول مرة من أكتر من عشرين دقيقة
الرحلة 2847 ما كانتش بتسقط.
كانت بتجري.
مريم فضلت ماسكة أدوات التحكم.
السرعة بتنزل.
المطار بيقرب.
وفي آخر المدرج كان فيه حاجز أمان.
صوت جدها قال
لسه!
مريم ردت
السرعة بتنزل.
لسه!
جدو
مريم! متفرحيش دلوقتي!
بصت للعداد.
وبعدين بصت قدامها.
آخر المدرج قرب.
السرعة نزلت.
وبعدين نزلت أكتر.
وقبل الحاجز بحوالي مئتي متر
الطيارة وقفت.
تمامًا.
ولا صوت.
ولا حركة.
بس صوت أنفاس أكتر من سبعين شخص.
مريم فضلت ماسكة أدوات التحكم.
ثانيتين.
تلاتة.
وبعدين
انفجرت الكابينة بالتصفيق.
ناس بتعيط.
ناس بتضحك.
ناس بتقول الحمد لله.
أم كانت حاضنة ابنها وبتبوس راسه.
راجل كبير وقع على الأرض من شدة الانفعال.
وواحد شاب فضل يقول
إحنا عايشين
إحنا عايشين!
لكن مريم ما كانتش بتسمع.
كانت باصة لسلمى.
لأن سلمى ما صفقتش.
ولا ابتسمت.
كانت بتبص لمريم بخوف.
خوف حقيقي.
وبصوت خافت قالت
محدش ينزل من الطيارة.
مريم عقدت حواجبها.
ليه؟
سلمى أشارت ناحية لوحة التحكم.
بصي على اللمبة الحمرا.
مريم بصت.
كانت فيه لمبة صغيرة بتنور وتطفي.
دي معناها إيه؟
سلمى همست
إن فيه نظام لسه شغال.
مريم قربت.
دققت في المؤشرات.
وبعدين اتجمدت.
ده مش ممكن.
صوت جدها جه
إيه اللي شايفاه؟
مريم قالت
نظام التحكم الاحتياطي اشتغل لوحده.
سكت جدها.
ولأول مرة من بداية المكالمة
مريم سمعت الخوف في صوته.
مريم، ابعدي عن اللوحة.
ليه؟
ابعدي عنها فورًا.
جدو، إنت عارف حاجة؟
مفيش رد.
جدو؟
الصمت طال.
وبعدين قال
أنا هقولك كل حاجة بس مش دلوقتي.
مريم رفعت صوتها
إنت عارف ليه الطيارة وقعت؟
الصمت.
جدو!
صوت جدها خرج أخيرًا
آه.
الكلمة كانت أبرد من أي إجابة ممكن تتقال.
مريم بصت لسلمى.
سلمى كانت مغمضة عينيها.
إنتوا الاتنين كنتوا عارفين؟
قبل ما حد يرد
باب كابينة القيادة اتفتح.
واحد من أفراد الطاقم دخل.
الشرطة والمطار على الطريق. كله ينزل بالترتيب.
سلمى قالت بسرعة
محدش يدخل هنا!
الرجل وقف.
الكابتن؟
محدش يلمس أي حاجة.
وبعدين بصت لمريم.
خدي الموبايل ده.
مدت لها جهاز صغير.
مريم أخدته.
ده إيه؟
مسجل الطوارئ الداخلي.
مريم بصت لها باستغراب.
ليه بتديهولي؟
سلمى قربت منها وهمست
لأن لو أنا غلطانة يبقى فيه حد كان عايز الطيارة دي تقع.
مريم حسّت بقشعريرة في جسمها.
ولو مش غلطانة؟
سلمى بصت في عينيها.
يبقى اللي عمل كده لسه موجود.
بعد عشر دقائق، كانت عربيات الإطفاء والإسعاف محاوطين الطيارة.
الركاب بدأوا ينزلوا.
ولما مريم ظهرت على باب الطيارة
الناس كلها بصت لها.
بنت صغيرة.
شنطة على كتفها.
شعرها منكوش.
وشها شاحب.
وإيديها لسه بتترعش.
لكنها كانت البنت اللي أنقذتهم.
واحد من الركاب قرب منها.
إنتِ اللي هبطتي الطيارة؟
مريم ما ردتش.
ست كبيرة مسكت إيدها .
ربنا يحميكي يا بنتي.
وبعدها راجل تاني .
وبعدين تالت.
وفي ثواني، اتجمّع حواليها ناس كتير.
ناس بتعيط.
ناس بتشكرها.
ناس بتصورها.
لكن مريم كانت بتدور بعينيها على شخص واحد.
جدها.
وفجأة شافته.
كان واقف بعيد عن كل الناس.
لابس بدلة رمادي غامق.
وعصاية في إيده.
ووشه ثابت.
أول ما عينيه قابلت عينيها
مريم فهمت.
هو كان عارف.
اتجهت ناحيته.
إنت كنت عارف!
الراجل الكبير ما ردش.
إنت كنت عارف إن الطيارة ممكن يحصل لها كده!
مريم
قول الحقيقة!
الناس بدأت تبعد.
الصحفيين قربوا.
جدها قال بهدوء
مش هنا.
لأ، هنا.
مريم، اسمعيني.
أنا قعدت طول عمري فاكرة إنك كنت بتعلمني الطيران عشان بتحبه!
سكتت لحظة.
ليه دربتني على أعطال حقيقية؟ ليه علمتني إجراءات طوارئ أكتر من أي حد في سني؟ وليه سلمى قالت إني مش أول مرة أعمل كده؟
جدها بص للأرض.
وبعدين قال
لأن أبوكي مات بسبب طيارة.
مريم اتجمدت.
الكلمة دي كانت معروفة.
لكن عمرها ما فهمت تفاصيلها.
أبوها مات وهي عندها خمس سنين.
حادثة طيران.
وده كل اللي أهلها قالوه.
جدها كمل
بس الحادثة ما كانتش حادثة.
مريم حسّت إن الدنيا اتسحبت من تحت رجليها.
يعني إيه؟
طيارة أبوكي كان فيها عطل في نظام التحكم.
عطل؟
أيوه.
والطيار مات؟
أبوكي كان مساعد الطيار.
مريم حست إن نفسها انقطع.
إنت قلتلي إنه مات في حادث.
لأنه كان لازم أموت وأنا مخبي عنك الحقيقة.
ليه؟
بص حواليه.
وبصوت منخفض قال
لأن الشركة اللي صنعت النظام ده كانت بتحاول تدفن الموضوع.
مريم قربت منه.
وإيه علاقة ده بالرحلة 2847؟
جدها ما ردش.
وده كان كفاية.
في نفس اللحظة، ظهر رجل لابس بدلة سوداء وسط رجال الأمن.
مشى ناحيتهم بثقة غريبة.
قرب من مريم وقال
أنا من هيئة التحقيق في حوادث الطيران.
جدها بص له.
لكن وشه اتغير فجأة.
إنت مش من الهيئة.
الرجل ابتسم.
لسه فاكرني يا لواء؟
مريم بصت بينهم.
جدها مسك ذراعها.
ورايا.
الرجل وقف.
لسه بتحميها؟
جدها رد
ابعد عنها.
الرجل ضحك.
أنت عارف إن الموضوع انتهى من سنين.
لأ.
جدها شد على عصايته.
الموضوع بدأ النهارده.
الرجل بص لمريم.
كان لازم الطيارة تقع.
مريم شهقت.
الراجل كمل
وكان لازم كل اللي فيها يموت.
وفي ثانية، اتغير كل شيء.
رجال الأمن الحقيقيين اندفعوا ناحيته.
الرجل حاول يهرب.
لكن اتقبض عليه.
ومريم فضلت واقفة مكانها.
مش قادرة تستوعب.
سلمى خرجت من الطيارة على كرسي متحرك.
كانت لسه ضعيفة.
لكنها أشارت لمريم.
المسجل.
مريم افتكرت الجهاز.
طلّعته.
سلمته للمحققين.
بعد ساعات
كانت الأخبار كلها بتتكلم عن الفتاة التي هبطت بطائرة ركاب وهي في السادسة عشرة.
لكن محدش كان يعرف القصة كاملة.
لأن التحقيق اكتشف حاجة أخطر.
قبل سقوط الطائرة بدقائق، تم إرسال أمر إلكتروني لنظام التحكم.
أمر مصمم بحيث يخلي الطائرة تفقد استجابتها تدريجيًا.
والأمر اتبعت من جهاز موجود داخل الطائرة نفسها.
مش من برج المراقبة.
ولا من الأرض.
من داخل الرحلة 2847.
يعني
كان فيه شخص على الطائرة هو اللي بدأ كل شيء.
المحققين راجعوا الكاميرات.
سبعين راكب.
طاقم الطائرة.
الطيارين.
كل واحد اتحرك في الوقت اللي المفروض يتحرك فيه.
لكن فيه شخص واحد اختفى من الكاميرات لمدة سبع دقائق.
المضيف.
نفس المضيف اللي شاف مريم وضغطت الزر.
تم استدعاؤه للتحقيق.
وبعد ساعات من الضغط، انهار.
واعترف.
كان متعاونًا مع المجموعة اللي قتلت والد مريم من سنين.
لكن المفاجأة الأكبر
إنه ما كانش الشخص اللي أرسل الأمر.
كان مجرد حلقة.
الشخص الحقيقي كان راكبًا.
مريم كانت قاعدة في غرفة التحقيق مع جدها.
الباب اتفتح.
دخل المحقق.
وفي إيده صورة.
حطها على الترابيزة.
مريم بصت للصورة.
وبعدين رفعت عينيها.
ده مين؟
المحقق قال
الراكب اللي دفع ثمن تذكرته نقدًا، واستخدم اسمًا مزيفًا.
مريم بصت للصورة مرة تانية.
وشها اتغير.
أنا شفته.
جدها قرب.
فين؟
كان قاعد قدامي.
المحقق قال
فين؟
مريم أشارت للصورة.
في الصف التاني.
سكتت.
وبعدين قالت
كان طول الرحلة ماسك كتاب.
المحقق سأل
وإنتِ لاحظتي إيه؟
مريم فضلت ساكتة.
وبعدين فجأة افتكرت.
قبل سقوط الطائرة بدقائق
كانت سمعت صوتًا.
صوت زرار بيتضغط.
وبعدها شافت الرجل ده واقف.
لكن اللي لفت نظرها وقتها ما كانش الجهاز.
كان
إيده.
في إصبعه خاتم.
خاتم عليه شعار صغير.
مريم قربت من الصورة.
الخاتم ده
جدها بص لها.
إيه؟
أنا شفته عندك.
جدها سكت.
مريم بصت له.
إنت تعرفه.
جدها ما قدرش ينكر.
طلع من جيبه سلسلة قديمة.
في نهايتها خاتم مشابه.
لكن نصفه فقط.
وقال
ده كان رمز الوحدة اللي كنت شغال فيها زمان.
مريم بصت له.
والوحدة دي كانت بتعمل إيه؟
جدها أخد نفس طويل.
مش كل اللي بيشتغلوا في الطيران بيكونوا طيارين.
بعد يومين، ظهرت الحقيقة.
والد مريم لم يكن مجرد مساعد طيار.
كان واحدًا من فريق سري كان بيختبر نظام تحكم جديد للطائرات.
النظام كان هدفه إن الطيار يقدر يتحكم في الطائرة حتى لو حصلت أعطال كبيرة.
لكن أثناء الاختبارات اكتشف والد مريم ثغرة خطيرة.
الثغرة تسمح لشخص من الخارج بالسيطرة على جزء من نظام التحكم.
بلغ عنها.
وطلب إيقاف المشروع.
لكن الشركة رفضت.
وبعدها مات.
جد مريم حاول يفتح تحقيق.
لكن الأدلة اختفت.
والشهود اختفوا.
والملف اتقفل باعتباره حادثًا.
ومن يومها
بدأ جدها يدرب مريم.
مش عشان يخليها طيارة.
لكن عشان يضمن إنها لو يومًا ما واجهت نفس العطل
ما تموتش بسببه.
مريم بصت له.
إنت كنت مستني إن ده يحصل؟
كنت خايف يحصل.
وعرفت إن الرحلة دي فيها النظام ده؟
جدها هز رأسه.
من أسبوع.
وسبتني أركب؟
حاولت أمنعك.
إزاي؟
اتصلت بالمطار.
وليه ما قولتش لي؟
لأن لو كنت قولتلك، كانوا هيعرفوا إنك عارفة.
مريم سكتت.
وفجأة فهمت.
يعني كنت بتستخدمني كطُعم.
جدها بص لها بحزن.
كنت بحاول أحميكي.
دخلتني طيارة عشان أكون طُعم؟
ما كنتش عارف
 

تم نسخ الرابط